شحاتة عوضأعطني قضاء مستقلا وعدالة معصوبة العينين أعطك دولة متقدمة حديثة وقادرة على تحقيق النهضة والطموح.. هذه ببساطة القاعدة الذهبية والمدخل الحقيقي لنهضة أي أمة من الامم. واذا كنا نتحدث عن مصر الحديثة ما بعد الثورة، فان إصلاح المؤسسة القضائية وترسيخ ثقة المواطن في أحكامها هي مقدمة مفصلية لبناء مصر الحديثة التي تشهد هذه الايام معركة كلامية حامية الوطيس بين عدد من الكتاب ومعهم رموز تيار استقلال القضاء من ناحية، وبين مجلس إدارة نادي القضاة من ناحية اخرى. وتتركز هذه المعركة حول ضرورة تطهير الجهاز القضائي من كل الفاسدين او الذين تحوم حولهم شبهة الفساد.
ومرد هذه المعركة ان بعضا من القضاة، وعلى رأسهم المستشار أحمد الزند رئيس نادي القضاة يتعاطون بحساسية مفرطة مع الدعوات المطالبة بتطهير القضاء ويرونها محاولة للمس بهيبة المؤسسة القضائية وأفرادها واختلاق أزمة ثقة بين اجهزة العدالة والمواطنين. لكن الموقف لا يصمد أمام حقيقة لا يجادل فيها أحد وهي أن مؤسسة الفساد التي ترعرعت وتعملقت في عهد الرئيس النظام السابق وعلى مدى ثلاثين عاما، طالت كل شيء في مصر حتى أكثر مفاصل الجسد المصري حساسية وحيوية. ولم يكن جهاز القضاء والعدالة استثناء من ذلك. هذه حقيقة يؤكدها المستشاران هشام البسطويسي ومحمود الخضيري النائبان السابقان لرئيس محكمة النقض اللذان قادا مع زملاء كبار لهما حركة استقلال القضاء المصري عام 2005 في مواجهة تغول النظام ومحاولاته المستمرة إدخال القضاء في بيت الطاعة الحكومي، على غرار مع فعله مع مجلس الشعب وغيرها من مؤسسات الدولة المصرية.
لقد كانت هذه الانتفاضة التي فجرتها قامات قضائية مرموقة قبل عدة أعوام، الخطوة الأكثر جرأة والصرخة الأعلى صوتا بان جسد العدالة في مصر بات في خطر نتيجة محاولات النظام المتواصلة لإفساد القضاء، عبر الضغط على بعض رجالاته ترغيبا وترهيبا، وعبرت عن رفض واضح من قبل القضاة الشرفاء ان يتم تحويلهم لشهود زور على جرائم نظام مبارك. ومن بين ما كشفته هذه الهبة الباسلة أن هناك عددا من القضاة تورطوا في تزوير الانتخابات البرلمانية في عام 2005 وتم إعداد كشوف بأسماء هؤلاء القضاة. لكن نظام مبارك استخدم كل أسلحته القذرة لإجهاض هذه الانتفاضة، وقام بالتنكيل بكل من شاركوا في هذه الحركة، واستطاع أن يعيد نادي القضاة عبر انتخابات عليها الكثير من الملاحظات، إلى بيت الطاعة مرة أخرى.
المصداقية والموضوعية تحتم علينا الإقرار بان الجسم القضائي في مجمله لايزال بخير وعافية، ويمكن القول بارتياح ان صرح القضاء المصري لايزال شامخا، والدليل على ذلك هو الكثير من الأحكام القضائية التاريخية التي أصدرها قضاة عظماء لم ترهبهم سطوة النظام ولا فساده ولا ضغوطه. ولن ينسى احد منا الأحكام التي أصدرتها محكمة القضاء الإداري بوقف تصدير الغاز أو إلغاء الحرس الجامعي وغيرها من القرارات التي انتصرت للحق في وجه الباطل الذي هو ديدن نظام مبارك. ولا ينسى أحد حكم الإعدام الذي أصدره المستشار العظيم المحمدي قنصوه بحق هشام طلعت مصطفى أحد الرموز الاقتصادية والمالية للنظام السابق، رغم ما تعرض له هذا الرجل العظيم من ضغوط وتشويه من جانب صحافة ورجال مبارك، لكن كل هذه الضغوط لم تفت في عزيمة الرجل ولا نزاهته.
السؤال المهم في هذا المقام هو هل لدينا قضاء مستقل في مصر حاليا؟ الإجابة في نظر كثيرين من المتابعين لهذا الملف وكاتب هذه السطور واحد منهم، أنه لا يوجد في مصر قضاء مستقل، ولكن يوجد قضاة مستقلون لديهم من الشجاعة والفروسية والسمات الشخصية ما يمكنهم من الانتصار للحق والعدالة رغم كل الضغوط ومحاولات التضييق. هذه الإجابة تبدو الأكثر اتساقا مع الواقع الراهن. فبقدر ما كانت هناك أحكام قضائية تاريخية انتصرت للعدالة وأكدت أنها معصوبة العينين، فان هناك أحكاما صدرت في المقابل وأثارت الكثير من التساؤلات والهواجس حول مدى منعة الجسم القضائي ضد الاختراق. وفي هذا الصدد يمكن أن نسوق الحكم الصادر ببراءة ممدوح إسماعيل صاحب العبارة (السلام 98) والهارب للخارج والمتهم بإغراق أكثر من ألف مصري وتقديهم وجبة لأسماك القرش في البحر الأحمر. ولا ننسى الكثير من الأحكام التي أصدرها قضاة بحق صحافيين وكتاب بالسجن والغرامة وعادة ما كان الخصم في هذه القضايا، أطراف محسوبة على النظام. والى جانب مجموعة القضاة المتورطين في تزوير ارادة الامة فان بعض الوثائق التي تسربت عقب انهيار جهاز مباحث امن الدولة الرهيب وبعد اقتحام مقراته، كشفت وجود كشوف لقضاة كانوا يتجسسون على زملائهم لصالح الجهاز، وان بعضهم كان يؤدي خدمات للجهاز. وإذا صحت هذه الوثائق التي نشرتها صحف مصرية، فانها تكشف بوضوح حجم الضرر والاختراق للجسد القضائي في مصر، الأمر الذي يتوجب التحرك بحسم ودونما تأخير أو تردد لاتخاذ كل الإجراءات والخطوات اللازمة لتطهير مؤسسة القضاء وتبييض صفحتها الناصعة لدى جموع المصريين الذين مازالوا رغم كل شيء، يرون في القضاء الحصن والملاذ الأخير لهم.
لسنوات طويلة ظل ملف القضاء والعدالة في مصر أحد الملفات الشائكة والمحظور الاقتراب منها، ولم يكن أحد يجرؤ على الحديث عن محاولات اختراق الجسد القضائي من قبل السلطة التنفيذية بدعوى الحفاظ على هيبة القضاء وترسيخ الثقة بين الشعب وجهاز القضاء في مصر. وتحت هذه الذريعة تم غض الطرف عن الكثير من علامات الإفساد للجهاز القضائي، وسعى بعض المحسوبين على النظام السابق لتصوير الحديث عن تطهير وإصلاح هذا الجهاز وكأنه محاولة للمس بهيبة القضاء والقضاة، وتلك كذبة كبرى من الأكاذيب العديدة للنظام السابق. وجاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير لتفتح كل الملفات بما فيها مؤسسات العدالة في مصر.
كلنا يدرك أنه ملف شائك وحساس جدا، ولكنه يجب الا يكون ملفا فوق المناقشة والمساءلة إذا كنا فعلا نريد بناء دولة مدنية حديثة تليق بمصر ما بعد الثورة.
فتطهير القضاء في مصر من كل من تورطوا في أعمال فساد او قاموا بالمشاركة في تزوير الانتخابات، وبالتالي تزوير ارادة الشعب المصري أو حامت حولهم الشبهات مهما كان حجمها، هو واجب وفرض عين على كل قضاة مصر الشرفاء، ويجب ألا يتحسس بعض القضاة من أي رأي يدعو لاصلاح الجهاز القضائي، وعليهم ان يقروا بأنه ليس كل القضاة ملائكة وانهم بشر قابلون لان تضعف إرادة بعضهم أمام سيف السلطان وذهبه.
إن على قضاة مصر العظماء من أمثال المستشار البسطويسي وزكريا عبد العزيز ومحمود مكي وأحمد مكي والخضيري وغيرهم، أن يبادروا وبسرعة لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة لإزالة أي شوائب صغيرة علقت بثوب العدالة الأبيض في مصر. إن هذه الخطوة هي الوحيدة الكفيلة بإزالة أي شكوك مهما صغرت في نفوس المصريين تجاه قضائهم الشامخ، وهي وحدها التي ستعيد الثقة التي ربما اهتزت لدى بعض منا في مؤسسة العدالة في هذا الوطن. إن أخطر ما يمكن ان تتعرض له امة من الأمم هو أن تهتز ثقة الناس في العدالة، فالقضاء المستقل العادل والنزيه والبعيد عن اي ضغوط أو أهواء، هو صمام الأمان والحصن الأخير لاي مجتمع، وهو بالقدر نفسه القاطرة التي يمكن ان تقود الامم لبناء حضاراتها وصنع تقدمها.
فمن المحزن حقا والمثير للقلق أن نرى بعض الإشارات التي تكشف عن اهتزاز ثقة بعض الناس في أحكام القضاء، وإلا كيف نفسر رد الفعل العنيف وغير المسبوق من قبل البعض على الأحكام القضائية، التي وصلت لحد الاعتداء على المحاكم وعلى رجال القضاء.
إن مصر الآن في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها على قواعد وأسس سليمة، وعلى رأس هذه المؤسسات الجهاز القضائي، ولكي يكون البنيان سليما فانه يجب أن يقوم على المصارحة والمكاشفة وان نعترف بكل شجاعة بأن كل قطاعات الدولة المصرية في عهد مبارك قد تضررت وان القضاء لم يكن بعيدا عن ذلك. لابد أن يبادر القضاة بتطهير أنفسهم من كل من يمكن أن يشوه صورة قضاء مصر أو يهز الثقة في عدالته. إن شبكات الفساد التي أقامها النظام السابق في مختلف قطاعات الدولة ومن بينها القضاء لاتزال تعمل وتشكل خطرا على ثورة 25 يناير ومكتسباتها وهذا يحتم ا تبييض صورة العدالة في مصر من أي شبهة فساد، إذا كنا نريد فعلا دولة تقوم على سيادة وهيبة القانون ولا شيء غير ذلك.
ويبقى الأمر الأكثر أهمية في هذا الصدد اتخاذ كل الإجراءات التي تحقق الاستقلال الحقيقي للمؤسسات القضائية في مصر عن اي تأثير او نفوذ للسلطة التنفيذية من خلال فصل القضاء بشكل كامل عن وزارة العدل، وان يكون مجلس القضاء الأعلى هو الجهة الوحيدة التي تعنى بكل شؤون القضاء والقضاة في مصر، وان يتم نقل جهاز التفتيش القضائي الذي كان يستخدمه النظام السابق لابتزاز والضغط على القضاة وللترهيب والترغيب، ليكن تابعا لمجلس القضاء الأعلى وليس لوزير العدل الذي هو جزء من السلطة التنفيذية. ولابد من توفير كل الضمانات اللازمة لتكون مؤسسات القضاء ورجالها بمنأى عن أي ضغوط.. فبدون استقلال حقيقي وكامل للقضاء وبدون تطهير الجهاز القضائي من كل ما حاق به من دنس، لا يمكن الحديث عن أن ثورة عظيمة قد جرت في مصر.’ كاتب مصري