عصام عبداللهمرة اخرى عادت الضغوط الدولية تمارس على الجانب الفلسطيني. لا الدولة مقبـــولة، ولا الحكومة التي قد تنشأ على خلفية المصالحة مع حركة ‘حـــماس’، مقبولة. ولا المجتمع الدولي سيقبل باقل من اعتراف حركة ‘حماس’ بوجود اسرائيل وبيهودية دولتها. اما حق العودة والقدس عاصمة، فهي من بنود التفاوض، اذا تم القبول بالشروط الآنفة، من غير التعهد بأي شيء لا تقبله اسرائيل.
هذه المعطيات الدولية التي اوجدها خطابا الرئيس الامريكي باراك اوباما، الاول المتعلق بالشرق الاوسط وشمال افريقيا، والثاني امام لجنة شؤون العلاقات الامريكية ـ الاسرائيلية ‘ايباك’، تؤكد حقيقة ثابتة، هي ان الفلسطينيين مدعوون اليوم اكثر من اي وقت مضى الى دراسة الاوراق التي يملكونها والتعامل معها بكل جدارة وثقة بالنفس.
في المعلومات والقراءات الاولية لموقف السلطة الفلسطينية انها رأت في موقف الرئيس اوباما من حدود الدولة الفلسطينية وفق عام 67، تقدما امريكيا جديدا، قد يكون من المناسب عدم التنكر له او اسقاطه من الحساب الفلسطيني.
وكي لا تعود السلطة الفلسطينية الى الوقوع في خطأ التفاوض غير المفتوح على اي افق، فإنه ينبغي عليها التعامل مع اوراق القوة التي بين ايديها، وهي اوراق كثيرة، قد لا يراها كثيرون في هذه القيادة بفعل الاحباطات التي شعروا بها في مراحل سابقة.
لقد خبرت السلطة الفلسطينية المواقف الغربية، على اختلافها وتنوعها، وتدرك ان اي تفاوض مستقبلي سيقوم على شروط اقسى مما كانت في السابق، فكيف ستتعامل مع هذه الشروط والضغوط، وهل تملك الارادة لاحداث تغيير في بنيتها ورؤيتها، وهل تتغير نظرتها الى اسلوب التعاطي مع المجتمع الدولي ام انها ستبقى متربعة سعيدة بما هي عليه وبالمساعدات والمنح التي تحصل عليها لتأمين الرواتب والمصاريف الانفاقية المختلفة، وهل هذا طموح الشعب الفلسطيني ان يأكل ويشرب فقط؟ إن الجواب على هذه الاسئلة في منتهى البساطة وفي منتهى التعقيد في آن.
في منتهى البساطة، عندما تنظر السلطة الفلسطينية الى ما تحقق في مصر وتونس من تغيير بفعل الارادة الشعبية، في اقصر الآجال، فتستفيد منه كتجربة وتبني عليه كحال اجتماعية تؤدي الى حال سياسية.
وفي منتهى الصعوبة، اذا واصلت الاسلوب السابق في انتهاج منطق التفاوض ومواجهة تغيير وجهة التفاوض كلما وصلت الامور الى مراحل تقريرية.
لقد قالها وكتبها كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، إن ثماني عشرة سنة من التفاوض لم تحقق شيئا، بل إن المستوطنات اتسعت في كل اتجاه، وبالتالي فإن القدس الشرقية لم يتبق منها سوى المسجد الاقصى يقبع يتيما وسط محيط اختلف كل الاختلاف عن بيئته واهله وناسه.
إن السياسة المستندة الى عوامل القوة تشكل قوة في الموقف. فلماذا لا يستجمع الطرف الفلسطيني عوامل القوة كي يقيم قوة الموقف؟ واسارع الى القول، إن من يتعلم من اخطائه ومن يتعلم من اعدائه ومن يتعلم من محيطه يستطيع ان يبني برنامجا وحراكا يخرجه من الدائرة الضيقة التي يدور فيها.
التعلم من الاخطاء: مبدأ المفاوضات المعمول به غير مفتوح على افق سياسي، لذلك لا بد من التغيير. واول خطوة بالتغيير الاعلان عن رفض الاستمرار بمبادئ اللجنة الرباعية، بالنظر الى ان اسرائيل لم تنفذ ايا من شروطها.
التعلم من الاعداء: لقد دأبت اسرائيل على ايجاد عناصر القوة لديها وتأطيرها ضمن عمل حكومي تتذرع به لعدم تقديم اي تنازل. فرأينا ضم اليمين المتطرف وإحداث التغييرات الضرورية التي تذهب باتجاه المزيد من الشروط وفي مقدمها، ضرورة اعتراف الجانب الفلسطيني بيهودية الدولة، فضلا عن بناء المستوطنات.
وعلى الرغم من ضم اليمين المتطرف الى الحكومة الاسراائيلية فقد رأينا ان ردة الفعل العربية عموما والفلسطينية خصوصا تقول إن هذا شأن داخلي لاسرائيل، يجب عدم التدخل فيه. بالمقابل، كانت السلطة الفلسطينية تخشى التصالح مع حركة حماس. لذلك ارى ان التعلم من الاعداء يكون من خلال اعتماد نفس الاسلوب والمنهج، وفق الآتي:
المصالحة مع حماس امر مهم لكن الاهم ان تلجأ السلطة الفلسطينية الى تشكيل حكومة من كل الفصائل الفلسطينية والقيادات.
فما يمنع قيام حكومة تضم احمد جبريل واحمد سعدات وخالد مشعل ونايف حواتمة (الاردني ـ الفلسطيني) وابو موسى. أليس هؤلاء من رواد الثورة الفلسطينية وقاتلوا وقدموا في سبيلها الكثير، وأليس هذا النوع من القيادات يماثل القيادات اليمينية المتطرفة في الجانب الاسرائيلي، وأليس الحكومات شأن داخلي فلسطيني لا يفترض لاحد التدخل فيه؟ وكيف يمكن القبول بالتفاوض في ظل حكومة تضم افيغدور ليبرمان ونمنع هذا الحق عن جبريل وسعدات وغيرهما؟
إن حكومة فلسطينية على هذا المستوى ترفع الحال الفلسطينية من دركها الحالي لتنقلها الى حال قوة في الموقف. فإذا كان المجتمع الدولي جادا فعلا في المساعدة على ايجاد حل للقضية الفلسطينية فلن يكون هناك حل من دون الشعب الفلسطيني وقياداته. وحكومة اقطاب فلسطينية هي الحل، وهي قادرة على ان تعطي ما يستطيع غيرها ان يعطيه مهما علا شأنه.
اما في التعلم من المحيط: فحسنا قال محمود عباس إنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، لكن المهم ان لا يتراجع عن هذا الموقف ويترك الدور لغيره، علّ تغيير الآلية والذهنية والمنطق والتفكير يساهم في إحداث تغيير في رؤية التعاطي، وبالتالي، فإن الاستفادة من المحيط المتغير سيظل رافدا للقضية الفلسطينية.
يبقى القول اخيرا، في مجال تجميع عناصر القوة إن مسيحيي فلسطين اشد التصاقا وتمسكا بفلسطينيتهم، فلماذا لا يتم اشراكهم في الحكومات وفي التحركات الفلسطينية على اختلافها، بعدما اظهروا واكدوا انهم احرص من اهل البيت في الثبات على مواقفهم. لذلك ادعو الى اشراك مسيحيي فلسطين في التحرك نحو الغرب والمطالبة بعودتهم الى اراضيهم كمرحلة اولى في مشروع حق العودة المحفوظ في ادراج الامم المتحدة.
وفي الختام اقول، إن غياب السلام في الشرق الاوسط يستحضر الحرب، والحرب لا تنتج الا مناهضين للاحتلال بكل مسمياته، ولكي يمكن تجنب الحرب يجب العمل على توفير عناصر القوة.
وقد يقول قائل إن هذا الطرح يعوزه الكثير من مقومات النجاح، فلنا ان نتصور كم استغرق وقت المصالحة بين ‘حماس’ وفتح وهما الان في البدايات، فعن اي حكومة اقطاب يمكن الحديث؟
وانتهي الى القول إن منظمة التحرير شكلت البيت الفلسطيني فليس كثيرا ان تكون حكومة اقطاب هي النافذة لهذا البيت وليست نافذة على البيت.’ اعلامي مقيم في لندن