سامر العمري ما أن تمكنت الثورة المصرية من الإطاحة برأس النظام، حتى بدأ الحديث عما يسمى بالثورة المضادة والخطر الذي تمثله على الثورة الوليدة، كون هذه الأخيرة ضعيفة بطبيعة الاشياء. في الحالة الثورية العربية بشكلٍ عام والحالة الثورية المصرية بشكلٍ خاص، أخذت الثورة المضادة طابعاً خفياً وغير مباشر للحيلولة دون إتمام الثورة، على العكس تماماً من الثورة الفرنسية التي قاومت ثورةً مضادة اتسمت بالعدوانية والعلانية من قِبل الممالك المحيطة بها في ذلك الوقت. مثّلت الثورة المصرية ضربةً قاصمةً لنظامٍ فاسدٍ استباح الحرث والنسل لثلاثين سنين عددا. ومن هنا فلا بد من التنبيه لعدة عوامل تستطيع، ان كُتب لها النجاح أن تقتل الثورة في مهدها. فمن الطبيعي ألا يُسّلم فلول النظام المخلوع الراية بسهولة. وفي هذا السياق، نستطيع الحديث عن أول مظاهر الثورة المضادة، وهو مرتبط في الوضع الداخلي في مصر. فتراه يتجلى تارةً في السعي إلى إشعال نار الفتنة الطائفية عن طريق استغلال التقلبات الاجتماعية الناجمة عن الثورة وفقدان الدولة لهيبتها. وتراه تارةً يسعى لاستخدام عامل الوقت للذود عن محركيها لاقتناص أي فرصة تسمح لهم بالانقضاض على الثورة الشعبية وتفريغها من مضمونها واستغلالها في نهاية المطاف لمصلحتهم الشخصية البحتة.
أما ثاني مظاهر الثورة المضادة فينبع من محيط مصر الإقليمي متمثلاً بالثورة الليبية، فهي لم تحقق أول اهدافها، ألا وهو الإطاحة بالعقيد القذافي. الاسلوب الذي اتبعه هذا الاخير في قمع الثوار الليبيين، أدى إلى كبح جماح الثورات العربية من جهة، وهيأ الظروف المواتية لتدخلٍ أجنبي من جهةٍ أُخرى. وبالتالي أخاف الشعوب العربية ـ التي ما زالت تنتظر- من فكرة الثورة على أنظمتها بأُسلوبه الدموي لإخماد الثورة، وأوجد ذريعةً للغرب بالتدخل بشكل مباشر وفاعل في مسرى الثورة، بعد أن كان لا يملك سوى مراقبة الأوضاع من الخارج، مع تصريحات بين الفينة والأخرى لزعمائه. فهو بكلتا الحالتين أطال أمد حسم الثورة الليبية الذي من شأنه أن يصب في مصلحة الغرب المتراخي هو أيضا في حسم المعركة (من خلال غموض سياسة الناتو في التعامل مع قوات القذافي). ويعود هذا التراخي لاستغلال عامل الوقت لإعادة رسم استراتيجية جديدة في ظل تسارع الأحداث المفصلية التي يشهدها العالم العربي. ثالث مظاهر الثورة المضادة يظهر جليا في المحيط العربي لمصر، وهو متمثل في ما يسمى بدول الاعتدال. فبسقوط نظام مبارك خسرت هذه الدول حليفا أساسيا وفاعلا في المنطقة. فقد كانت ومازالت هذه المنظومة – أي دول الاعتدال – تمثل مصالح ورؤى الولايات المتحدة على حساب تطلعات وآمال الشعوب العربية الواقعة تحت حكم هذه الدول. فقد مارست هذ الدول منذ سقوط نظام مبارك شتى أنواع الضغوط ـ مالية وسياسية واجتماعية ـ على الطبقة السياسية المصرية لإجبارها بعدم تغيير سياساتها الخارجية وأن تبقى تحت الهيمنة الأمريكية مثلها مثل بقية دول الاعتدال. وبلغت هذه الضغوط غير المباشرة ذروتها بترحيب دول الخليج العربي لطلب انضمام الأردن لمجلس التعاون الخليجي، فهي بهذا الترحيب تسعى لخلق تحالف جديد مستغلةً غياب الدور المصري في الوقت الحالي لانشغاله بترتيب أوضاعه الداخلية.
أما رابع وآخر مظاهر هذه الثورة المضادة، فهو الدور الأمريكي الذي بدأ يتعافى من هول الصدمة التي تلقاها بربيع الثورة العربي، فهو لم يستطع التنبؤ بها ولم تستطع استخباراته أن تنشر أذرعها في الخفاء لتسيير خيوط اللعبة كيفما تشاء. فكان لابد لهم من استعادة زمام المبادرة بإجراءات استباقية توفر لها غطاءً شرعيا للتعامل مع التطورات المستجدة في الساحة العربية. ومن الجدير بالذكر إن الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد في سياساتها الخارجية بشكل كبيرعلى افتعال الأحداث وتسييرها بما يتوافق مع مصالحها القومية، سياسيةً كانت أم اقتصادية. ومع ذلك فقد بدت عاجزةً تماما في خضم الثورة عن اللحاق بركب الثوار وأضحت متأخرةً بمواقفها وتصريحاتها المتوالية إبان الثورة المصرية. بيد أن الولايات المتحدة كقوة عظمى تسعى دائما لتوظيف أي حدث عالمي ـ وبالأخص في العالم العربي- لخدمة مصلحتها، وهو ما يحدث الآن بالفعل. لأن هنالك مؤشرات من الخطورة بمكان ألا تستدعي انتباه الباحثين لما تمثله من هجوم منظم يستهدف روح الثورة المنتشرة بين صفوف الشعوب العربية، وهذا للقضاء عليها أو على أقل تقدير، الحد من منجزاتها؛ فهي تسعى بذلك لإيجاد البديل الملائم لها من الطبقة المصرية السياسية الجديدة وأن تكون هذه الأخيرة مقبولة من الشعب وتلعب الدور ذاته المحابي للسياسة الأمريكية في نفس الوقت. ومن هذا المنطلق فهي لا تكتفي بممارسة الضغوط الخارجية على مصر مثل التلويح بعدم الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه مصر لهذا العام، أو إلغاء بعض الديون عنها، بل أنها تمارس ضغطا إقليميا على مصر من خلال الدول الواقعة تحت هيمنتها في المنطقة وتسعى إلى إعادة صياغة الأحلاف على هواها. فتهاوي معسكر الاعتدال بسقوط مصر احدى ركائزه، وعدم فاعلية الركن الأصعب في معسكر الممانعة سورية – نظرا لانشغالها بثورتها الشعبية هي أيضا. فترى الولايات المتحدة مرةً تتدخل بشكل مباشر على الحدود الغربية لمصر لمعالجة الثورة الليبية على طريقتها الخاصة، وتراها مرةً أخرى تحث دول الخليج على قبول انضمام الأردن إلى المنظومة الخليجية. وبالتالي تبادر بذلك إلى استعادة زمام الأمور، وتحقيق الهدف الأسمى في بقاء إسرائيل كدولة يهودية مع نقل المشكلة الفلسطينية من أيد إسرائيلية إلى أيد عربية وخليجية ليستوعبوا إن صح القول كل ما هو فائض فلسطيني – مع نية اعتراف المجتمع الدولي بدولة فلسطينية من جانب واحد، الذي من شأنه أن يسهل مرور الفلسطينيين إلى الأردن، وبالتالي إلى دول الخليج لاستدراك كل الاحتقانات الاقتصادية والاجتماعية عن قيام دولة إسرائيلية أحادية القومية – فبهذه الإستراتيجية الجديدة ترمي الولايات المتحدة الامريكية من جهة إلى منع انتشار الثورات العربية في هذه الدول، ومن جهة أخرى إلى تقزيم دور ‘مصر الثورة’ للحد من أي تأثير مستقبلي على محيطها العربي. وبهذا الدور تكتمل صورة الثورة المضادة بالفعل.
أخيرا نجاح الثورة مرهون بيقظة المصريين وإدراكهم للأخطار المحدقة بهم ومرتبط أيضا بدرجة لا تقـــل أهمية عما ستؤول إليه الثورات في ليبيا واليمن وسورية. فدحر الثورة المضادة لا يكون إلا بأيدي الشعوب، فهم من صنعوا الثورة وهم من سيفشلون الثورة المضادة. ‘ كاتب وباحث مقيم في فرنسا