عندما توفي حافظ الأسد، كدت استغرب حدوث ذلك. كنت صغيرة العمر بعض الشيء، لكن حتى الأطفال كانوا قد تعلموا انه علينا عدم التصرف وكأنه انسان من لحم ودم مثلنا. هو ‘فوق’… فكيف مات هذا ‘الكائن الخارق’ مثل أي انسانٍ آخر؟ عندما توفي وانتهى، انتابني احساس غريــــب، لم يعد هناك هذا الكائن الرهيب الذي كان كل العالم حولي يعلمني الــــخوف منه والانصياع والسكوت. غاب وجه الرعب والخوف. كنت أعتقد أنه سيحصل شيئاً، يخرج الناس الى الشوارع للكلام بدون خوف، يعودون لحياة أكثر طبيعية وصراحة، يبدأون بالحراك جهراً.
عندما سمعت خطاب بشار بعدما ورث عرش الجمهورية السورية، وما وعد به من اصلاحات، وجدت أن هذا ‘الكرم’ لا بد أن يكون سببا قويلا له هو الوضع الحرِج للبلاد، وقد غاب عنترة – الذي كان يخافه المواطن ويتسمر بسببه – عن وجه السلطة.
عندما بدأت أسمع عن المنتديات المدنية في ربيع دمشق، بدأت أحياتاً تداعبني فكرة الأمل بأن يحل تغيير ما مستقبلاً، بداية اصلاح، يفسح الطريق لامكانية نهضة في الوطن. ذات مرة سمعت أحد معارفي يقول بلا مبالاة: يشجعهم لفترة كي يظهروا، ثم ينقض عليهم ليعزز قبضته. حينئذٍ صَعِبَ علي تصديق أن يذهب الى هذا الحد. بالطبع نعرف اليوم ماذا حصل للمنتديات وما حصل لرياض سيف وغيره ممن صدقوا. الآن عندما أراجع تلك الأيام وأتخيل مدى رعب السلطة مما لا تعرفه: سورية وسوريون بدون حافظ الأسد، وأرى ما قاموا به حتى الآن، لم أعد استبعد تصرف مثل هذا.
الآن تقريباً كل المثقفين الذين يتجرأون على انتقاد النظام اجتمعوا على ضرورة حوار وطني شامل، لمناقشة كيفية التغيير.. مؤخراً لا تفتأ القنوات تذكرنا بـ’تكرم’ السلطة بدعوة الى الحوار. ما ردنا؟ تسأل الجميع.
يجدر التذكير ان هذه الدعوة تأتي بعد أيام من تهديد الاتحاد الاوروبي بعقوبات تطال حتى الرئيس، وأسرع رامي مخلوف المرعوب بالرد: لا تضغطوا على الرئيس. وهدد الغرب باستقرار طفله المدلل اسرائيل اذا لا سمح الله حصل شيء لهذا النظام – حسب مقولة مخلوف المرعوب – مثلما فعل نظام القذافي، هذا النظام الذي يشرح ما يحصل بأنه نظام ‘مستهدف’ بسبب ‘ممانعته’! كشف مخلوف أيضاً مدى عدم اكتراث النظام أو اقامة أي أهمية، للشعب بكلام استفزازي كهذا، نظراً لحنق الشعب على ممارسات اسرائيل. ولِمَن لم ينتبه، النظام برجاله مثل مخلوف وغيره، معتاد على الحراك شخصياً في أوروبا والاستثمار فيها، كما أن الاتحاد الاوروبي يقدم مساعدات مهمة لمواجهة تحديات المستقبل من نقص ماء وطاقة قد تشكل هذه التحديات تهديدا مستقبليا لعرش العائلة. (بالطبع الاتحاد لا يقوم بذلك لسواد عيون السوريين، لكن أي مشاكل واضطرابات قد تكون نتيجتها مزيدا من اللاجئين الى أوروبا ولذلك تريد أوروبا محاولة ضمان الاستقرار في دول الجوار). من جهة أخرى، تأتي دعوة الحوار هذه في ظل استمرار الاعتقالات واجتياح المدن وقصف سكانها (تلكلخ آخر مثال) وحصار المدن والمجازر والتعتيم على المقابر الجماعية ونهب البيوت، مع اطلاق سراح قلة من المعتقلين كي يعرضوا آثار التعذيب ويخيفوا غيرهم داخلياً ويسهموا في تحسين صورة النظام بخبر اطلاق سراحهم خارجياً. كعادته نظام مخابراتي ماكر خبيث يلعب على جبهتين بنفس الوقت. يعطي الغرب المُحرَج حجة عدم اتخاذ أي اجراءات شبه جدية بـ’مكرمة’ هذه الدعوة المزعومة. وداخلياً.. ستكون مصيدة رهيبة للقضاء على الحراك والانقضاض على كل من يصدق.
لقد كثر كلام الناس عن الحوار، ماذا يجب أن يفعله النظام؟ ما هو أهم؟ هنا بالضبط… يوجد خطر جسيم على الانتفاضة، ينطلق مع كل شخص يبدأ التفكير وكأنه ذاهب لحوار حقيقي آمن. هذه المرة، ان لم نحذر من هذه المصيدة والخدعة الجديدة، ستكون العواقب وخيمة جداً.
فمن ما زال يجتاح ويقصف المدن والبيوت كردٍ على تجرؤ الناس على المطالبة بحقوقها حتى هذه اللحظة، لا يريد الحوار. من يمزق الوطن بتجنيد مرتزقة شبيحة واستغلال منطقة أو طائفة معينة – مع تشديدي على أن الفاسدين والصالحين سواء كانوا موجودين في كل مكان- لا يحترم لا الوطن ولا السِلم ولا أي مواطن. من مازال محتفظا بعشرات الآلاف من المعتقلين ونسمع عمن يموت تحت التعذيب بين آونة وأخرى، ومن يكذب فيقول ان الجيش انسحب من بعض المدن، بينما هي مازالت محاصرة ممنوعا عنها الماء والكهرباء والأدوية وحتى الغذاء، ليس جاهزاً للحوار مطلقاً. من يعتقل أقارب ناشطي حقوق الانسان كرهينة لا يحترم أية حقوق. من مازال يقوم بالتعتيم ولا يسمح للاعلام الدولي بالدخول، يريد ان يرتكب المزيد من المجازر. هذا لا يخطط لمحاورتك.. انه يخطط لاغتيالك. حذار من المصيدة هذه المرة.
نجوى محمود ـ سورية