محمد عبد الحكم دياب
تواجه ثورة 25 يناير منعطفا يحتاج التناول والفحص بالجدية اللازمة، وبدلا من أن تكون الفترة الانتقالية فترة ارتباك وقلق كان المفترض فيها أن تقوم بضبط الأوضاع وتيسير أمور نقل المجتمع من حالة المرض إلى مرحلة الشفاء، وهي إن كانت محكومة بإدارة عسكرية مؤقتة ووزارة تسيير أعمال، إلا أن الواقع يشهد تشبث القديم بالبقاء، وعدم قدرة الجديد على ترسيخ وجوده أو تثبيت قواعده، وغفل عن أهم ما هو موكول إليهما من إعداد المسرح الوطني للتغيير والثورة الشاملة، وتمكين قوى الثورة من الحكم والمشاركة في اتخاذ القرار، ولم يعط بالا لصياغة مشروع وطني للتغيير يكون دليلا لعمل ثوري حقيقي، ولا لإعداد مشروع دستور بشكل سليم؛ فيكون معبرا عن توافق وطني كامل، ولا يبقى مجرد نص بلا نبض، أو حبرا على ورق.
والدستور تصيغه أحلام الشعوب وتطلعاتها، لذا تقوم عليه جمعيات تأسيسية تنتخب مباشرة من الشعب؛ بكل مكوناته ومنظماته وقواه المجتمعية والنقابية والشبابية والنسائية، وهو وسيلة الثورة لبناء نظامها الجديد؛ القائم على المواطنة، وإرساء دولة المؤسسات والقانون والمساواة والعدالة، ودون ذلك تكون الفترة الانتقالية قد حكمت على نفسها بالإخفاق.
والمشروع الوطني والجمعية التأسيسية المنتخبة من الشعب مباشرة مؤهلان لتحديد هوية الدولة وطبيعتها وعلاقتها بمواطنيها، وبالنظام السياسي الملائم لهم، وبلورة نهج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة الملبية لاحتياجات الشعب ومطالبه، والقادرة على وضع قواعد عادلة لنصيب كل مواطن في ثروة بلده.
وتمر الثورة بثلاث مراحل.. الأولى القبض على زمام الحكم، والثانية هدم النظام القديم، والثالثة وضع مشروع النظام الجديد والشروع في بنائه. والسؤال هل شقت ثورة 25 يناير طريقها في هذا الاتجاه؟ والإجابة بلا مواربة هي لا.. فالثورة ليست في السلطة بعد، وما زال أمرها موكولا لطرف ثالث ترفع إليه المطالب وينفذ منها ما يراه، ويصدر القوانين دون الرجوع لصاحب الشأن وهو الشعب. فعلى المستوى العملي هناك خطوات اتخذت استجابة لمطالب الثورة، وعلى المستوى القانوني جُرِّم فعل الثورة وضُيق عليه، بصدور قانون تحريم وتجريم المظاهرات والاعتصامات بدعوى فئويتها؛ دون النظر لحالة الفوران التي تعم مصر، ووضع قانون الأحزاب شروطا تعجيزية على السواد الأعظم من المواطنين؛ منها نصاب بشري قدره خمسة آلاف مؤسس، وكان السادات قد بدأ ‘ديكوره’ الديمقراطي بخمسين شخصا كنصاب بشري لتأسيس الحزب، ونص نفس القانون على نصاب جغرافي يمتد إلى عشر محافظات لاختيار المؤسسين، بجانب نصاب مالي يقدر بعدة ملايين؛ تغطي تكلفة نشر أسماء المؤسسين وبرنامج حزبهم في صحيفتين يوميتين، وتصل تكلفة الصفحة في بعضها إلى نصف مليون جنيه مصري، ومعنى هذا أنه لا مكان لغير الأثرياء والقادرين، ولا فرصة أمام من قاموا بالثورة لإنشاء حزب على القواعد الجديدة، إلا إذا لجأوا لطلب المساعدة أو التمويل من فرد أو هيئة مقتدرة، وأغلبها ليس بريئا. ولم يلب هذه الشروط غير جماعة الإخوان المسلمين بإمكانياتها المالية الكبرى ومقراتها المنتشرة في أنحاء البلاد، وكذا حزب المصريين الأحرار، لأن راعيه هو نجيب ساويرس؛ ملياردير الانفتاح الأشهر.
أما المرحلة الثانية وهي هدم النظام القديم لم تظهر في الأفق بعد، فالانطباع الذي تركه المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومعه وزارة تسيير الأعمال أن التركيز هو على استنساخ وإعادة إنتاج حكم مبارك، وينسب ذلك الجهد إلى نائب رئيس الوزراء وأستاذ القانون الدستوري يحيى الجمل، وهو الذي ينظر إليه الرأي العام شريكا في الإجراءات والخطوات المانعة لهدم النظام القديم. فسَبْق الانتخابات التشريعية والرئاسية على إعلان الدستور، وإيكال مهمة كتابته إلى مجلس الشعب القادم، فيختار لجنة تأسيسة لصياغته ثم طرحه على الاستفتاء العام، فمن المتوقع ألا يغير ذلك في ميزان القوى السياسي والاجتماعي، لنجد أننا أمام دستور معيب وناقص؛ يعبر عن مصالح واضعيه، وجاء ذلك على هوى الكتلة الأكبر في جماعة الإخوان المسلمين ومعها مكتب الإرشاد، وهؤلاء يتصورون أن الفراغ القائم يخلي لهم الساحة للحصول على الأغلبية، وبذلك يتمكنون من الحكم، ومن وجهة نظري فإن الحرص على إبقاء ذلك الفراغ ليس في مصلحة أحد وعلى الأخص جماعة الإخوان، وهي التي وجدت المساندة من القوى الوطنية طوال السنوات العشر الماضية، من أجل حقها في العمل السياسي العلني، وتكوين حزبها والمشاركة في الحكم، وعادت للعزف المنفرد واستمرت في العمل بروح العمل السري؛ المبني على الشك والتوجس وطول معاناتها من الاختراقات الأمنية.
والمرحلة الثالثة وهي بناء النظام الجديد، وهذا لم يبدأ بعد وقد لا يبدأ.
فما سبقها من مراحل لم ينجز شيئا ذا بال، وهذا هو مصدر قلق حقيقي على الثورة وعلى المستقبل ذاته. فبديل الثورة الغرق في مستنقع الطائفية والدخول إلى حلبة الاقتتال الديني الذي يعد له المسرح الآن بأموال السعودية وبعض دول الخليج. وتمويل المنـظمات الصهيو غربية.. فهل ننتبه؟ أم أن الأطماع واغتنام الفرص والهرولة على المغانم تحول دون ذلك؟ ومصدر التناقضات الحادة في الفترة الانتقالية هو سيولة الحركة وتدافع المواقف على المستوى الشعبي، يقابلها هوة واسعة بين الفعل والطموح على المستويين التشريعي والتنفيذي، والتناقض واضح بين رغبة الثورة في الانطلاق وقيود فرضت عليها، بجانب استقطابات بين ثوار بإمكانيات عادية؛ يجدون ملاذهم في ‘ميدان التحرير’، وإدارة تقليدية مرتبكة وقليلة الحيلة ومتخبطة في أدائها؛ يعتصم أنصارها بساحة الجندي المجهول وقبر السادات، وثورة مضادة يدعمها سلفيون وقساوسة ورهبان وفلول حكم سابق؛ مكانهم المفضل هو ماسبيرو أمام مبنى التليفزيون، وحلوا بذلك محل أنصار حسني مبارك الذين سبقوهم إلى نفس المكان. وذلك أبقى الثورة عند منعطف البداية، ووضعها أمام كل الاحتمالات، بما فيها احتمال الانتكاس لا قدر الله، وما يطمئن أن الشارع وصناع الثورة ما زالوا على العهد؛ قادرين على التضحية والتحدي، ولم تُستنفد طاقتهم بعد، وهذا من علامات السلامة الباعثة على التفاؤل.
مصر تعيش المشهد ونقيضه في وقت واحد. فعلى الجانب الإيجابي ألغي البرلمان وتفكك جهاز أمن الدولة الرهيب، وحلّ الحزب الحاكم وبدأت محاكمة رموزه والتحقيق مع الرئيس المخلوع وأفراد عائلته، مع تعديلات دستورية انتقالية معيبة؛ من أجل صياغة مشروع دستور جديد وبرلمان مطعون فيه قبل انتخابه، فهو الذي يختار لجنه تأسيسية لهذا الغرض، وذلك الوجه السلبي يقلل من قيمة أي مكتسبات، ويضع قوى الثورة في تيه، ويزيد من الخوف على مستقبل مصر السياسي فيما بعد المرحلة الانتقالية.
هناك من اكتفى من الثورة بإزاحة رأس النظام وبطانته، واعتبر أن الثورة بذلك حققت هدفها، في نفس الوقت يعمل على المحافظة على الفراغ القائم ليملأه منفردا أملا في الحكم، وهناك من يعلم أن هذا الفراغ في صالح إعادة إنتاج حكم حسني مبارك وفساده مرة أخرى، ويتصدر سلفيون ومذهبيون وجماعات محسوبة على الإسلام السياسي وقساوسة ورهبان؛ يتصدرون المشهد السياسي والإعلامي، وهم في كر وفر فيما بينهم، ومنهم من ترك اللاهوت والعمل الكنسي ليمارس نشاطا سياسيا؛ في تناقض صارخ مع روح المسيحية وتعاليم المسيح عليه السلام، وكثير من هؤلاء الطائفيين ما زال في خدمة جهاز مباحث أمن الدولة، ويعملون لحسابه في إثارة التوتر الطائفي والفتن الدينية، طمعا في السيطرة السياسية والدينية بعدالمرحلة الانتقالية.
ومن الطبيعي أن تكون هناك تناقضات مصاحبة للثورة، غير أن استفحالها إلى الحدود القصوى، وعدم العمل على معالجتها والتخفيف من حدتها صب في قناة الثورة المضادة، وفرض على قوى الثورة منازعات وصراعات استنزفتها وحدت من فُرص التعاون والتفاهم بينها، وزادت من الشروخ في بنيانها. وفاقمت من التوتر السياسي والاجتماعي والطائفي وأوقعت بين المسلمين والمسيحيين، ونشرت التخريب والعنف في البلاد.
وخروج الوضع على هذه الصورة، سببه عدم استيعاب طبيعة الثورة العربية الراهنة ونماذجها الموزعة بين مصر وتونس واليمن، فهي ثورة لا تحسب على أيديولوجية معينة، ولا تنتسب إلى حزب أو جماعة سياسية بعينها، وتسمو فوق الخلافات الدينية، وليست ملكا لجيل واحد؛ إنها عابرة لكل هذا. وثورة من هذا النوع في حاجة لاستيعاب وفهم، فنجدها من حيث الطبيعة عملا شعبيا عريضا بكل معنى الكلمة، ومن حيث الحجم فهي بحجم الشباب الذي فجرها، ووزن القوى والجماعات السياسية والمجتمعية التي أيدتها وشاركت فيها، وبثقل المنظمات التي التحقت بها، وثورة من هذا النوع لا تقصي إلا من أقصى نفسه، ووقف ضدها، أو انقلب عليها، أو عمل في صفوف الثورة المضادة. الثورة ليست فعلا محدودا في مجال واحد. ولا انقلابا يطيح برأس حكم، إنما هي عمل نوعي؛ يتناقض مع كل ما كان قائما ولا يشبهه في شيء. لا يأتي عفوا إنما نتاج تراكم وعمل دؤوب وواع، هدفه تغيير موازين القوى السياسية والاجتماعية بأدوات تقلب الأوضاع القديمة رأسا على عقب. وهي بهذا المعنى إنتقال إرادي من الاستضعاف إلى العنفوان، الذي يمكنها من إسقاط دولة الفساد القديمة وإحلال دولة المساواة الجديدة وبذلك تكون الثورة فعلا نوعيا سريعا وحاسما.
وأخيرا فإن الثورة في أشد الحاجة إلى حماية الشعب والتفافه، وفوق كل هذا وذاك فهي تتطلع إلى استيفاء كامل شروطها، فتأخذ عمقها ويطمئن الشعب إلى أنها لن تتوقف عند حدود إسقاط حاكم وإحلال آخر؛ عليها تقيم نظاما مغايرا لسابقه، وعلينا أن نساعدها كي لا تضيع من بين أيدينا بعد أن طال انتظارنا لها.’ كاتب من مصر يقيم في لندن