بعد صدور روايته ‘القط الذي علمني الطيران’عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: قليلة هي الفعاليات والأنشطة العمانية التي تنجح في سرقتنا من ‘تسمرنا الأبدي فيما يبدو أمام شاشة التلفاز’، ولعل فعالية ‘مبدع وتجربة’ التي أقامها منتدى الرواد الكبار للروائي هاشم غرايبة، للحديث عن تجربته في روايته الأخيرة ‘القط الذي علمني الطيران’، حيث قدم شهادة عن تجربته في كتابتها. وربما يعود السبب ـ تحمسي للحضور بداية، والكتابة تاليا- لقلة الأعمال الإبداعية المكتوبة عن السجن، ذلك المكان، الذي يتجنبه المبدع في نصه، أو يؤجله على أحسن تقدير، ولأن أدب السجون أدب غائب عن ‘أدبنا، وعن كتابنا’، حظيت رواية الروائي هاشم غرايبة الأخيرة ‘القط الذي علمني الطيران ‘بعناية خاصة لجهة موضوعها، ولجهة أنها تمثل سيرة ذاتية ـ إلى حد كبير- كون هاشم الروائي هنا، يكتب عن هاشم السجين آنذاك، ولعل نضج الرواية يكمن في طول مدة اختمارها في ذهن الكاتب، الذي كتبها بعد مرور أكثر من ربع قرن على مغادرته السجن، لكنه شاء ألا تكون يوميات عادية للسجن، أراد لها أن تكون مغامرة حقيقية محملة بنضج التجربة، وخبرة الروائي، وهذا ما تسانده العبارة التي حملها الغلاف الأخير للرواية الصادرة عن ‘فضاءات للنشر’، والتي استعارها من جوليان اسانغ – ويكليكس وتقول ‘الكون كله خصم يستحق المبارزة، بما أننا نعيش مرة واحدة! فلتكن مغامرة إقدام تستنفد كل قوانا…. لنكن مع أقران لنا يشبهوننا في عقولهم وقلوبهم نفتخر بما نعمل… فعندما يحمل الناس وهم في قمة عنفوانهم قناعات وقيماً، فعليهم أن يتصرفوا وفقا لها، وينفذونها’…. ولم يخب ظني، إذ أول ما شاهدته في تصفحي السريع للرواية ـ التي لم اقرأها بعد – هو الإهداء الذي قدمه غرايبة ‘إلى شهداء ثورة الصبار.. والياسمين… إلى الشعب التونسي العظيم.. ولتونس الخضراء. إلى روح محمد بوعزيزي.. وللإرادة الحرة’. وهكذا تيقنت أنني انتقلت من أمام الشاشة إلى داخلها تماما، لأعود من الأمسية برفقة نسخة مهداة من الروائي موقعة بقلم ‘الكوبيا’، في استعادة رمزية لقلم ‘الكوبيا’ الذي خط بعض فقرات الرواية على قصاصات الورق التي استعادها غرايبة فكانت هذه الرواية. الأمسية التي أدارها الشاعر عبدالله رضوان، حظيت بحضور حاشد فاته كما فاتني حضور فعالية سابقة عن الرواية أقيمت في متحف سرايا اربد – والذي كان قبل أن يحول إلى متحف – السجن الذي شهد فصولا من أحداث الرواية على أرض الواقع قدم فيه الروائي شهادة عن تجربته، كما قدمت الناقدة د.
رفقة دودين ورقة نقدية حول هذه الرواية، فيما استهل اللقاء بكلمة رئيسة منتدى الرواد الكبار هيفاء البشير.
البشير: نكهة أردنية ملتصقة بهموم الناسوصفت رئيسة منتدى الرواد الكبار هيفاء البشير الروائي غرايبة والناقدة دودين بأنهما ‘رمزان من رموزنا الأدبية المعروفة وطنياً وعربياً، فالروائي والقاص الأديب هاشم غرايبة صاحب العديد من الأعمال السردية الروائية والقصصية التي تتضمن نكهة أردنية خاصة ملتصقة بهموم الناس وقضاياهم من جهة، وبتاريخ الأردن الحضاري والإنساني من جهة أخرى. والناقدة والروائية الدكتورة رفقة دودين، الأديبة الملتزمة والنشيطة سياسياً وإنسانياً وادبياً في كل ما يهم قضايا المرأة الأردنية بخاصة والمرأة العربية بعامة، وهي كذلك صاحبة أكثر من عمل سردي روائي’. نوهت البشير إلى أن روايات غرايبة ‘تعتمد على توثيق وتوظيف الأحداث التاريخية بحيث تمثل إطار مرجع معرفي عام لفترة / الحضارة / الشخصيات التي جرى توظيفها في الروايات سواء تعلق الأمر بالروايتين الخاصتين بالبتراء والحضارة النبطية أو الرواية الخاصة بعمان في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، كما أن ما يمتاز به مبدعنا هو مهارته في رصد وتصوير تجربة السجن وهذه حالة نادرة في أدبنا الأردني’. دودين: فك عزلة الذات.. وتحرير الارادة بين نصّين استهلت الناقدة الدكتورة رفقة دودين شهادتها بالقول: عندما ضمنت نص رؤيا (غرايبة، 1991 دراستي: توظيف الموروث في الرواية الأردنية المعاصرة)، تمنّيت لو أن هاشم وراويه زيد لم يضعا القلم، رائية أن هناك الكثير مما يجب أن يقوله الراوي في هذا النص المفارق حتى يصل بنا تخوم الإرواء، لعلي قلت لذاتي يومها: لابدّ وأن يعاودها هاشم: محاولة اكتمال النص، ومثلما تعلم زيد من كتب الحكمة: أن ما سوى الحياة لفي خسر، في اجتراح، ونقش فكر يعبر عن منحى وجودي يقوم على صون الحرية والجدّ في طلبها بامتلاك الإرادة، مخاطباً نفسه بنفسه، (غرايبة، 1991، ص 64)، يواصل عماد الحوّاري في إهاب هاشم هذا الجد في الطلب: بتماثل لحظة البدء وافتراقها في التفاصيل والحيثيات، وفي الرغبة الجامحة لخرق لعبة التوهم الروائية السردية، حين يطيح الراوي عماد الحواري بقناعه مفسحاً المجال أمام البطل الحقيقي للنص، هاشم غرايبة ليقول: أنا الراوي هاشم غرايبة.. أقلب أوراقاً كتبت بالكوبيا قبل ثلاثة وثلاثين عاماً.. لتوقظ في زهو الشباب، وزمن الإلهام، ودفء الحلم، وقداسة البراءة، وهي تذود عن الكرامة الشخصية.. يسطع حبر الكوبيا.. موقظاً الذكريات الغافية في كف الزمن (غرايبة، 2011: 84). وتواصل دودين: يخرق هاشم لعبة التوهم مقدماً راويه المقنع عماد بوضوح أوضح مما قدم زيد في نص رؤيا، وباحتفائية أقل كذلك، وكأن زيداً قد جاء من زمن الأحلام، في حين أن عماد قد جاء من زمن الرؤية النقدية، التي أطاحت بالنبوءة التي كانت تبعث في نفس زيد طمأنينة تمدّ رائيها بالعزم والتصميم، رغم صعوبات السجن والاغتراب ليسطع السؤال: هل ما زال العالم جميلاً، ونضراً وأخضر، كما كان عليه يوم ولد القمر، ويوم نطق زيد نبوءته الأولى ليتماثل الطرح مع الراهن أكثر مما يتماثل مع الماضي المكتنف بكل أحداث هذين النصين، ذلك أنه مؤطر بوعي اللحظة الراهنة المؤرق حد الإعياء والفتنة، فهل ما زالت الحكمة ضالة البطل، كما هي ضالة المؤمن؟ وتتساءل دودين في شهادتها: هل اكتمل النص، هل أكمله هاشم غرايبة، ولماذا فرّ عماد الحواري وبعض رفقاء السجن من السجن إلى فضاء الحرية، بالطيران من فوق الأسوار، كما هو طيران جوناثان، الذي كان يا ما كان، كان فيه نورس اسمه جوناثان، بعد عام ونيف فقط من زمن موضوعي قضاه السجين عماد الحواري المحكوم بسنين عشر (غرايبة، 2011: 152) مختاراً الطريقة الثالثة للفرار، كسر البوابات، بوابات المآمير الخمسة بعد إذ لم يمت، ولم يستنكر متفحصاً البوابات والأقفال باهتمام عندما أصيب بالجرب ووجع الأسنان فسمح له بزيارة الطبيب (غرايبة، 2011: 138). وترى دودين في هذا النص – وهو نص يختلط تجنيسه على متلقيه ولهذا سياق دراسة آخر – الكثير مما يعاين ويدرس، على صعيد الشخوص وكناهم، وعلى صعيد السرود وأدواتها التي تتوسل بها إبداعا للنص، وكذا على صعيد اللغة: دوالها ومدلولاتها، ولكني أجد نفسي ذاهبة باتجاه معاينة كتابة الذات في السجن: مكاناً وأطروحة أخلاقية، حين يروم الكاتب إلى نحت مسافة مستقلة: عمرها ثلاثة وثلاثون عاما، هو على وعي مستجد بها، متخذاً هوامش لا تسعى إلى الاندماج في المهيمن والسائد والراكد، بل بوعي يقيم معمار الاختلاف كفكر سياسي يقوض ما ساد، ويسود، ويهيمن، لاستشراف خطاب منهّم بالذات التي تسائل الواقع، بما كان وما هو كائن، وبما ما سيكون، محققاً لذة كتابة الذات التي تبحث عن رؤية نقدية جديدة للواقع، فهي الذات التي تتمرد على التفكير الأحادي، والخطاب الأحادي الذي يتجوهر عبر الزمن، ويتأبد مولداً خوفاً وعزلة، ورهبة مقيمة إن لم يفك (أبوالنجا، 1991، 95). معتقل سياسي يحطم أسوار عزلة الذاتوتنوه دودين إلى تفلت الخطاب الإبداعي المنهم بالذات ليفك عزلة هذه الذات، بالحلم، بالتماهي بالمهدي او المخلص أو باستعارة ما قاله الآخرون: فها هو البطل السجين عماد الحوّاري الذي اعتاد رفقاء السجن على مناداته بالرفيق كمعتقل سياسي، يحطم أسوار عزلة الذات، والجسد، وألمها باعتياده رؤية نفسه على حافة سور السجن يرفرف كما هو النورس جوناثان إلى أن يطير، ولما يسمع صليات أسلحة الحراس، فإنه يرى ضوء التحرر، وفك عزلة فكره الذي يدفع أجمل سنوات عمره للإقرار والاعتراف به، فهو وعندما يوضع في قبو السجن في سردابه يتماهى وقبو وسجن المهدي الذي غاب فيه: شاباً مربوع القامة، حسن الوجه، أقنى الأنف، أجلى الجبهة، والشعر يسيل على منكبيه، على أنه سيعود ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، وأحياناً ومن جديد فهو يمتشق وسائل أهل الحظوة الذين يلتقون مع ما قاله ريتشارد باخ: يكفي أن يفكر المرء بمكان ما، ويريد أن يكون فيه بكثافة وصدق، حتى تجعله الارداة حقيقية واقعة (غرايبة، 2011 : 130 ؛ 133). وتظل صورة الفتى المهدي، الذي غاب وهو في كامل زهوه، وتمام ألقه، وعظمته على أن يعود ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، خير معين على تخطي الفتى عماد غيابه في غيابة السجن الذي يقتات أجمل أيام العمر، سارقاً هذا العمر القصير (غرايبة، 2011: 142). رائية أن ‘كتابة الذات في السجن، إعادة صياغة هذه الذات في ذلك السجن هو جوهر التحدي وذلك السجن يجري تركيبه وبناؤه وهندسته ليدفع الذات إلى وعي بتبلور بتداخلها مع هذا المكان، وكما لو كان دائرة تداخل، تنفتح وتنغلق في آنٍ معاً لتبني جدل الذات، والموضوع، بالتركيز على هذه الذات المسجونة عشر سنين حدّ الاستغراق الكلي في كتابة تركز على هذه الذات، هي: كتابة الانهمام بالذات كما في سياقات مشابهة، وكما يقول فوكو: يصبح الانكباب على فحص الذات هو أحد أنواع اللذة (فوكو،: 45 ؛ أبوالنجا، 2003 : 37). فالحكي الذي يمارسه السارد العليم في هذا النص هو أحد أهم وسائل الوقوف في وجه محو الذات، ومحو الذاكرة، ومحو الإنسان في مثل هذا المكان، ولملمة الجسد الاجتماعي والسياسي والنفسي هو لإيقاف النزف والانهيار، انهيار الذات التي تحكم بالسجن، وترفض بدورها الانصياع، والإعلان عن أنها مذنبة في طقس محاكمة ممسرح لا يشي إلا بتبادل المجاكرة، والجحر، والبحلقة، وعدم الامتثال للمحكمة، فقد أعجبت عماد الحواري اللعبة وركب رأسه، فكان أن حكم بعشر سنوات سجن، بموجب قانون مكافحة الشيوعية رقم 62 لسنة 1953 (غرايبة، 2011: 24) ، وليجد نفسه بين أبراج وأكواخ حراسة متهرئة، وأسوار قديمة متهالكة، وأسلاك صدئة، وحراس يأكلهم الملل، ليكون السؤال المجلجل، سؤال الذات المجلجل، أين المفر (غرايبة، 2011 : 26 ) ثمة أسئلة أخرى ذات دلالات وتأويلات: شو ذنب أبوك الحجي تجرجر عباته وراك عشر سنين، أنا حزين لأمك (غرايبة، 2011: 26). وتعود دودين للتأكيد ‘ولأن النص يكتب بوعي اللحظة الراهنة، ويستعيد الأحداث بوعي اللحظة الراهنة تتبدى المفارقة لتفصل خطوة صغيرة جداً على عتبة السجن بين عالمين’، عالم السجن المغلق بكل عجائبه، وعالم الحرية، والياسمين، والجامعة، والمطاعم الصغيرة بروائح أطعمتها الفواحة، تتجلى الحرية في أبسط صورها، ولا تحس بها الذات الا حين تفقدها وليصبح السجن أطروحة حياة، تبدأ بما أضيق العيش، إلى ما أضيق السجن بلا وهم يهدهد اوجاعه، وسيظل عماد ناهلاً من شراب هذا الوهم المسكر ليخفف المرارة في حلقه وليجتر اشاعات العفو كمخدر يجترها السجناء باستمرار، خائفين من مسألة اعتياد السجن (غرايبة، 2011: 30). يصير السجن ويا للمفارقة مجالاً خاصاً يتفنن البطل في الخروج من مأزقه، وأزمة العيش فيه، السجن ثابت والذات تتحول في حياة هي أضيق كثيراً من حياة الناس خارجه، حياة مزدحمة، ولكن بماذا؟ بعدّ حبات الخرز، وتحريك أحجار الشطرنج، ورمي النرد وحساب دبيب الزمن المتتابع فوق جلودهم (غرايبة، 2011، 31). يكتب عماد الحواري ذاته داخل هذا السجن الذي اصطادته قضبانه، في سعي من ذاته إلى بناء ما انهدم منها، وإلى مقاومة المحو والهدم في مكان مهندس بعناية، ليكون ضاغطاً على هذه الذات، مقيداً انطلاقها وحريتها، تصبح الحياة محاولة للتكيف مع هذا المكان الذي يتخذ شكل ومعنى المنفى، وتبدو المحاولات دؤوبة للتصالح معه، ثمة محدودية مكانية، ثمة جغرافيا وهندسة مخصوصة، ثمة حجب للمعرفة، على أن ثمة هوامش تدير صراع علاقات القوى داخل السجن بعلاقة بين السجان والمسجون لا تشي بمعرفة أي منهما أكثر سعادة، ولكنها تنتج في كل الأحوال خطابات مقاومة مسكونة برغبة الخروج، والتحليق خارج المكان، خارج هذا المكان، وهو خطاب يتمثل بوعي ثاقب حدّ الوجع والإعياء) أبو النجا، 2003 : 119 بتصرف) يشعر عماد بأنّ حظه عاثر، فهناك مئات الحزبيين المعارضين، وآلاف الموالين للفصائل الفلسطينية.. ولكن قضبان السجن اصطادته وحده، ها هو يناقش بوعي ثاقب مأزق محدودية المكان، يراها إحساساً سطحياً أولياً، مفتقداً متعة أن يمشي مسافة طويلة باتجاه واحد، ومفتقداً دقة زعتر على وجه كعكة، وجدائل أمه الخصبة المدلاّة كحبل نجاة ‘يمه روحي ترفرف مثل عصفورة منتوفة الريش تحنّ إلى دفئك (غرايبة، 2011: 32). يجد نفسه في هذا المكان خارج المكان وداخله، يوازن بين مكسبه الذاتي، وخساراته العامة، هو يحترم حزبه ويحب رفاقه، وينافح عن المبادئ ومواقف القيادة الشجاعة في فلسطين والأردن، ولكن في السجن هنا لا أحد يحتفل بآرائه، ليضع رأسه على المخدة محزوناً: على بال مين ياللي بترقص بالعتمة (غرايبة، 2011: 36) وهنا فإن مثل هذا الطرح في النص الإبداعي يعني كما في سياقات مشابهة أن دور الإبداع أن يقلق، ويحض على التفكير، وسجال الأسئلة التي تعاين وتساجل الواقع، وتعيد صياغة أسئلته (دراج، 1996: 54) وهي في مثل هذه السياقات من أهم أدوات معرفة الذات التي تتموضع لتعيد ترميم رؤيتها، وبحث سبل حمايتها، من الاغتراب، والوحدة، والوحشة، والخوف (أبوالنجا، 2003 :100). وتوضح دودين: في مثل هذا السجال يصبح السجن حاملاً معرفياً في تجسيد علاقة المكان، بالفكر الذي يختبره هذا المكان القاسي، ويجبره على التصارع مع الذات والإرادة، ومع الفكر تحت اختبارات متعددة لهذا الفكر المهاجم، والمدان، والمطارد، فكأنه ورغم اليأس والأسى والإحباط يساعد على تجسيد هذا الفكر، وجعله قيماً مثالية ذات تأثير على المنظومات الاجتماعية والدينية والسياسية والأخلاقية (قاسم، 1984، 79) ويبدو تصارع الذات والإرادة في هذا النص بإمكانية أن يستنكر الحزب أي عماد ويعلن ولاءه للحكومة، ويخرج حراً طليقاً كما يحلم، ويرسم، ويكتب، هذه كافية ليتخلص من الروائح المزمنة في هذه المغارة الكئيبة، يحتدم الصراع بين ذاته وإرادته، هل يخذل غصن الياسمين؟ هل يخذل أخته التي تفاخر به بلا هوادة، والرفيق أبوموس، والرفاق الذين يرزحون بثبات تحت عسف وخسف الاحتلال في فلسطين، ويزداد الصراع احتداماً حين يقول عماد: سأخذل روحي، ثمة برزخ لا يستطيع عبوره بدون جناحين، وليس بمجرد ساقين… وكانت نتيجة هذا الصراع، أنه غير قابل للحسم، وأن نتيجته: أنه لم ينم (غرايبة، 2001: 38). شهادة هاشم غرايبة: عن الحرية.. طبعاً يستهل الروائي هاشم غرايبة شهادته بعبارة حقيقية يصف فيها قسوة ليلة السجن فيقول: ‘ليلة في العزلة كألف ليلة مما تعدّون.. الزمن لا يُرى نهره في العتمة الساطعة، ولا تدرك ضفافه عبر التكرار الصارم لواجبات كل يوم!.. ‘ويواصل غرايبة مستعيدا حكايته مع قصة ‘الأمير الصغير’، والتي لعبت دورا هاما في تحمله السجن ‘بعد زمنٍ لا يدري مداه، انضمّ إليه في الزنزانة زميلٌ آنس وحشته!.. فأينعت شجيرة الياسمين في روحه، اتسعت الزنزانة أضعافاً مضاعفة بوجود شريك يقص عليه حكاية الأمير الصغير: هبط الأمير الصغير من كوكب اوستراد. هذا الكوكب اكتشفه فلكي تركي، ولم يصدقه أحد بسبب ملابسه الشرقية. هكذا هم الرجال البالغون.. ثم جاء دكتاتور تركي فرض على شعبه ارتداء اللباس الأوروبي. فأعاد الفلكي التركي تجربته وكان لابساً زيا غربيا فاقتنع الحضور.. أقول لكم ذلك بسبب البالغين. هؤلاء الكبار يثقون بالآخرين فقط، ويحبون الأرقام. وحين تحدثهم عن الأمير الصغير لا يسألونك عن ضحكته. ما هي رنة صوته؟ ما شكل زهرته؟.. يسألونك كم عمره؟ كم راتب أبيه؟ كم عدد إخوته؟ هكذا فقط يدّعون معرفته! ما رأي الغرب برسوماته؟ وإذا قلتم للراشدين رأيت منزلا جميلا له شرفة واسعة وحوله زهور الياسمين تتعربش على النوافذ، فإنهم لا يتخيلون المنزل!!.. قل لهم رأيت منزلا يساوي نصف مليون دينار سيصيحون: واو.. ما أجمله! رسمت أفعى تبتلع فيلاً، فبدا الرسم للكبار مثل قبعة!.. ثم رسمت فيلا داخل الأفعى لأن الكبار بحاجة دائما للشروحات!.. فلم تعجبهم. لذا تركت الرسم وصرت أتحدث عن الصحافة والسياسة وربطات العنق فصاروا يعتبرونني رجلا عاقلاً. الهاجس الأساسي في كل أعمالي هو هاجس الحرية: الحرية الداخلية للفرد، وحرية الاختيار، وحرية الاعتقاد والقول، وحرية التعبير مقترنة بحق التغيير.. الآن يحضر الخميس بن الأحوص الشهبندر وسفيان الكتبي والحارث واليسار وعماد والقط.. فاكتشف عمق الحرية الداخلية التي يتمتع بها أصدقاء أميري الصغير! لا أحب السرد الذي يشتم منه التعالي على القارئ، لا أحب المقولات النافرة، والاقتباسات المقحمة، والحكم الفخمة.. وأتفق مع الأمير الصغير لأقول: نحن نكابد نصف مسيرتنا لاكتساب الثقافة، ونكابد نصفها الثاني لنتحرر من سطوتها، راغبين عنها إلى عفويتنا الأولى، وإلى قدرتنا الفطرية على الانبهار والإدهاش. طرح علي الواقع العربي الذي أعيش أسئلة الحرية والتحرر والديمقراطية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية، والدولة المدنية، ووضعت الحياة أمامي قضايا الجهل والفقر والقمع والتزمت العقائدي!.. ولكن هل الفن والأدب بمقدورهما أن يجعلاَ مِنّا أُناساً أفضل، أكثر عدالةً، أكثر أخلاقاً، أكثر إحساساً، أكثر تفهماً؟ ربما يكون هذا صحيحاً.. ولكن دعونا لا ننسى أنَّ هتلر بدأ حياته كفنان. وأن الطُغاة والمستبدين يقرأون الروايات ويستشهدون بالأشعار. وأنَّ كل فرد يستجلب لنفسه المتعة بطريقة مختلفة عن سواه.