قراءات في التكريمات الكبرى في الدورة 64 لمهرجان كان السينمائي: الامريكي ‘شجرة الحياة’ نشيد يحتفي بالشرط الانساني والتركي ‘كان يا ما كان في الاناضول’يبحث في الجريمة المخفية؟

حجم الخط
0

زياد الخُزاعي

كل شيء كان معدا، اثر عرضه الصحافي الاول الصباحي، ان يكون فارس الدورة 64 لمهرجان كان السينمائي الدولي الذي اختتم الاحد الماضي. صاحب ‘ايام الجنة’ الامريكي المميز تيرنس ماليك وعمله الملحمي ‘شجرة الحياة’. ذلك المتن البليغ الذي يرقى الى الاناشيد العظمى التي تُشيد بحيواتنا ومستقبلنا والنِعم الالهية التي أُسبغت على هذه الارض والحياة. انه اعادة تصور بعيدة النظر في فكرة القيامة الارضية، والانسان الساعي الى بناء العائلة، وترتيب يومياتها، ورصّ صفوف اعضائها، وتنمية القيم في نفوسها، وتعليمها معاني التفاني والاخذ بالمبادرات والذّود عن الاخلاق. شريط ماليك الذي حاز السعفة الذهبية عن جدارة، لا يعود الفضل بذلك الى مواطنه الممثل والمخرج روبرت دي نيرو وفريقه، بل الى الاختلاف السينمائي الذي قدمه في نص مغامر ومراوغ. للاولى، لانه اراد كتابة الخليقة سينمائيا، وينهي عمله بحكمة تتداولها البشرية، عمادها ان البشر سائرون الى حتوفهم وهم مسيّرون لذلك.

وللثاني طرحه السؤال الاصعب: هل نعي حجم خساراتنا وكبواتنا؟ متى يتلقن المرء درسه في ان الاخرين تكميل طبيعي له، وليسوا منافسين على ايمانه بالرّب الواحد؟’شجرة الحياة’ ليس فيلما تلقيميا للمفهوم الديني، وانما هو حكاية على قدر هائل من البصيرة بشأن الايمان بقدرة البشر وتجاوزهم محنهم، التي تقول الاديان انها امتحانات لا بّد منها لايجاد الدرب نحو ادراك معنى الحياة وغرضها. قد يكون هذا الخط التعريفي بالشريط، هو ما دفع ببعض النقاد والصحافيين الى اعتباره نصا مكرورا، سبق ان قام مواطنه ستانلي كوبريك بمقاربته في ‘2001: أوديسا الفضاء’ (1968)، بيد ان الفرق بينهما بيّن. ففيما ذهب صاحب ‘البرتقالة الالية’ الى اعتبار ان الانسان سيواجه ذات يوم استحقاقا حياتيا، عليه ان يحل خلاله لغز سيرورته التي قادته الى مسابر الكون. في المقطع الاول، حيث يُغلّف ‘اصل الانواع’ وكاتبه داروين فقراته البهيمية، تكون الارض الخالية مستعمرة من قبل قرود، يحل عليها شرط ربّاني في دخول الانسنة. وكوبريك الفصيح لا يحول حيواناته الى عرض لسيرك يدفع الى الاستهزاء، بل يصوغ الخط الدرامي البسيط كصراع بقاء لهذه الكائنات، قبل ان يقع رعبها على الطود الاسود الذي بزغ من دون مقدمات، معلنا افتتاح الحقبة البهية التي تقود القردة الى عصر الآلة والعصرنة، وما يَتبَع هو المشهد الكلاسيكي الراسخ في الذاكرة السينمائية، الذي يصور قردا منتصرا يرمي بعَظْمة الى السماء، يحولها كوبريك الى مركبة فضاء عظيمة الارجاء.

وحين ندخل عالمها، نقابل السؤال الاكثر تعقيدا: هل فلح البشر في فهم اغراض حداثاتهم؟ هل التوسع في الفتوحات السماوية اوصلت الكائن الى معرفة حجم قوته وذكائه؟ ما الذي سيحدث حينما نواجه قدر الموت، هل تسعفنا الآلة ام انها ستعمد الى الانتفاضة على قدرتنا الخاصة بالحكمة؟

صحيح ان كوبريك (1928-1999)، ذهب نحو النتيجة وليس الى الخَلَق، ذلك لانه لم يكن معنيا بتصوير الانجيل. فان زميله ماليك حذا حذوه، وانتصر الى العائلة على الارض، باعتبارها الاساس الاول لكل شيء عليها، على رغم تقديمه عمله بفقرة من ‘سفر ايوب’ من دون ان تعني انه ملزم بتفاصيل اصحاحاته الطويلة. كان على صاحب ‘بادلاندز'(الجائزة الكبرى لمهرجان سان سباستيان الاسباني 1974) ان يُعيدنا الى النور الاول، الى الانفجار الكبير وتشكل الكون ومقومات الحياة وبذرات الكائنات وعناصرالطبيعة، قبل ان يُعرّفنا على اول الخلايا وبعدها الدويبات واخيرا الديناصورات. انه تتبع سينمائي (يستمر ببهاء صوري على مدى 20 دقيقة) لا بد منه كي نصل الى التضاد الاعظم الجاري على كرتنا السابحة في السديم. الذكر والانثى لا غير، اي الاب والام. انهما الكائنان المسؤولان عن استمرار الخليقة حتى الايذان الربّاني بنهايتها.

في مفتتح فيلم ‘شجرة الحياة’ نسمع صوت الام وهي تستغيث وترجو، تهتف بحرقة نادرة قائلة: ‘رباه، اين أنت؟’ لتُعلن عن مأساة الموت الذي خطف ابنها الاوسط من ثلاثة.

غيابه هو ثمن صعب، لا مثيل في غيّه على النفس والضمير. وهي اشارة الى نص ‘يكشف العمائق من الظلام ويخرج ظل الموت الى النور’ (22:12) . يسعى الاب السيد اوبراين (النجم براد بت وهو منتج مشارك للشريط) الى زرع الخشية في نفوس اطفاله. الايمان بان هناك ما يُستحق ان يُعاش من اجله. الذّود عن الاهل والبيت والاعتبار الاجتماعي.

رجل مسلكي في عمله، لا يلتفت الى اعتبارات شبوبتهم التي تُصاب بخضات ارتكاب الحماقات الاولى (الابن البكر ينهر والده بقوله: ‘اخرس!’ و’انا أسوأ منك، اشبهك اكثر منها (امه)’، الوقوع في اغراءات الشهوة الاولى (سرقة الابن جاك ملابس داخلية لفتاة الجيران)، الارتعاب من اللقاء الاول مع الموت (غرق ابن الجيران)، وبدلا من ذلك يصر على الطاعة والزجر. انه الوجه الحاد للتربية والنشأة، مقابل الرّقة والتفهم العاطفي للأم (الممثلة جيسيكا تشاستين) اللذين يقودان الابناء الى تعلم الحنين والحب. يعلن غياب الابن (19 عاما)، قطيعة شقيقه البكر للصبينة، ونراه رجلا (الممثل شون بن) يحمل ذنب قوتي الحياة المتعارضتين: الطبيعة القوية، لكنها انانية، والنعمة الضعيفة، لكنها الناكرة لذاتها. بهذا يجعل صاحب ‘الخيط الاحمر الرفيع’ (1998) من البطل نبيا معاصرا يعمل في مجال التخطيط المعماري، يجول بين بنايات شاهقة لمدينة كونية، قبل ان يدخل (كما في مشهد رائد الفضاء الهرم الذي يُبصر موته في ‘اوديسا’ كوبريك) الى العالم الآخر، الذي رمز له ماليك بمحيط مائي هو ما جعل كل شيء حيا. ونراه مع اقوام ارضية، هم جميع البشر الذين مروا بحياته وذاكرته وتكوينه، تسعى الى معرفة سبيلها ‘أالى عمق الله تتصل، ام الى نهاية القدير تنتهي'(7:11). يختتم ماليك فيلمه البليغ المعاني حول الانسانية والعقل والايمان والقدر، بشعلة النور الربّانية التي كانت اول اشارة فيه، ساعيا الى توصيل فكرة الفناء الى مشاهده، وضمنها التحذير الصوفي الى وجوب احترازنا من حتف آت لا ريب فيه، يكون علينا فيه كتم النداء القائل: ‘يا ارض لا تغطي دمي، ولا يكن مكان لصراخي’ (18:16). ان تعقد نص ‘شجرة الحياة’ الذي كتبه ماليك، حتم تداخلا دراميا للقصص التي صورها باقتدار ايمانويل لوبيزكي بكاميرا لم تهدأ، لاهثة، وحيادية. فيما وقع الثقل على الخبراء الستة في مجال المونتاج كي يرتبوا الحكاية على قدر عال من الشاعرية.

ان ‘شجرة الحياة’ غنائية تبث النشاط في مشاهدها كي يتبصر في شأن حياته وخياراته. ان ما يحدث حولنا هو كرم إلهي علينا رد افضاله، كل حسب عمله وديدنه وسريرته. تناصفت الجائزة الكبرى للجنة التحكيم بين عملين متضاربين في الاسلوبية والحدث، حيث استكمل المخرج التركي نوري بليغي جيلان فيه (التناصف) جائزة الاخراج التي نالها في دورة العام 2008 عن عمله ‘القرود الثلاثة’، ليُكرم فيلمه ‘كان يا ما كان في الاناضول’ (158 دقيقة) مع الاخوين جان بيير ولوك داردين وجديدهما ‘الفتى ودراجته الهوائية’ (استعرضناه في ‘القدس العربي’ الثلاثاء 17 ايار/ مايو) والذي لا يستحق في تقديرنا هذه الجائزة، وكان الاولى ان تذهب الى العمل المفعم بانسانيته للفنلندي آكي كورسماكي ‘لو هافر’، او نظيره المليء بالدهشة للايطالي باولو سورينتينو ‘لا بد ان يكون هذا هو المكان’. يخرج صاحب ‘غيوم ايار’ (1999) الى الفضاء التركي، صاعقا مشاهده بما يربو على 85 دقيقة من ظلام البريّة، لا تكشف عن تفاصيلها غير مصابيح السيارات العسكرية التي تقل المدعي العام ناجي (الممثل ذائع الصيت يلماز اردوغان) وفريقه، وهم يرافقون مشتبه بهما، ليصلوا الى موقع دفن جثة رجل كان تنادم الخمرة مع القاتلين قبل تصفيته، من دون ان نعرف الدوافع. المشكلة ان الشاب القاتل كنعان (فرات تانيس) لا يتذكر سوى ان هناك تلة وفوقها شجرة، حفر قربها والقى بالرجل المغدور. هنا يفهم مشاهد ‘كان يا…’ ان البحث المضني للفريق لن يكون على حساب المعمار السينمائي المفخّم الذي لم يسع الى اثارة مجانية.

ففي نهاية المطاف نصل الى الموقع، وينهال مدير الشرطة بالضرب على الشاب الهامشي، تحت اعتراضات ناجي وتخويفه بـ’حقوق الانسان ان سمعت اوروبا!’، وتُسحب الجثة من تحت التراب لنرى انها رُبطت بطريقة قسرية، يشرحها القاتل بقوله: ‘كي يسعها صندوق السيارة!’، وهي النقطة التي تواجه فريق الامن لدى ايداعها الصندوق فيتم ربطها ثانية!. هذه الفقرة السوريالية، تصيب في سهمها الشخصية الاساسية الكتومة والمُراقِبة الطبيب الجنائي الشاب جمال (الممثل محمد اوزنير) الذي يصبح بصمته، هدفا للمدعي العام الذي حاول ان يتسفه بسرد حكاية افتتان النسوة به لان سحنته تشبه النجم الهوليوودي كلارك غيبل! ويسعى الى التقرب منه. والغرض ليس الصحبة، بل الاستئناس الى غموضه وكتمانه. يختتمالمخرج جيلان الفصل الليلي، بمشهد صاعق الجمال، تعبيري المزاج (تصوير اخاذ من قوخان تيرياكي) يفضح سر ناجي، حين يرى حُسن الصبية ابنة مختار احدى القرى، لينهار بسبب براءة الملاك المشع على طلتها، فنرى دمعته تلمع تحت نور المصباح القوي. انه الذّنب الذاتي الذي لا تستطيع اي ارادة اخرى لعنه والقصاص منه، سوى ناجي ذاته.

تقود الدمعة ناجي وحسرته الى الاعتراف بجريمة ارتكبها من دون قصد. فخياناته المتكررة الى زوجته، دفعتها الى الانتحار. انه الاثم الشخصي المرير الذي يحيل وجهه الى رماد. ترى، هل يقع رجل بهذه المسؤولية والنفوذ تحت طائلة العقاب جراء رعونته وزناه؟ يُبقي جمال السؤال الى نفسه، ليفاجئنا في المشهد الختامي داخل المشرحة، وهو يُخبر كاتب العدل خلافا لزميله الذي لفت نظره الى وجود تراب في رئتي المغدور اشارة الى ان القتلة دفنوه حيا ان لا علامات طبية فارقة، مغلقا ملف الادانة التي تقود القاتلين الى حبل المشنقة. فهل يؤمن هذا الحبل دفع ديّة الموت الى زوجة المغدور وولده الصبي الذي اغلق عليهما نافذة المستشفى وهما يختفيان في احراش المدينة؟

ان اللهفة التي تُصيب ناجي باعلان حكايته، لا تقود الفيلم الى انقلاب درامي، فالمخرج جيلان (سبقه الى الجائزة الكبرى كل من الفرنسي جاك اوديار عن ‘نبي’ 2009، ومواطنه كزافييه بوفوا عن ‘عن آلهة ورجال’ 2010)، يبقى امينا الى صنعته الفنية القائمة على ترك الحكاية تلوب حول نفسها.

فالمهم هنا ليس الاحداث بل المعاني التي تتألف منها المساكنة الوجدانية للشخصيات. ففي ‘بعد’ (2003) تتحول زيارة القريب الوافد الى علّة ضاغطة للبطل. وفي ‘مناخات’ (2006) يصبح طلب زوجة البطل الانفصال اختراقا هداما لطمأنينته، وفي ‘ثلاثة قرود’ (2008) ينهار عالم الابن حينما يشهد خيانة امه الجنسية مع رجل نافذ، ويجعل من صمته قربانا لعائلة يجب ان لا تجرحها الفضيحة والتشظي. عليه، نفهم الدافع العقابي الذي قرر الطبيب الشاب اتخاذه ضد النظام ككل، من دون ان يلوث ضميره.

انتظر رواد الـ’كروازيت’ من المخرج الاسرائيلي يوسف (جوزيف) سيدار نصا سينمائيا يستكمل به سابقه ‘بوفورت’ (قلعة الشقيف) الذي فاز بدب فضي في مهرجان برلين السينمائي ‘برلينالة’ العام 2007، فعرض عملا تهكميا بالغ الجودة، صَدَم فيه القناعات حول الدين والبحث الاكاديمي ضمن توليفة الصّد العائلي بين اب وابن. جديده ‘حاشية’ يُرهب نقاده، نظرا الى الصيغة السينمائية التمردية التي استعار فيها اشتغالات السينمائيين اليهود الرواد في السينما الالمانية الصامتة، والتي رصف بها حكاياته وغمزاته الى الجسد الاكاديمي المعني بالثيولوجي العبراني. يبدأ سيدار عمله كحوارية عائلية مقطوعة العواطف، افرادها مجبورون على الاجتماع لان الاعراف لن ترحم عداءاتهم ان طفحت الى السطح. ثمن الصمت مؤلم ومُكلف، لكنه في الوقت ذاته يخفي فكاهة مفارقاته. فالاب المتجهم أليعازر شكولينك (الممثل شلومو بار أبا) المشهور ببحوثه الاشكالية حول التلمود يشهد تسليم ابنه الشاب الاكاديمي عيريل ‘جائزة اسرائيل’ المعنية. فهذا التكريم يجب ان يذهب اليه حسب العُرف، بيد ان غريمه ياهودا فضل الاهانة والتقليل من قيمته الشخصية. يقرر الابن رفضها، بيد ان اللجنة تصرّ على سمعتها ومداراة الخطأ الكبير. وفي مشهد سينمائي نادر في مغزاه التهكمي، يجمع سيدار ستة رجال بدينين في غرفة لا تتسع الا الى اثنين. وخلال سجالاتهم وتقابضهم، يكشف المشهد عن ورطتهم، ويحول الحيز الى ادانة مرمزة الى اسرائيل المتناهية الصغر التي لا تستوعب الرعونة غير المتوقعة من ارادات وعقول اكاديمية اخطأت في الاختيار، ولم تحسب حجم زلتها مسبّقا! ودرءا للفضيحة، يُكلّف الابن كتابة رسالة ملفقة تتضمن اعتذار اللجنة عن ارسال اشعار فوز الاب بالجائزة، وتصحح الوجهة نحو الابن!

من هنا ينقل سيدار (ولد في نيويورك 1968) الوجهة الى الكوميديا السياسية، حيث يتحول الاب الى مخبر ذاتي، يعمل بجلد نادر، مكتشفا ‘خيانة’ الابن عبر امتحان لغته وتعابيره التي تتطابق مع ما يوردها في نصوصه الاكاديمية. يخفي أليعازر الحجة، فابوته لا تحتمل الشكوك وان شابتها الغيرة، بيد ان هاجسه ينصب على غريمه الذي ورّط الابن. وبما ان البروفيسور العجوز بقي امينا الى موقفه من ‘حاشية’ موجودة في بحث لاستاذه الراحل والتي تُشكك في لاهوتية بعض الفصول، فان تلك الشجاعة تقوده الى عدم جرح الانفة العائلية. وفي المشهد الختامي التهريجي، نرى أليعازر وهو يدخل ممرا شديد البياض (اشبه برحم مضاء بشدّة مبالغ فيها) يقود الى القاعة الرسمية، حيث نفاجأ انها حفل لفرقة صنوج وطبول تقدم عرضا ترفيهيا يصلح لسيرك وليس الى حدث اكاديمي. ومع ان المشهد يشير الى تهويمات البطل العجوز المتبرم من الجميع، فان الصورة الحقيقية، تظهر جلية بسعادته وهو يقفل بحزم على الزلة الفاسدة لابنه، ويتحول الى ‘حاشية’ مظهرية في الحفل المفبرك، تشير الى الشك، لكنها لا توصل الى القناعة، بسبب حاجتها الى بحث مضن، وهذا الاخير يتطلب زمنا طويلا كي يكشِف ـ في حالة العجوز أليعازر ـ عن نبله الذاتي وتبصُره.’ ناقد من العراق يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية