طارق عبدالواحد’نحن لم نستخدم القوة بعد’. معمر القذافيفي إجابتي عن سؤال لزميل في الصحيفة التي أعمل بها، في الولايات المتحدة، حول خطاب الرئيس بشار الأسد، أمام مجلس الشعب السوري، بعد أسبوعين من اندلاع الحركة الاحتجاجية في سورية، قلت: إن الخطاب هو بمثابة إعلان حرب!
وفي الأيام اللاحقة، كنت أتابع ما تنشره الوسائل الإعلامية، من ردود أفعال وتعليقات حول ذلك الخطاب، سواء من محللين ومراقبين حياديين، أو من معـــارضين ســـياسيين وناشطين في مجالي الحقوق والحريات المدنية، حيث صبّت معظم المواقف والتوصيفات في سياق وصـــف الخطاب ‘بأنه مخيب للآمال ولا يلبي الحد الأدنى من طموحات السوريين’. وتزامناً، كانت الأجهزة الأمنية والإعلامية، وملحقاتها، في سورية، تقوم بتفكيك تشفيرات ذلك الخطاب الرئاسي وفض رسائله المضمرة وتحويلها إلى آلة قمع متوحشة، وممنهجة، تساندها بروباغندا رسمية، وموالية، تعمل على مدار الساعة على ‘شرعنة’ تلك الممارسات وتبريرها، بدعوى محاربة قوى سلفية، وبزعم أن أعمال القتل وإطلاق الرصاص الحي على صدور المواطنين العزل تأتي ضد رغبة الرئيس الشخصية، وضد أوامره (العسكرية بطبيعة الحال كونه قائداً عاماً للجيش العربي السوري والقوات المسلحة. ومخالفة الأمر العسكري، كما هو معروف في الأدبيات والقوانين العسكرية السورية، وربما غيرها، يستوجب عقوبة ميدانية، وهي الإعدام بالرصاص)، ناهيك عن حملات الاعتقال التعسفية واعتداءات المجموعات المسلحة، التي باتت تعرف بـ’الشبيحة’، كل ذلك وسط حجب ومحاربة التغطية الإعلامية المحايدة.
حتى جاء حديث رجل الأعمال رامي مخلوف لصحيفة ‘نيويورك تايمز’ مترافقا مع حديث المستشارة الإعلامية للرئيس السوري بثينة شعبان لنفس الصحيفة، مع تسجيل مفارقة فاقعة، وهي أن حديث مخلوف يصلح أكثر لفهم الواقع السوري وآليات صنع القرار في المؤسسة الرئاسية، أكثر مما يصلح حديث شعبان.’إننا لن نقبل ذلك.. الناس سيقاتلون ضدهم.. هل تعرف ماذا يعني هذا؟ إنه يعني الكارثة، ونحن لدينا الكثير من المقاتلين’. قال مخلوف. وهذا لا يهم.. ليس بسبب رسالة السفير السوري لدى واشنطن الدكتور عماد مصطفى لصحيفة ‘نيويورك تايمز’ التي تبرأ فيها من أقوال مخلوف، لكونه لا يحمل أية صفة رسمية أو حكومية، لكن المهم أن مخلوف وفي معرض تعليقه على العقوبات الأمريكية بحقه، قال: ‘لأن الرئيس ابن عمتي’ وليستدرك ‘أو لأني ابن خال الرئيس’. وهذا يعني أنه يساوي بين نفسه والرئيس. وكأنه يريد القول إنهما ندان. والحقيقة.. انهما شريكان. ‘السياسات والقرارت تصاغ عبر قرار مشترك، ولكن الكلمة النهائية للسيد الرئيس’. هذا أيضا ما قاله مخلوف لمراسل ‘نيويورك تايمز’. وأنا أصدق هذا الرجل، أعني مخلوف، فكل ما كان يقال عن ويشاع عن تأثير الحرس القديم وتضييقهم على الرئيس السوري، هي مجرد سوالف تنتمي إلى أدبيات شيطنة البطانة لتنقية صورة الحاكم. هناك في مؤسسة الحكم السورية شراكات تتعاضد، لا تيارات تتصارع، ومخلوف هو شريك أساسي في تلك النخبة الحاكمة. هو والرئيس شريكان، لا في السياسة فقط، بل في المال.. أيضا!
وعبر سنوات طويلة، كان يحلو للكثيرين، وبشكل مثير للريبة، أن يتداولوا تلك الهرطقة التي تتحدث عن تحالف الرئيس الراحل حافظ الأسد مع البرجوازية السنية (!!) وكيف أن الأسد الابن الذي ورث الرئاسة عن أبيه، استطاع لاحقا أن يتجاوز ذلك التحالف عبر إنشاء ذراع مالي من خلال ابن عمته، رامي مخلوف. صحيح أن مخلوف هو القبضة (بكل ما تعنيه هذه الكلمة من عسف وبطش) المالية، ولكن الحديث عن التحالف مع البرجوازية السنية هو مجرد مسكن موضعي لأكثرية مغيبة بنيوياً، ومجرد هدهدة لمشاعر الأكثرية باحتكار السلطة من قبل ‘طبقة سياسية’ مغلقة لا يمكن لأي كان اختراقها، أو الانتماء إليها.
وقد يكون صادما القول: ليس هناك بورجوازية سنية في سورية. فهذه الطبقة، أو الشريحة، تم تجفيفها منذ زمن بعيد، وتم اختزالها واختصارها إلى مجرد شبكة من رجال الأعمال والتجار الذين ترتبط مصالحهم بمباركة النظام، وكذلك أعمالهم ذات الطابع الريعي والخدماتي. وليس أدل على هذا الكلام.. إلا غياب القيم الثقافية والاجتماعية والمدنية التي كان يمكن لتلك الطبقة (البورجوازية) أن تنتجها وتضخها في الحياة السورية، لو كان الأمر صحيحاً. ويعرف السوريون بطبيعة الحال أن شكل الثقافة السورية وطبيعتها وبنيتها منذ بداية الثمانينات، ذو صبغة قروية، أو ريفية، بدرجة صادمة.
وهذه القوى الريفية التي بدأت بالتسرب وغزو المدن الرئيسية منذ بداية السبعينات وتزامنا مع قدوم الرئيس حافظ الأسد، الريفي المنشأ والثقافة، إلى سدة الرئاسة، لم تعمل، بقصد أو بدونه، على ترييف المدن من حيث الشكل فقط، بل على ترييفها من حيث المضمون والجوهر أيضاً. وما يستتبع ذلك من آليات وعمليات لإنتاج الثقافة العامة. وليس مفاجئاً بالتالي أن تكون موجات الاحتجاج والتمرد في سورية، في هذه الأيام، ذات منشأ ريفي. درعا.. المدينة التي انطلقت منها الاحتجاجات ليست أكثر من قرية كبيرة، ونمط العلاقات الاجتماعية فيها هو نمط عائلي، عشائري، قبلي، ولا معنى، بالتالي، لكل الدعوات الملهوفة، والصراخ المستغيث، إلى أبناء حلب ودمشق للخروج في المظاهرات. على الأقل أنا لم أتفاجأ بالركود الذي يصيب هاتين المدينتين وتجاهل أبنائهما، بنسبة كبيرة، لما يحدث في سورية.
وأيضاً لا معنى لتوقع خروج مظاهرات مليونية في سورية، لأن المعنى الحقيقي، وهذا ما يجب التركيز عليه، هو في تشظي الاحتجاجات وانتشارها في القرى والأرياف، كبؤر صغيرة وملتهبة في الوقت ذاته. وهذا بدوره يؤكد أن دوافع الاحتجاج ليس الاضطهاد السياسي الحاصل على المجموعات والمؤسسات ذات الطابع السياسي، ومنعها من المشاركة في الحكم، بل هو الاضطهاد الأمني الواقع على جميع أفراد الشعب. بمعنى.. أن تمرد السوريين في طبيعته وجوهره ليس صراعاً على الأدوار السياسية، حتى ولو رفعت شعارات إسقاط النظام، بل الهدف هو التحرر من ربقة ونير السلطات الأمنية التي يستخدمها النظام كركيزة أساسية لتثبيت حكمه. كل ذلك ثأراً للكرامات الشخصية والوطنية التي تنطوي عليها معاني الشعار الأول: الشعب السوري ما بينذل.
وشعارات إسقاط النظام، ليست من باب رفع سقف المطالب، وإنما بسبب ارتفاع شحنة الغضب لدى المحتجين الذين لمسوا بأنفسهم أن النظام غير مستعد على التراجع عن سياساته ولو بمقدار بوصة واحدة. وما حصل من ‘إصلاحات’ لم يغير في البنية الأمنية وفي طبيعة دورها أي شيء، وهذا أيضاً ما خبره السوريون، وازدادوا يقينا به. والنتيجة، أن أهمية و’خطورة’ هذه الاحتجاجات والتمردات أنها في معظمها تأتي من قوى لها نفس بنية النظام وطبيعته. بنية ريفية. فلا تذهبوا، بالتالي، إلى دمشق لتصوير الاحتجاجات أيام الجمعة، واذهبوا بدلا من ذلك إلى بلدات وقرى ريف دمشق، إلى المعضمية وقطنا ودوما والتل. وفي حلب، اذهبوا إلى منبج والسفيرة… وحتى إلى القامشلي وعامودا والمناطق الشرقية عموما التي يعتبر أبناؤها مدينة حلب حاضرتهم. وفي حمص.. اذهبوا إلى تلبيسة والرستن والحولة.
ولا تنتظروا من المدن السورية الكبيرة، أن تكون كمثيلاتها في مصر وتونس واليمن، فتلك المدن تم تفريغها وطحنها وتحطيم بناها وقوانينها وأرواحها، (وطبقاتها البورجوازية)، ولا تنتظروا من ‘بورجوازية’ـها أن تقود ذلك الحراك السياسي الثوري، فإذا كان الكثيرون من أبناء تلك الطبقة (البورجوازية) الذين يعيشون في الولايات المتحدة (وفي أوروبا) لم يلبوا الدعوات الأولى إلى ‘يوم غضب سوري’، في الأيام التي كانت فيها مصر تغلي، ولم يذهبوا إلى التظاهر أمام سفاراتهم وقنصلياتهم في بلدان تنعم بالحرية والديمقراطية التي يحلمون بها. وهل تصدقون أن بعض أبناء الجالية السورية في الولايات المتحدة، وفقط منذ أسبوعين، لم يجرؤوا على الوقوف أمام كاميرا الجزيرة ليعلقوا على الأحداث. لا.. بل حتى إن بعضهم اشترط الظهور باسم مستعار، أو بعدم إظهار قسمات وجهه!
الخوف الذي خبره السوريون، يجعلهم يفكرون أن النظام رغم كل المجازر التي ارتكبها في الشهرين الماضيين.. لم يستخدم القوة بعد. وعدم ثقتهم بالنظام تجعلهم لا يأخذون دعواته إلى الحوار على محمل الجد، وهم يعرفون أن ‘الهدنة’ التي أعلن عنها النظام، بالتأكيد على أوامر الرئيس بعدم إطلاق النار على المتظاهرين والدعوة إلى حوار وطني شامل، هي مجرد مصيدة جديدة، ويشعرون بأن الرسالة ليست موجهة لهم، وإنما هي موجهة إلى الغرب، إلى أمريكا على وجه الخصوص، التي وصفت إدارتها الأسبوع الأخير (الماضي) بأنه الأسبوع الفاصل بالنسبة للنظام السوري. ومر الأسبوع الأخير، على خير بالطبع، بسقوط ستة قتلى فقط. وهذا تقدم، ويا له من تقدم.. والسوريون يعرفون.. وهذا ما سيزيد في حدة الأزمة واستمرارها، أن رجل الأعمال رامي مخلوف ‘بق البحصة’ بحديث سياسي لصحيفة ‘نيويورك تايمز’، وأن المستشارة السياسية للرئيس السوري بثينة شعبان بحديثها للصحيفة إياها.. لم تكن أكثر من.. مندوبة مبيعات.’ كاتب سوري