غروب شمس الخطاب الايديولوجي وراء جبال الثورات

حجم الخط
0

رامي أبو جبارةفي الماضي، كانت الايديولوجيا بمثابة بطاقة هوية يحملها المواطن ويعتز بها أينما حل وارتحل، سواء كان مهتما في السياسية أم لم يكن، وكان الجميع حينها يفاخر بأيديولوجيته السياسية أيا كانت، ولا يرى نفسه إلا من خلالها. وكثيرون هم من قدموا أرواحهم من أجل الفكر السياسي الذي كانوا يحملونه، وكثيرون هم أيضا من ذاقوا الويلات من سجن وتعذيب ونفي من أجل الفكر والمعتقد السياسي. كان بإمكاني أن ألمح الاعتزاز الممزوج بالفخر بتلك الايديولوجيا، كلما تكلم أحد من شخوص تلك الأجيال وذكر الكلمة التي تعبّر عن أيديولوجيته، فعندما تأتي كلمة شيوعية مثلا على لسان أحد الشيوعيين القدامى، ينطقها بطريقة استعراضية لا تخلو من النشوة، يرافقها وميض يبرق في عينيه جاعلا للكلمة دلالات أعمق مما تبدو، وكذلك الاسلامي والقومي والتحريري والاشتراكي وإلخ… كانت الأيديولوجيا السياسية حينها تفرض على الشخص كيف يفكر وكيف يمارس حياته، وامتدت لتشمل نوع الطعام والموسيقى والملابس التي يفضلها، وأعرف أشخاصا حددت له الايديولوجيا السياسية شريكة عمره أو شريك عمرها! كما كانت الجدالات الفكرية السياسية حاضرة في كل المجالس، سواء في المسجد أو في الملهى، وان ظلت الجامعات هي البيئة الأنسب للمبارزات الفكرية، لأنها كانت البيئة الأخصب للتجنيد الأيديولوجي، ولكن ذلك لم يمنع مشاركة عامة الناس من عمال ورواد مساجد وفلاحين وحرفيين في تلك المعمعة الفكرية بشكل فعّال. أما على مستوى النخب الحاكمة، فقد بلغت التناحرات الأيديولوجية ذروتها خلال العقود الماضية، فكانت عمليات القتل والانتقام والمطاردة حاضرة على الدوام، وكانت تلك الممارسات نابعة بدرجة كبيرة من التنوع الأيديولوجي السائد، لا من أجل المصالح الشخصية، كما هو الحال الآن. كما أن الوصول أو المحافظة على الحكم، كان يحتاج بالضرورة لرواج الأيديولوجيا السياسية للطبقة الحاكمة، حتى ان كانت القوة العسكرية تميل لصالحها، ولنا في التناحر الشيوعي- البعثي في عراق ما بعد عبد الكريم قاسم أكبر دليل. أما بقراءة المشهد الثقافي، نرى أن المثقفين العرب، خاضوا حروبا ايديولوجية – سياسية تعدت صفحات الكتب، لتصل حد القتل كما حصل مع فرج فودة وسيد قطب ومهدي عامل وغيرهم الكثير. باختصار كانت الأيديولوجيا السياسية حاضرة بقوة، وكانت احد المحركات الرئيسية لسير المجتمعات سواء على الصعيد الجمعي أو على الصعيد الفردي. مع بزوغ فجر العولمة الأسود وابتداء توسعها في العقد الأخير من القرن العشرين، وما رافقها من اعلانات استعراضية عن نهاية التاريخ، برز سؤال بدا غريبا حينها… هل انتهى زمن الايديولوجيا؟ ورغم اشكالية المفهوم، إلا أننا نقصد هنا بالأيديولوجيا النسق العقدي السياسي، وليس بمفهومها التجريدي كعلم الأفكار، أو بتعريفاتها المختلفة باختلاف مدارسها الفلسفية. قد يرى المراقب للسياسة الدولية أن الكثير من الأفكار السياسية بات متفقا عليه – أو هكذا يبدو- من قبل غالبية التيارات السياسية السائدة على اختلاف ايديولوجياتها، فعلى سبيل المثال، هناك العديد من الدول الأوروبية وبعض دول أمريكا اللاتينية يتناوب على حكمها عدد من التيارات المختلفة، فدورة يصل اليسار إلى الحكم، ودورة أخرى يصل اليمين اليه، وتارة يحكم المحافظون وأخرى الليبراليون وحتى راديكاليون في بعض الأحيان مثل أورتيغا في نيكارغوا، ولكن قلما نجد تغييرات هيكلية وجذرية في أنظمة حكم تلك الدول. كما نرى أن العديد من المبادئ التي نادت بها الماركسية والاشتراكية عموما، باتت مسلّمات في الدول الرأسمالية، مثل مجانية الخدمات الأساسية وتعاطي الدولة مع الدين. وفي المقابل بات العديد من المبادئ النابعة أساسا من مدارس الرأسمالية، سواء كانت ليبرالية أم محافظة، هي بديهيات بالنسبة للعديد من الاشتراكيين بمن فيهم الأكثر راديكالية، مثل التداول السلمي للسلطة وحقوق الانسان. ولكن هل هذا يمكن أن يعني أن زمن الأيديولوجيا قد ولّى؟ أم أن هذا ما حاولت ترويجيه البروباغندا الامبريالية، لتصوير ما هو سائد الآن وكأنه نابع من طبيعة الانسان، وأنه يلبي جميع متطلباته ويواكب حركة مجتمعاته؟ على أية حال ما أعاد طرح الموضوع في ذهني ولكن بشكل مختلف قليلا، هو ما يشهده العالم العربي من حراك اجتماعي غير مسبوق في تاريخه. والمدقق في ذلك الحراك، يرى غياب الخطاب الأيديولوجي عنه بشكل شبه كامل. فخروج الجماهير إلى الشارع اتسم بالعفوية والتلقائية، ولم يكن مبنيا على الحشد والتنظيم الأيديولوجي الهرمي كما في السابق، بقدر ما كان مدفوعا بدوافع وطنية وحتى شخصية. كما أن الشعارات التي طرحت على ألسن المتظاهرين لم تتطرق في غالبها لأي خطابات أيديولوجية، بل تناولت مفاهيم عامة مثل الحرية والكرامة والنهضة والمساواة والديمقراطية. بالإضافة إلى أن حركات الاحتجاج اتسعت لتشمل في طياتها جميع فئات المجتمع، وكانت بعيدة كل البعد عن أي انتماءات ضيقة. وحتى أكون أمينا، إن من لفت نظري بطريقة غير مباشرة إلى هذه النقطة هو صديقي المصري محمد أشرف، وهو ناشط سياسي مؤدلج حتى الصميم، حين أكد لي أن غالبية الشباب الذين كانوا موجودين في ميدان التحرير، حينما حاول مغازلتهم بشيء من الأيديولوجيا ردوا قائلين: بلا شيوعية، بلا قومية، بلا اخوان، بلا اشتراكية، بلا وجع قلب… واحنا مالنا في كل ده؟ وأكد لي أن غالبية الشباب الذي خاطبه، كان ينشد دولة ديمقراطية مدنية، تجعل من مصر دولة قوية وعظمى، تملؤها العدالة والحرية والتقدم والنهضة. وقد أسر لي غاضبا، بأن الحركات التي كانت تخاطب الشباب بروح وطنية مفرغة من أي أبعاد فكرية واضحة، هي من كانت تجذب الشباب بشكل لافت، مثل الجمعية الوطنية للتغيير على سبيل المثال، وكانت تلك الحركات من أكبر المستفيدين من الثورة على الصعيد السياسي ولو مرحليا. ولذلك أقول بأن صديقي محمد، أرغمني على اعادة تأمل المشهد من جديد، واعاد إلى ذهني السؤال عن نهاية زمن الايديولوجيا أو على الأقل زمن الخطاب الأيديولوجي، الذي لم يعد يجذب الشباب في الوقت الحالي، ولم يعد مؤثرا في الحراك السياسي كما كان سابقا.

باعتقادي أن زمن الخطابات الأيديولوجية ولى بالفعل، ولعل مقارنة تجربة حزب الرفاه الاسلامي بتجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا هي البرهان الحي على صدق هذا الاعتقاد، كما أن ربيع الشعوب العربية جاء ليؤكد نفاد صلاحية الخطابات الأيديولوجية. ولكن تبقى الأسئلة التي بحاجة إلى اجابة، ان كان غروب شمس الخطابات الأيديولوجية يعني بالضرورة انتهاء زمن الأيديولوجيا؟

وما اذا كان ذلك الغياب، غيابا مؤقتا أم أن زمن الخطابات الأيديولوجية ولّى إلى غير رجعة؟ وكيف على الأحزاب العربية المؤدلجة أن تتعاطى وتتأقلم مع هذا التغير؟ أسئلة طفت على السطح مع اشتداد وهج الثورات العربية، وتستحق فعلا أن تكون موضع بحث. ‘ كاتب عربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية