فيلم يخالف توقعات المشاهدين سعيد أبو معلا يعد ‘إيليا سليمان’ مخرجا سينمائيا مختلفا بحق، تجاربه تشهد بذلك، فهي تقوده إلى كبرى مهرجانات العالم، منجزه الأخير ‘الزمن المتبقي’ ذو الانتاج العربي الفرنسي المشترك طاف عشرات المهرجانات ونال تقديرا واعجابا نقديا وحصد الجوائز (آخرها ‘اللؤلؤة السوداء’ في مهرجان أبو ظبي) تماما مثلما ‘يد إلهية’ وإن كان الثاني حمل بعض بصمات الأول، وهي بصمات يمكن لأي متابع أن يرصد من خلالها نقاط قوة واختلاف وتميز وتفرد ‘سليمان’ عن غيره من المخرجين الفلسطينيين والعرب أيضا.
جديده في ‘الزمن المتبقي’ يحيلنا إلى الزمن الباقي لفلسطيني مشرد/ لاجىء/ منفي وغريب لكنه عائد إلى وطنه ليعيش فيه ما تبقي من عمر بدأ يأفل ويغيب.. هو حالة بصرية ترصد تفاصيل إنسانية دقيقة من خلال سيرة عائلة فلسطينية عبر مراحل ثلاث (النكبة / السبعينيات/ اللحظة الراهنة)، ورحلة تأمل عقلانية لمشهدية الوطن التي لم تستقر أو تتبلور بعد، فبدا من خلال الشريط وطنا هشا لا يليق بحلم تارة، ووطنا يعيش مأزقا وجوديا يشترك فيه المحتل والمحتل تارة أخرى، وقدم دعوة ما لأن نتخلص من كثير أو قليل من الكليشيهات التي تصاحب دوما موضوع العودة / الحلم / الوطن من خلال نظرة عقلانية متأملة. فالوطن الذي حمله الشريط جاء مليئا بالتناقضات والمشاكل والانكسارات التي تشي بتعب البشر وتشرذمهم، فظهروا بإنسانيتهم العادية، ليسوا ملائكة وكذلك ليسوا مناضلين بالصورة التي نرسمها لهم، إنهم بشر بكل مميزاتهم وعيوبهم لكن مأزقهم المضاعف هو أنهم يعيشون في دولة احتلال تستخدم قوتها وبطشها وعنصريتها لتحقيق أهدافها وهو ما ترك بصماته وجروحه في روح الإنسان الفلسطيني كما جسده.
المشهد السابق يخالف صوراً متبلورة تقبع بالذاكرة عن الوطن والإنسان الفلسطيني، لكننا نكتشف أن تلك الصورة لا ترتبط باللحظة الراهنة وإنما تغور عميقا منذ اللحظة التي سقطت فيها فلسطين تحت الاحتلال.
والفيلم وفق تلك الرؤية يقدم تأملات ذلك العائد من غربته المجبر عليها، تأملات باردة وبلا مشاعر تقليدية احتفائية بهذه العودة، لا حنين ولا سخونة في الأحاسيس لحظة الارتماء في حضن الوطن وحتى الأم في مجاز بصري مواز… كل ذلك جاء بلغة بصرية وشاعرية شفيفة تارة، وبأساليب سينمائية متنوعة تارة أخرى.
لكن السؤال المطروح بعد فعل المشاهدة المليء بالترقب والحذر هو: ذنب من أن تصدمنا توقعاتنا عن الوطن؟ أهو ذنب الوطن أم ذنبنا نحن، أم ذنب الاحتلال؟ تلك هي المسألة، ولها في جسم المقال نصيب.
ثلاث مراحلتبدأ أحداث الفيلم الذي يروي قصة عائلة ‘إيليا’ من عام 1948 حتى اليوم، مروراً بأهم المحطات التاريخية الثلاث وهي النكبة، ومرحلة السبعينيات والثمانينيات وأيامنا الراهنة، تبدأ هذه الأحداث من لحظة عودة ‘إيليا’ (المخرج – المؤلف – البطل الصامت طوال الفيلم) للوطن في فلسطين المحتلة عام 1948 وتحديدا مدينة الناصرة، عودة ترافقها عاصفة وأمطار غزيرة تُفقد سائق السيارة اليهودي الطريق الصحيح، فيضطر إلى التوقف منتظرا هدوء العاصفة. يقول السائق متعجبا ومستنكرا: ‘وين أنا… ؟ أين أنا في هذا العاصفة؟ هل يعقل أن تكون هذه العاصفة في هذه البلد!’ ليبدو كسؤال إشكالي يستعار ليعبر عن ذلك المأزق الوجودي الذي تعيشه دولة الاحتلال / المواطن الإسرئيلي الذي لم يعرف هذه الأرض ولا جوها بعد. صحيح هو سؤال بسيط لكنه معبأ بالدلالة والحمولات المركبة، فهذا السائق المهاجر من بقعة ما في هذا العالم الذي لم يحتمل يوما ماطرا تاه على أثره في طرق بعيدة نرى في مقابله تماما ‘إيليا’ القادم من اغترابه إلى وطن تفتح لنا أبوابه لنشاهد ما لم نتوقعه.
مباشرة بعد ذلك المشهد بأسئلته وشحناته يعود بنا الفيلم إلى عام 1948 حيث يوم سقوط فلسطين بيد الاحتلال الإسرائيلي، وكأنه يريد أن يقول أن ذلك السائق الإسرائيلي التائه قادم من هذا التاريخ الاحتلالي، فترصد الكاميرا تفاصيل يجمعها الشريط مثل: بقايا مقاومين يجلسون على رصيف أحد المقاهي مسلحين ومنتظرين قدوم المحتلين، جندي عراقي من الجيش العربي للانقاذ تائه في حلم تحرير فلسطين، يسأل المقاومين عن مدينة ليجدها محررة، فيسأل عن أي المدن لم تحرر بعد؟ فيخبروه ساخرين.. يذهب مستمرا في حلمه التائه بتحرير فلسطين. ذات السخرية المرة نجدها في تلك اللقطة التي أصر عليها الضابط الإسرائيلي مع محافظ مدينة الناصر الذي رفع الراية البيضاء وحضر ليوقع وثيقة الاستسلام، تلك الوثيقة التي يرغب الضابط الإسرائيلي في توثيقها بكاميرا فوتوغرافية تجمعه وضباطه مع المحافظ فيظهر فيها الزعامات العربية في المدينة وكأنهم هم الذين تحضروا للصورة لا الضابط وجنوده.
تلك اللحظة المذلة والمشحونة بمعاناة التشرد واللجوء وضياع الأحلام وقصص الحب وتفسخ العلاقات الاجتماعية برحيل عائلات كاملة أو أنصافها ليبقى جزء كبير من المكان وأهله لاحتلال يفرد سيطرته وعنصريته عليهم.
عبر قصة صانع الأسلحة الذي يعتقد الإسرائيليون أنه مات بمجرد رميه في واد سحيق بعد أن رفض الاعتراف عن المكان الذي يخبيء فيه ذخائره، نكتشف مقاطع من حياة والد إيليا الذي يعيش في مدينة محتلة هي ‘الناصرة’ مع من بقي من فلسطينيين أصبحوا يعيشون حياة رتيبة ومليئة بالعنصرية والاضطهاد.
تتطور حياة صانع الأسلحة، يتزوج ويستمر في صنع الأسلحة وتهريبها عبر البحر، ينجب طفله المشاغب ‘إيليا’ الذي يستمر في الحكي عن ‘أن أمريكا دولة إمبريالية’ وهو ما يقرعه عليه مدير المدرسة اليهودي الذي يجبر الطلبة الفلسطينيين على عزف السلام الوطني الإسرائيلي وتلاوة نشيدهم بالعربية والعبرية معا.
تستمر الكاميرا بمتابعة حياة هذه الأسرة برتابة الوطن ذاته تارة وباستعراض أجزاء وتفاصيل صغيرة من تحولاته، يكبر ‘ايليا’ فيقرر الهجرة، فيما يسكن هواء البحر وبرودته عظام والده ليعشش المرض في جسده.
وخلال كل ذلك نستعرض شرائح مجموعة من المواطنين منهم العجوز الذي كلما اشتدت به الحياة يحاول ان يسكب الكاز على نفسه كي ينتحر، وكذلك مديرة المدرسة التي تطبخ ذات الطبخة كل أسبوع، وعائلة ‘إيليا’ التي تعيش بهدوء ورتابة لا يكسرها إلا تحرشات الجيش الإسرائيلي.
قلنا أن الطفل ‘ايليا’ يكبر فتكون الهجرة والغربة خياره الأول الذي ينتهي بالخيار الثاني (أي العودة) والعيش بما تبقى من عمره في وطنه المحتل، لتصبح عملية تأمله هدفا بحد ذاته، يطلع من خلالها على حقيقته وتفاصيله بعد 60 عاما من الاحتلال… ومن خلال عينه نرى الوطن الجديد بعد أن شاهدناه من خلال عين والده، لنكتشف أن الأحداث تكرر ذاتها باختلاف الشخصيات والمواقف.
السخرية سلاحافالتكرار هو أحد التقنيات الفنية التي استخدمها المخرج لصنع مفارقات تبعث على السخرية المرة، وهي إحدى الحيل التي اقتنصت من المشاهدين انفعالات مضحكة مبكية معا. ذلك التكرار لم يكن نسخا لبعض أحداث الفيلم بل كان مقصودا وفنيا وهو يعود لأسباب في أحد جوانبها باعثة على المقارنة والسخرية من ذلك الواقع الذي لا يتغير، فمثلا جزء من تفاصيل حياة الأب بعد عام 1948 تكررت مع قدوم الابن ‘ايليا’ بعد عام 2004، فمشهد المقاتلين (من بينهم والد إيليا) الذين يجلسون على أحد المقاهي منتظرين قدوم القوات الإسرائيلية في جلسة مشبعة بالملل يقابله مشهد عودة ‘إيليا’ من غربته حيث يجلس مع أصدقائه في ذات المقهى منتظرين بملل اللاشيء، في المشهد الأول يعكر صفو جلسة المقاتلين مرور جندي عربي من جيش الانقاذ العربي يمر من أمام المقاتلين متجها لجبهة لا يعلم عنها شيء في إشارة إلى الضياع وعدم التخطيط، وفي المشهد الثاني يعكر صفو الأصدقاء الجالسين في المقهى مرور شابين الأول يصفر في الفراغ، فيما الثاني يتصرف بغرائبية كي يلفت الانتباه، ليبدو أنهما ذاهبان إلى المجهول.
ذات الأمر يتكرر مع مشاهد ‘الرجل السكير’ الذي يفقد توازنه عندما يسكر فيقرر كعادته الانتحار من خلال حرق نفسه حيث نجده في عهد الابن إيليا يأتي ومعه هذه المرة ابنه المصاب بذات الداء يهددان بالانتحار حرقا. خلال ذلك المشهد المتكرر كان يقدم ذلك الرجل الخرف تصوراته السياسية للخلاص من الاحتلال، وهي تصورات طفولية وساذجة نوعا ما، ربما توازي واقع فلسطين الذي لم يتطور الوعي السياسي لساكنيها.
يعتمد المخرج أسلوب التكرار وكأنه يقول أن لا شيء تغير خلال ستين عاما، تغيرت تفاصيل الأماكن والبشر الذين يسكنون فيها لكن الواقع السياسي والاجتماعي هو ذاته. و’ إيليا’ هنا عندما ينقل تلك الصورة بكثير من السخرية والمرارة وخفّة الدم يواصل تقليدا عريقاً في الثقافة الفلسطينيّة هو الاتجاه الساخر الذي أطلقه الأديب ‘إميل حبيبي’ في روايته ‘الوقائع الغريبة لاختفاء أبي سعيد النحس المتشائل’ وهي رواية تجنح للسخرية في تقديم واقع فلسطين بعد الاحتلال الإسرائيلي للقدس عام 1967. جزء آخر من السخرية المرة نراها من الاحتلال ذاته، منها المشهد الفانتازي الذي يعرض ‘إيليا’ متجاوزا جدار الفصل العنصري مستخدما ‘الزانة’ للقفز عن الجدار، وهي هنا سخرية من الاحتلال ذاته لكنها تعتمد الخيال في تجاوز ثقل الواقع وهو تصوّرٌ طرحه المخرج في فيلم ‘يد إلهية’. من الناصرة.. إلى رام اللهتدعم ما سبق قصص وتفاصيل صغيرة قد لا تجنح للسخرية لكنها تتمم مشهد الوطن البائس، نسمعها مثلا في الحوار الذي يرصد اللحظة الراهنة لواقع مدينة الناصرة، مثلا الحوار الذي يدور بين ‘ايليا’ وجاره العربي الذي يعمل في الشرطة الإسرائيلية حيث يحكي له عن أن الأهالي سرقوا الحيوانات والخراف من متحف مدينة الناصرة الذي أقيم غداة رأس السنة الميلادية… وكذلك عندما يخبره عن الصراعات بين السكان العرب وحوداث القتل التي تتم على خلفية مشاكل اجتماعية تراقبها السلطات الإسرائيلية دون أي تدخل (وهو أمر تكرر طرحه في فيلم ‘عجمي’ من إخراج اسكندر قبطي و’ يارون شاني’ وفيلم ‘زنديق’ للمخرج ميشيل خليفة وكلاهما فيلمان منتجان عام 2009). عودة ‘إيليا’ تدفعه لزيارة مدينة رام الله وهناك يستعرض جزءاً من واقع المدينة وتحولاتها المختلفة حيث نرى مشهد سائق السيارة العمومي الذي يخفي فوق رأسه صورة إباحية تتكشف للركاب بعد كل مطب اصطناعي تمر عليه السيارة دون أن يعلق أي من الركاب على ذلك. وفي مشهد لاحق نرى شرطي المرور الذي ينظم السير بحسب علاقاته الاجتماعية مع السائقين في مشهد يدلل على جزء من أزمة مدينة لا تسير بالقانون إنما بالقبل والسلامات الحارة والعلاقات والمحسوبيات.
تناقض رام الله ذاته ينقل إلينا من خلال مشهد المقاومين الذين يرجمون الدبابة الإسرائيلية بالحجارة وهي التي تستوقف امرأة تصرخ على الجنود بداخلها حيث تدفعهم للرحيل من هذا المكان، ذات الدبابة كانت ترصد حركة شاب فلسطيني خرج من بيته ليلقي كيس قمامة وكأنه دبابة بذاته حيث يقوم بذات اللعبة معها عندما يأتيه اتصال من أحد أصدقائه فيذهب ويأتي في الشارع فيما سبطانة الدبابة تترقبه لكنه يخادعها كمن يلاعب طفلا، يبتسم في النهاية متفقا مع أصدقائه على الذهاب لحفل راقص، ذات الحفل الذي يحاول المحتل منعه عبر منع التجول لكن صوت الموسيقى المرتفع والصاخب يحول دون سماع الراقصين تحذيرات الجندي في دورية الجيش الإسرائيلي الذي يتفاعل مع صوت الموسيقى مكررا منعه للتجول على أنغام الموسيقى الراقصة.
كل تلك المشاهد بتناقضها يراقبها البطل بصمت، وكأنه العين الجديدة / الثالثة التي ترى الوطن بكل تناقضاته وبؤس حقيقته. الآخر مؤنسنا في الفيلم لا يبدو المخرج مشغولا بتقديم إدانات مباشرة للمحتل، نرى ذلك في أضيق الحدود، حتى ذلك الحضور جاء مؤنسنا، ربما زيادة عن اللزوم حتى، فمثلا مشهد سرقة الجنود لأحد البيوت غداة احتلال مدينة الناصرة رافقته استراحة المحتلين الجدد على أنغام أغنية ‘أنا قلبي دليلي’ لليلى مراد بجهاز راديو تمت سرقته من بيت أحد الفلسطينيين. يدعم ذلك مداهمات الشرطة الإسرائيلية لبيوت الناشطين الفلسطينيين حيث بدت مداهمات قانونية لا تثير المتاعب لأصحابها. حتى المشاهد التي هدف من خلالها المخرج إلى تقديم صورة ما عن عنصرية هذا المحتل حملت تعبيرات خفيفة وجزء منها بقالب كوميدي ساخر، مثل مشهد قيام أب العائلة بإنقاذ جندي انقلبت شاحنته المحملة بالذخائر على أحد الجسور، فعندما يذهبان إلى المستشفى يوضعان في غرفة واحدة لكن العناية الطبية تكون من نصيب الجندي فيما الفلسطيني يترك جانبا على السرير دون أي اهتمام.
اما مشهد مطاردة الجنود لمقاوم جريح دخل المستشفى فيما الجنود يسحبونه من أيدي الاطباء وتكرار ذلك فهو مشهد سريالي مؤلم. وكذلك في فرض النشيد الوطني الإسرائيلي على الأطفال في المدرسة، وكذلك مشهد الجندي الذي يمنع التجول في مدينة رام الله حيث يطرب على أنغام الديسكو تيك أثناء منعه للتجول فيما الشباب يصرون على الرقص… الخ من المشاهد التي حملت إدانة ما للمحتل لكنها لم تسحب عنه إنسانيته. الوطن على حقيقتهأمام ذلك بدا المخرج مشغولا أكثر بهذا ‘الفلسطيني الجديد’ وبهذا الوطن الممزق أكثر مما نتوقع والذي تتكرر الأحداث فيه وتتابع الأجيال فيه دون أي تغيير حقيقي. فالفيلم لم يغرق في تقديم حالة الفرح بالارتماء في أحضان الوطن وهي الصورة التي تقدمها كثير من الأفلام وكثير من الكتابات الأدبية، فعودة ‘إيليا’ نراها عودة صادمة صامتة، باردة، فيها وجع دفين لا يقدر صاحبه على البوح فيه حتى في علاقته مع أمه… عودة لم تكن فردوسية، الحلم لم يكن جميلا كما توقع البعض أو كما يحسن بالبعض أن يتوقع.
لكن السؤال هو: هل يفترض أن يكون الوطن جنة كي نعود إليه ونعتبره وطنا ندافع عنه ونستريح في حضنه؟ فالوطن هو جنة أبنائه مهما كان واقعه وبؤس حاله، لكن المشكل الذي وقع فيه الفيلم يتمثل في فشله في قرن ذلك الواقع المأساوي وحالة التشظي والتفسخ التي يعيشها أبناؤه بالاحتلال الذي حرم سكانه من مجرد حياة طبيعية.
فـ ‘الوطن = الجنة’ الذي نحلم به لم يكن كذلك بالنسبة للبطل، الفردوس الذي فقدناه طرأت عليه تحولات كثيرة مؤلمة وصعبة، لكن هل ذلك سيخرجه من كونه فردوسا معنويا / ووطنا حقيقيا.. ؟ الجواب هنا يختلف بحسب طريقة التلقي، فهناك من ينظر للوطن بطريقة موضوعية لا تنفي عنه خصوصيته كوطن معشوق مهما كان شكله وظروفه، فيما هناك طرف يريد أن يرى الوطن كما يحلم به ويرسمه في بعده وشتاته، دون أن يعي أسباب تشكله كفردوس مثالي والتي مبعثها خصوصية الوطن / الأرض في الحالة الفلسطينية، فهي التي دفعت بظهوره وتشكله في خطابات مقاومة الاحتلال والنفي والإلغاء إلى كونه مقدسا وجنة موعودة، وهو ما كان يفترض بهذه الخطابات أن تعمل على التعجل بدفاع أبنائه عنه والعمل على استعادته.
لكن هل سيصاب الناس بالخيبة عندما يشاهدون وطنهم بكل تناقضاته ومواجعه؟ هل سيخبو وهج رغبتهم فيه والسعي لنيله وأكله والتهامه كما التهم بطل رواية وفيلم ‘باب الشمس’ برتقال يافا؟ ربما نعم.. وربما لا.. فالأمر يعتمد على تصوراتنا عن الوطن ذاته. ليكون الفيلم دعوة للإفاقة، دعوة لواقعية جديدة في تعاطينا معه وأحلامنا فيه. وهي دعوة هناك من يطرحها بأكثر من شكل وأكثر من فضاء تعبيري كان آخرها رواية ‘السيدة من تل أبيب’ للكاتب الفلسطيني ربعي المدهون، وهي الرواية التي رشحت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية.
حداثي وما بعد حداثيالفيلم هو واقعية جديدة يمثلها إيليا وغيره من مخرجين يستخدمون أدواتهم الفنية بوعي شديد، وبنظرة ما بعد حداثية للوطن ذاته. الفيلم هو فلسطين التي ليست بالكتب أو بالمخيلة، فلسطين بكل تناقضاتها وهو ما سيشكل صدمة للحالمين بـ ‘الجنة الموعودة’، فهل نلوم المخيلة أم صانعيها؟.. أم نلوم الوطن الذي لم يكن بحجم حلمنا به وتصورنا عنه؟ أم المحتل الذي شوه الوطن وناسه؟
هذا شريط يطرح سؤال تطور مشروع ‘إيليا سليمان’ السينمائي الذي نعتقد أنه وصل لحالة كبيرة من النضج والاتقان في أدواته الفنية وهي أدوات تشترك فيما بينها بين سينما الحداثة وسينما ما بعد الحداثه، وهي مساحة تستحق الغوص أكثر.
فمثلا الفيلم سار بأكثر من مسار زمني / مكاني دون ان يحدث أي تقاطع بين هذه المسارات، إيليا يفصل بينها رغم تشابهها الكبير لكي يؤكد على حقائق ويصك رؤيته للحالة الفلسطينية والتحولات التي تنهش في جسد الوطن. وهو هنا يروي تاريخا حقيقيا لكنه لا يقدم فيلما تاريخيا بالمعنى الكلاسيكي، إنما هو تاريخ شخصي أعده من مذكرات والده ورسائل والدته التي كتبتها له.. فيلم مثلما يتحرر من نوستالجيا العودة للوطن يدمج بين السياسي والاجتماعي ليقدم رؤيته الشخصية في تجربة ناضجة تماما من سينما المؤلف العربي.
إنه فيلم جميل، يستحق ان يشاهد أكثر من مرة، هو فيلم مختلف، غير تقليدي، يرسم لغته السينمائية بوعي شديد وتفرد واحتراف مهما كانت طبيعة المشهد وغايته، إنه فيلم لمخرج لا يستكين للتقليدي والسائد، وينحت ليوصل رؤيته، فيصرح في أحيان ويهمس أو يصمت في أحيان أخرى، لتتواري رسالته أو يهربها بخفة. يتحايل على المشاهد ويستفزه كي تصله أفكاره وتصوراته. يعاكس توقعات المشاهدين، ويقدم لهم علاقات غير مألوفة من شخصيات مألوفة، لا يقين معتاداً، برودة في لقطات ثابتة أو متحركة، نقص في الصور الجاهزة والنمطية التي تكرست في الذهن والوجدان، وحالة من الخلق لجمل بصرية تماما مثل كاتب قصة قصيرة. وهو في ذلك لا يرحم في الصورة التي يرسمها، يوجع المشاهدين دون أن يدرون، ينتزع منهم ضحكات ليست مجانية حتما، حيث سيدفعون ثمنها لاحقا عبر تأملهم ما شاهدوه. يقتصد بالحوار لصالح الصورة التي ينحتها لتكون صورته هو، تنقل إحساسه بكل ما تحمل من رموز… يستخدم الموسيقى والغناء ليعبر عن التحولات المجتمعية والمزاجية، يجعل من الصمت لغة تكتمل بالبناء البصري.
بطل فيلمه (هو) لم يتحدث طوال الفيلم وهو الذي يفترض به شخصا أو فردا يؤرخ للحالة الفلسطينية، ربما هو الفلسطيني ذاته الذي يعاني النفي والتهميش وعدم الاصغاء حتى لو شاهدناه صارخا بأعلى صوته على شاشات الفضائيات وفي المحافل الدولية، طالما لا يتحقق شيء مما يطلبه أو ينادي بتحقيقه.
بطاقة ‘الزمن المتبقي’: إخراج وسيناريو وبطولة: إيليا سليمانالنوع: فيلم سيرة ذاتيةجهة الانتاج: فرنسي/ قناة ام بي سيالجوائز: اللؤلؤة السوداء في مهرجان أبو ظبيانتاج: 2009أهم أفلام المخرج: يد إلهية / يوميات الاختفاء ناقد فلسطيني مقيم في القاهرة