مصر.. محاولات الانقلاب على الثورة عبر فزاعة الاقتصاد

حجم الخط
0

شحاتة عوض استوقفني كثيرا بيان للبنك المركزي ينفي فيه ما ذكره وزير المالية عن تراجع الاحتياطي النقدي الاجنبي لمصر الى 24 مليار وتسعمئة مليون دولار بنهاية شهر نيسان/ ابريل الماضي. ويؤكد أن الاحتياطي النقدي هو 28 مليار دولار، ليس ما ذكره الوزير.. هل كان هذا النفي مجرد صدفة أو أمر عابر في تفاصيل المشهد السياسي والاقتصادي المصري الحالي؟ الاجابة في ظني، وبعض الظن إثم، ليست كذلك، ونفي البنك المركزي ليس مجرد تضارب غير مقصود في الارقام والبيانات بين وزارة المالية والبنك، بقدر ما يشي بأمر آخر يأتي في إطار حملة الترويع والتخويف التي تعيشها مصر حاليا من ان مجاعة ستحل بالبلاد والعباد قريبا.

هذه الحملة بدأت منذ أسابيع في بعض الصحف ووسائل الاعلام، عبر نشر سلسلة من الارقام والاخبار المفزعة تحذر من أن الاقتصاد على شفا الانهيار، وأن مصر مقدمة لا محالة على الافلاس. لا ابالغ اذا قلت إن هذه الحــــملة هي محاولة جديدة للثورة المضادة لاجهاض ثورة 25 يناير، ولكن هذه المرة من بوابة الاقتصاد، فانصار الثورة المضادة من فلول النــــظام السابق ومعـــهم بعض ضباط امن الدولة السابقين فشــــلوا في ضــــرب الثورة، عبر الترويع الامني وحالة الفلتان في الشــارع تارة، أو من خلال تفجير احداث الفتنة الطائفية تارة اخــــرى، وبالتالي لجأوا لترويع الوطن والشعب من بوابة الاقتصاد، من خلال نشر اليأس والاحباط لدى الناس ما يدفعهم دفعا للكفر بهذه الثورة والانفضاض من حولها.

يقود هذه الحملة بعض من مقدمي البرامج التلفزيونية وكتبة الاعمدة المعروفين بانهم لم يكونوا ابدا مع الثورة، او من المؤلفة قلوبهم ومن دخلوا عهد الثورة متأخرا، بطريقة تتنافي مع حسن المقصد، بل تنتهي في القراءة الاخيرة لها إلى ان ثورة 25 يناير هي المسؤولة عن كل ما جرى من خراب اقتصادي حل بمصر وشعبها، وبالتالي الترحم على أيام الحكم البائد، رغم ان كل ما تعيشه مصر حاليا من ازمات اقتصادية وغيرها هو جزء من التركة الثقيلة والخراب الكبير الذي خلفه مبارك ونظامه قبل سقوطه.

ودليلي على سوء مقصد هؤلاء أنهم طوال الوقت يحملون الثوار ومن معهم المسؤولية ويرون أن المظاهرات المطالبة باستكمال أهداف الثورة او الاحتجاجات الاجتماعية هي المسؤولة عن الشلل الذي اصاب الاقتصاد وأدي لتراجع الاستثمارات وعائدات السياحة لكن المسكوت عنه في هذا الطرح، وهنا بيت القصيد، هو غياب أي إشارة ولو بشكل عابر لاستمرار حالة الانفلات الامني في طول البلاد وعرضها ومن المسؤول عن ذلك؟ ولماذا لم يعد رجال الشرطة لاداء وظائفهم بالشكل اللائق؟ وكيف يمكن تحقيق اي انجاز اقتصادي في ظل غياب الامن.

توحي كتابات هؤلاء وتحليلاتهم وكأن اقتصاد مصر قبل الثورة كان على أحسن ما يكون، وان المصريين كانوا في ظل مبارك ينعمون برغد العيش، وان الثورة جاءت ودمرت كل شيء، بينما العودة للارقام والبيانات الاقتصادية لمصر قبل الثورة تشير الى وضع مفزع سواء من حيث حجم الدين الداخلي والخارجي او من حيث نسبة البطالة ومعدلات التضخم، وهذه الارقام موجودة ويمكن الرجوع اليها. ورغم أن احدا لا يجادل في أن الاقتصاد المصري في وضع صعب وحرج، لكن الثورة ليست هي المسؤولة عن هذا الوضع. ويجب على هؤلاء الذين يحاولون الالتفاف على مكتسباتها عبر حملات التخويف، ان يتقوا الله في ما يكتبون، فاقتصاد مصر تعرض في عهد مبارك لاكبر عملية نهب منظم في تاريخ البلاد منذ ايام الفراعنة. لمن يريد ان يستزيد عليه فقط مطالعة الارقام المفزعة لحجم الفساد والافساد الذي جرى خلال السنوات العشر الاخيرة، وكيف تم تجريف ثروات الوطن لصالح عصابة مجرمة كانت تحكم الوطن. كما يتعمد المروجون لحملة التخويف تلك تغييب اي حديث عن المكاسب الهائلة التي حصدها وسيحصدها المصريون من ثورتهم العظيمة سياسيا ومعنويا، وهي مكاسب تجعلهم مستعدين للصبر وتحمل هذه الفترة لحين تعافي الوطن واقتصاده.

والسؤال ما هو الهدف من وراء هذه الحمــــــلة؟ والى أين تريد أن تقود مصر ما بعد الثورة؟ في اعتــــقادي أن حــــملة التخويف تلك تسعى لتحقيق جملة من الاهداف يمكن تحديدها في ما يلي:

أولا: دفع الرأي العام في مصر إلى الانقلاب على الثورة وتحميلها مسؤولية الازمة الاقتصادية وبث حالة من الاحباط واليأس في نفوس المصريين، لدرجة قد تجعلهم يترحمون على أيام حسني مبارك ونظامه، وبالتالي دفع المشهد السياسي في البلاد نحو المجهول بصورة تهدد كل المكتسبات السياسية التي حققتها الثورة وتقضي على أحلام المصريين في إقامة دولة ديمقراطية حقيقية، او في وضع معيشي افضل. ثانيا: تبرئة جهاز الامن وبعض فلول النظام السابق من المسؤولية عن حالة الانفلات الامني وغياب الاستقرار واستمرار اشتعال الحرائق في الشارع المصري، وهو في ظني وفي رأي كثيرين المسؤول الاول عن توقف عجلة الاقتصاد وهروب الاستثمارات الاجنبية. ثالثا: وهو الاخطر، تمهيد الطريق أمام سيناريو المصالحة مع المجرمين من رجال الاعمال المسجونين حاليا بتهم الفساد وسرقة المال العام، من خلال إقرار قانون العفو والمصالحة معهم مقابل رد جانب من الاموال التي سرقوها، وذلك بذريعة ان اقتصاد مصر بحاجة لهذه الاموال لمواجهة الوضع الحالي، وبدعوى طمأنة رجال الاعمال الاخرين على مصالحهم ونشاطاتهم في مصر، وعفا الله عما سلف. وبالتالي استمرار نفس المنهج الذي يعطي رجال الاعمال السيطرة على مقدرات البلاد وتغييب اي دور للدولة في إدارة عجلة الاقتصاد، الامر الذي يعني إعادة انتاج تجربة مبارك الاقتصادية البشعة مرة اخرى.

رابعا: تكريس نفس السياسات الاقتصادية التي كانت سائدة في عهد نظام مبارك وادت الى ما أدت اليه من خراب، وذلك عبر الاعتماد على الاقتصاد الخدمي والريعي كالسياحة وعائدات قناة السويس او النشاط العقاري وغير ذلك، الى جانب الاعتماد على المساعدات الاجنبية والاقتراض من مؤسسات التمويل الدولية لمواجهة العجز في الموزانة العامة للدولة، بدلا من التفكير الجاد والحقيقي في اعادة صياغة الاقتصاد المصري من التفكير في خطط اقتصادية طموحة تنقل مصر نحو آفاق جديدة تقوم على الانتاج والتصنيع والزراعة. ولمواجهة ذلك يجب على المصريين المخلصين لثورتهم العمل على تفويت الفرصة على انصار هذا المخطط التخريبي، وهذ يستدعي درجة عالية من اليقظة والوعي لما يدبر لهذه الثورة، كما يتطلب تكاتفا وتنسيقا عاليين بين الثوار من ناحية ومن يحكمون البلاد من ناحية اخرى، لتحقيق الاستقرار في ربوع الوطن وتفويت الفرصة على كل من يحاول العبث بأمن مصر، وكشف كل محاولات بث اليأس في نفوس الناس. كما يتطلب الامر ايضا العودة بحماس وقوة للعمل والانتاج. وعلى المفكرين الاقتصاديين الحقيقيين في مصر ان يبادروا لمخاطبة الرأي العام لشرح وتوضيح الفرص الهائلة التي ستوفرها الثورة لتحقيق انطلاقة اقتصادية كبيرة تلبي طموحات الشعب في حياة افضل.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية