ابراهيم درويش
هل صنعت الشبكات الاجتماعية، فيسبوك انترنت اضافة للفضائيات الثورات العربية؟ وهل قاد الاعلام الجديد حركة التغيير على صعيد الحرية، بل هل قاد الاعلام الثورة وغيّر الانظمة، وهل كان الاعلام العربي محايدا في صناعته للثورات؟ اسئلة تطرح. ومع ذلك فالجميع يؤمنون بان الثورات والانتفاضات الحالية ان لم تكن من صناعة الاعلام الجديد الا ان الاولى كانت عاملا فيها، فلم تفلح الانظمة القمعية في وقف تأثيرها على الانتفاضات والتغيير، مما دعا بعض المنظومات الاعلامية للزعم او القول انها قادت الثورات وغيرت النظام هنا او هناك. ومن يرى في هذا الزعم مبالغة يقول ان الاعلام الجديد كان متأخرا نوعا ما للانسجام مع الشارع وتدارك الامر فيما بعد واعطى مساحة واسعة للمنتفضين كي يقودوا معركة التحرير. ولعل هذا التأخير جاء بسبب القيود السياسية والتحالفات الاقليمية التي تؤثر عليه. فهذا الاعلام الذي شكل خطابه الخاص منذ نهاية القرن الماضي وتسيد الحياة العربية، لدرجة ان العربي بات لا يعرف الاخبار الا من هذه القناة او تلك، لم يكن بمعزل عن التأثيرات السياسية والحسابات الاقليمية بين الانظمة العربية،. ومع ذلك فهذا الاعلام العابر للحدود العربية اسس لأرضية من الحوار وحرية الرأي، والرأي الآخر فرض خطابه الذي ظل سياسيا على المجتمعات العربية، خاصة ان الهم السياسي والقمع هو ما يهم المواطن العربي. ومنذ بدايته حظي هذا الاعلام بدراسات عديدة وتحليلات لدرجة انه لا يمر عام بدون كتاب او كتابين عن دور هذه المحطة او تلك في تغيير اشكال التعبير ومواقف الرأي العام من الغرب مثلا والتحولات التي طرأت على المهنة الصحافية في العالم العربي ورؤية الصحافي لمهمته كصانع للاحداث وفي قلب الحدث العام سواء كان حربا او سلما او بناء اجتماعيا. مسألة الحرية الاعلامية في العالم العربي هي الآن على المحك، خاصة ان التغيرات في النظام السياسي ادت الى تحول في الطريقة التي يغطي فيها الاعلام مسار التغير حتى في الاعلام الذي كان رسميا، كما هو الحال في مصر وتونس، فاشكال التغطية وحرية التعبير توسعت لكنها تتأثر الان بالتحديات الجديدة في الداخل من الصراعات على الهوية ودور الدين في تشكيل الهوية السياسية في البلاد التي سقطت فيها الانظمة القمعية. وفي مرحلة ما قبل الربيع العربي كان الاعلامي العربي يتحرك بين الخطوط الحمراء والرمادية بحثا عن تمرير قصة او الهروب من المسألة، ففي ظل النظام العربي القمعي تحول الصحافي الى ‘موظف دولة’ حسب تعبير غسان تويني، والذي قال ان النظام العربي تعامل مع الاعلام من خلال التكميم والقمع والسيطرة عليه، وهذا الوضع تكرس بعد الحرب العالمية الثانية. وفي ظل هذا الوضع القاتم للحياة الاعلامية العربية فقط ظلت تقارير منظمات الدفاع عن الاعلام ودراسة اشكال الحرية فيه، تضع الدول العربية في اخر قوائم الدول في مجال حرية التعبير، وهذا الوضع طرح الكثير من الاسئلة حول تجربة الصحافي العربي وان كان يقوم بنفس المهمة التي يقوم بها زميله في الغرب ام ان الاعلامي العربي تقيده الحسابات السياسية والثقافية والقيود التي تفرض عليه ان يختار في طرحه للموضوعات ويوازن ويراقب نفسه، خاصة في مناطق لا تزال تتعامل مع الاعلام الجديد بنوع من الريبة.
فيروس الرقابة على الذات ولعل الجدل الجاري في السعودية حول قصة المرأة التي ‘تجرأت’ ووضعت فيلما قصيرا على ‘يوتيوب’ تظهر الخوف من المنظومة الاعلامية الجديدة. وفي هذه المنطقة من العالم في السعودية وغيرها لا يزال الاعلامي يتجنب الحديث عن القضايا السياسية لان الاعلامي مصاب بداء ‘فيروس الرقابة الذاتية’ كما يقول اعلامي من الامارات، وحتى الاعلام الخارج والذي تدعمه منظومة اموال النفط وينتشر في الخارج لا يهرب من هذا الخوف عندما يتعلق الامر بدولته، او بدولة يدعمها النظام، فصحافية كانت تكتب في صحيفة امريكية ودعيت للكتابة في صحيفة سعودية في الخارج واكد لها المحرر ان لديها كامل ومطلق الحرية في التعبير والكتابة عن اي موضوع تريده، اكتشفت مرة ان مقالا لها حذفت منه بعض العبارات التي تنتقد مصر مما يطرح اسئلة حول مفاهيم الحقيقة والموضوعية والمصداقية ومهمة الصحافي في الكشف عن الاحداث بدون ان يتأثر بها نفسيا او سياسيا، او كمراقب، والشعارات او اصول المهنة لا يتم الالتزام بها من الصحافي ايا كان عربيا او اجنبيا ورأينا كيف دقت الصحافة وصدقت اكاذيب الساسة في حرب العراق وفي الحروب الجديدة الصغيرة التي اندلعت في الربيع العربي، فالتركيز يتم في غالب الاحيان على طرف دون طرف.
العمل على خطوط الخطر وتظل مهمة الاعلامي العربي في كشف الحقيقة محفوفة بالمخاطر، فالدرس اللبناني حاضر من الاغتيالات التي تعرض لها عدد من الصحافيين ودور الصحف في اثناء الحرب اللبنانية قبل ثلاثة عقود او يزيد او بعد مقتل رفيق الحريري في عام 2005. وفي حرب العراق تعرض الصحافيون للقتل ووصفت بانها مقبرة الحرية. ولا شك ان الصحافي العربي وهو يغطي حروبا كهذه يواجه اسئلة تتعلق بالثقافة والتعاطف والهوية والدين مما يجعله يتأثر بهذه العولمل اثناء التغطية، وقد كشفت الاحداث الاخيرة عن المهمة الصعبة التي يقوم بها الصحافيون العرب، ففي الربيع العربي تعرضوا للاعتقال والضرب والمساءلة من الانظمة التي حرصت على اسكاتهم ومنعهم من نقل ما يحدث في شوارع عواصمهم. كل هذا يؤشر الى ان الصحافي العربي ان لم يعمل في مناخ من الخوف والرعب داخل بلده فانه يواجه القتل والاعتقال في جبهات القتال. وهناك جانب آخر من التحديات التي يواجهها الاعلامي العربي تتعلق بقوانين النشر والرقابة والتي وان فتحت مجالا للصحافة الا انها حسب صحافي اماراتي يتحدث عن وضع الاعلام في بلده، تتقدم خطوة وتتراجع عشرة خطوات، ويرى ان حرية نشر ونقل المعلومات هناك ليست موجودة. ونفس الامر يصلح على معظم الانظمة العربية خاصة النظام العراقي الذي يتبجح بالحرية والديمقراطية ولكن كلماته كما قالت منظمة مراقبة الحرية الاعلامية العربية لم تتحول الى افعال، وفي العراق قتل اكثر من 175 صحافيا ومصورا في الاعوام الخمسة الاولى من الحرب هناك. ولا ينجو الصحافي العربي من الرقابة في الصحف المستقلة عندما يتجرأ مثلا اعلامي او رسام كاريكاتير على نقد الحزب او الجهة التي تدعم الجريدة. وتلخص قصة صحافية بحرينية وضع الاعلامي العربي في النظام القمعي حيث بدات تطرح موضوعات مثيرة للجدل على التلفزيون مما ادى بها الى الاستدعاء لمكتب المدير الذي قال لها: لماذا تعقدين حياتك وحياة الآخرين، وعندما حاولت الاعتراض اجاب المدير قائلا ‘فقط قولي نعم كما يقول الآخرون. ان الضغوط التي يتعرض لها الاعلام العربي لم تعد تنبع من محاولة السيطرة التي تنبع من النظام العربي، بل من الحركات الاسلامية والمتشددة ومنها القاعدة واخواتها.
من كفاح الامبريالية الى مطلب الحرية وفي قراءة لتطور مهمة الصحافي العربي نرى ان اولوياته قد تطورت من سيادة اولويات الكفاح ضد الامبريالية والصهيونية الى الكفاح من اجل الوحدة العربية والكفاح ضد الفساد ومن اجل تحديث المجتمع ونشر الديمقراطية كما اشارت دراسة مسحية اعدها توماس ماكفادين في الفترة ما بين 1951 1952، وهذه الاولويات التي ارتبطت بفترة المد القومي والحركات الثورية، ولا ريب فان الانظمة العربية استخدمت موضوع الصراع العربي الاسرائيلي كغطاء للتحكم بالصحافة، وبعد مرور اكثر من نصف قرن فقد تغير المشهد الاعلامي واجبر النظام العربي على النظر في اولوياته ومواجهة الاعلام الجديد بادوات مماثلة، وما يحدث في سورية اليوم مثال على هذا، حيث يقوم النظام هناك بمحاولة للسيطرة على فيسبوك والانترنت. وايا كان اثر النظام العربي على حرية الاعلام فعندما فقد السيطرة ولو جزئيا فان هذه السيطرة استبدلت بسيادة من نوع جديد وهي المؤسسات الاعلامية التي يدعمها مال النفط وهذه السيطرة خلقت وضعا اسماه اكاديمي عربي ‘بوضع يشبه الخصاء’، فالصحافي بات عرضة للشراء وكما تقول باحثة مصرية فما يكتبه صحافي يأخذ المال ويتقبل الرحلات المجانية لا يمكن ان يكون مصداقيا. وأدت السيطرة، سواء من النخبة السياسية او الاقتصادية المالية على قتل اي محاولة من التحقيق الصحافي او البحث في علاقات المال والسلطة. كم بدون نوع وما يهم في هذا السياق ان دخول المنظومات الاعلامية الجديدة على المشهد العربي وسع من مجال الاختيار امام المشاهد/ القارئ العربي وأدى الى تفجر في المعلومات، وزيادة الكم في المعلومات لا يعني بالضرورة زيادة نوعية، بل بالعكس ادى هذا الى زيادة كسل الصحافيين التي عادة ما احتوت على معلومات غير دقيقة واعتمادا على وكالات الاعلام، فيما دفع اصحاب المصالح مقابلها مالا او رحلات وترفيه. وفي الوقت الذي يشكو فيه العالم العربي من تحيز الاعلام الغربي ضده وضد قضاياه فان اشكالية التحيز ليست اشكالا في الاعلام العربي بل ما يعانيه الصحافي انه لا يقدم لنا تقريرا صحافيا بناء على ما هو معمول به في التقاليد الصحافية بل ‘رأيا’، ويضاف الى هذا فمعظم الصحافيين العرب يعانون من نقص في التدريب والتخصص في المجال الاعلامي، وهناك جانب آخر ويتعلق بكون الاعلام العربي اصبح في وضع كهذا عرضة لتصديق الشائعات والقصص الملفقة والتي بنى عليها عددا من النمطيات ونظريات المؤامرة. ان كانت النظرية التقليدية ترى في الاعلام عاملا في التغيير فان الاعلام العربي كما بدأنا القراءة يرى نفسه على الاقل بعض قطاعاته سببا في التغيير وهذه النظرة تكرست عبر عدد من التصريحات السياسية والرؤى والتحليلات التي ربطت التغيير بظهور الفضائيات العربية. وهذه النظرة ان صحت او كانت نسبية فكما قلنا تظل مفتوحة للنقاش في ضوء الثورات العربية الجديدة.
غياب المحلية وسيادة الاقطاع وعلينا هنا ان نشير الى ان الدور الذي اضطلع فيه الاعلام الجديد تم في الغالب على حساب القضايا المحلية، فأهم الفضائيات العربية والتي تحظى بمتابعة واسعة في العالم العربي والشتات عادة ما لا تلتفت الى الموضوعات المحلية وتركز على القضايا العربية والاسلامية. وحتى في التركيز على القضايا العربية فتغطيتها تراوحت احيانا بين التركيز الشديد على موضوع من مثل الحرب في لبنان وغزة وليس مثلا على وضع دارفور التي تداخلت فيها العوامل والمصالح السياسية العربية، لكل دولة او جماعة. والى جانب غياب المحلية في هذه الفضائيات فانها لم تسلم من نشوء ما يمكن تسميته بالاقطاعيات الاعلامية نظرا لسيطرة النخبة المالية والسياسية عليها. وهذه الاقطاعية لم يحمها من التأثيرات السياسية التي كانت تتم عبر الابواب الخلفية. ان فهم الاعلام العربي الجديد لا يمكن الا بفهم دور الدين والعروبة والعلاقة مع الغرب وهي قضايا علمت كل مرحلة من مراحل تطور الاعلام العربي القديم والجديد. فهذه القضايا اثرت بشكل او بآخر على طريقة واداء الاعلام العربي.
الصحافي الجديد ما سبق وقدمناه هو بعض ما جاء في دراسة لورنس بينتاك ‘الصحافي العربي الجديد: المهمة والهوية في زمن مضطرب’ والذي صدر بداية هذا العام، وفيه يقدم الكاتب قراءة للمنظومة العربية الجديدة، ومهمة الصحافي العربي وما تغير عليها والصعاب التي يواجهها الاعلامي في العالم العربي، ورؤيته لمهمته ودوره، والعوامل والتحديات التي تؤثر عليه، والدراسة شاملة وقد سافر الكاتب في معظم الدول العربية وقابل الكثير من الاعلاميين العرب البارزين ومراسلي عدد من الفضائيات ومتخصصين في الاعلام والصحافة ومدراء مراكز اعلامية، واكاديميين وقدم نتائج دراسة مسحية اجراها في بداية القرن الحالي مع جيرمي جينجز، والدراسة ليست معنية بالنظر الى عمل الصحافي الجديد من وجهة نظر غربية بل هي دراسة في اشكال الاعلام ورؤية الصحافي لنفسه ولوضعه وما يواجهه وما يطمح لتحقيقه في ظل الظروف، كما طرحت الدراسة اسئلة حول مهمة الصحافي ودوره في التغيير واشكاليات الحرفية والحياد والموضوعية. وينقل الكاتب في مقدمة كتابه ما قاله محرر ‘نيويورك تايمز’ جيمس غوردون بينت ‘اشعر انا نفسي في هذه البلاد انني منخرط في قضية عظيمة: قضية الحقيقة، الثقة العامة، الايمان والعلم ضد الضلال والجهل والغش’ ويعلق الكاتب انه بعد قرن ونصف القرن يقوم الصحافيون العرب بترجمة هذه المشاعر المثالية بطريقتهم وبلغتهم. دراسة مهمة لكل من يعلم في حقل الاعلام الجديد والقديم.The New Arab Journalist: Miion, Identity in a Time of TurmoilLawrence PintakI.B. TaurisLondon/ New York 2011