ريما كمال أتقدم، أنا المواطنة العربية الموقعة أعلاه، من سيادة النائب العام في مصر، ببلاغ أطالب فيه بالتحقيق في قضية اغتيال سليمان محمد عبد الحميد خاطر يوم 6 كانون الثاني/ يناير 1986، والذي تم الإدعاء في حينه بأنه أقدم على الانتحار شنقا من نافذة سجنه التي تعلو ثلاثة أمتار عن الارض. قد يرى البعض غرابة في توقيت هذا البلاغ مع فيض الأحداث التي تموج في أرجاء الوطن العربي، إلاّ أن ذلك، في اعتقادي، أمر واجب إذا ما تذكرنا أن مدة الحكم التي صدرت بحق سليمان خاطر تنتهي هذا العام لينال حريته (لو!) قدّر له أن يبقى على قيد الحياة. ولمن نسي من هو سليمان خاطر، أو يجهله بالمطلق، فإنه المجند سليمان خاطر، المولود عام 1961 من قرية أكياد محافظة الشرقية، الذي كان مساء الخامس من تشرين الاول/أكتوبر عام 1985 ـ عشية الاحتفال بانتصار أكتوبر ـ ومع اقتراب نهاية خدمته العسكرية الإجبارية، في نوبة حراسة جنوب سيناء، حين تقدم سبعة من السياح اليهود باتجاه الهضبة التي أوكلت إليه مهمة حراستها، فقام بتحذيرهم من الاقتراب باللغة الإنكليزية عدة مرات ليعودوا من حيث أتوا، منبهّا أن هذه المنطقة منطقة عسكرية يمنع التقدم نحوها، وعندما لم يتوقفوا قام بتهديدهم بإطلاق الرصاص في الهواء، فما كان منهم إلاّ أن استمروا في سيرهم ساخرين منه، مما دفعه إلى أن يطلق الرصاص عليهم انطلاقا من واجبه العسكري فأرداهم. وسرعان ما تم تحويله بقرار جمهوري إلى محاكمة عسكرية، ليصدر الحكم عليه في نهاية كانون الاول/ ديسمبر عام 1985 بالأشغال الشاقة المؤبدة لمدة خمسة وعشرين عاما. ويوم صدور هذا الحكم قال معلقا (إن هذا الحكم هو حكم ضد مصر لأني جندي مصري أدى واجبه)، ثم توجّه إلى الشرطة التي تقوم بحراسته في المحكمة مضيفا (روحوا احرسوا سيناء، سليمان مش عايز حراسة). وبعد أسبوع من صدور الحكم، وفي 7 يناير 1986 تم الاعلان عن انتحار سليمان خاطر في غرفة سجنه، وصرّح حسني مبارك بأنه يأسف لانتحاره. وقد استنكرت عائلته مثل هذا الادعاء، خاصة أن أفرادا منهم زاروا سليمان في اليوم السابق (لانتحاره!) وذكروا أنه طلب منهم أن يحضروا له في الزيارة القادمة كتب قانون، ومعجون أسنان، وبدلة صوف، وأنه طمأنهم بأن الرئيس حسني مبارك والمشير أبو غزالة سيأمران حتما بالإفراج عنه في القريب العاجل. كان عمر سليمان يوم استشهاده خمسة وعشرين عاما، والآن ومع مرور خمسة وعشرين عاما على استشهاده، وبعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، فقد بات من الواجب علينا كعرب في بدء زمن التحرر أن نتقدم بهذا البلاغ مطالبين بالكشف عن هوية قاتل سليمان خاطر، والقصاص منه، وبالعمل على تخليد ذكرى هذا الشهيد المصري العربي بما يليق به في بلده التي أحبها ودافع عنها، مع الإشارة إلى أن الجمهورية الإسلامية في إيران قد أصدرت عند استشهاده طابعا خاصا لتخليد ذكرى بطل سيناء سليمان خاطر. نعم، لم يجد سليمان خاطر وقتها سوى إيران لتخليد ذكراه. إيران التي تسابق أوباما ونتنياهو مؤخرا على التأكيد بأنها العدو الأول للعالم الديمقراطي. البداية كانت مع خطاب أوباما أمام الايباك (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية)، والذي أكّد فيه على (جميع) أوجه دعم الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل، مما استحق معه وبجدارة تصفيق أعضاء اللجنة بشكل غير مسبوق لمعظم تصريحات خطابه. كما اتضح منه سقوط أي رهان على الموقف الأمريكي تجاه قضية فلسطين. فإسرائيل ـ حسبما قال ـ تشترك مع الولايات المتحدة في تبنّي نفس القيم والمثل الأخلاقية، وأنه منذ (استقلال) إسرائيل فقد ضمنت الولايات المتحدة أمنها، وحرصت على ضمان تفوقها العسكري. وأكّد على تعهده بمنع إيران وسواها من الحصول على سلاح نووي، والوقوف في وجه الجماعات الإرهابية مثل حزب الله. ولم ينس أوباما شاليط الذي حرمت عائلته من رؤيته خمس سنوات طوال (!)، ثم أعلن عن التزام الولايات المتحدة بالحيلولة دون صدور أي قرار في الأمم المتحدة بخصوص الاعتراف بدولة للفلسطينيين، منهيا خطابه بنصح إسرائيل بالمضيّ قدما في طريق السلام (شريطة تخلّي فتح عن حماس الإرهابية التي كما قال تقتل الأطفال الإسرائيليين بصواريخها المنطلقة من غزة!)، وبحيث يؤدي السلام إلى دولة يهودية للشعب اليهودي على أرضه الموعودة، ودولة فلسطينية للشعب الفلسطيني مع تعديل في حدود عام 1967 يواكب التمدد الديمغرافي الإسرائيلي الذي حصل خلال الأربعة والأربعين عاما الماضية، وكان ختام كلماته: حمى الله إسرائيل، وحمى الله الولايات المتحدة الأمريكية. ثم جاء خطابا نتنياهو أمام الايباك والكونغرس الأمريكي ليؤكدا وحشية إيران وخطورة حصولها على السلاح النووي ودعمها لإرهابيي حزب الله، وأنه لا أحد من العرب يتمتع بديمقراطية حقيقية سوى المواطنين العرب في إسرائيل. وكانت (أوقع) جملة على الإطلاق أن الشعب اليهودي ليس محتلا لأرض أجنبية، بل هو على أرضه الموعودة في التوراة، ومع ذلك فإسرائيل مستعدة لأن تكون (كريمة) بمنحها مساحة للدولة الفلسطينية، مع تأكيده على اللاءات الثلاثة لحق العودة والقدس والحدود، ناهيك عن حماس. أما نحن فلا نملك إلا أن نتقدم بالشكر الموصول لأوباما ونتنياهو لأنهما منحانا رؤية واضحة لا لبس فيها للأمور، وأنهما أفهما، حتى من لا يريد أن يفهم، أننا كنّا وسنبقى في مواجهة حقيقية مع إسرائيل والولايات المتحدة (الديمقراطيتين). ‘ كاتبة من فلسطين