‘شيء عن هذه الكتابة الشعرية الحديثة’ جمال أكاديريعلى غرار ما يحدث في رحابة حيز متعذر وصعب الإحتواء؛ في تلك المنطقة التي تنتفي فيها الأعذار والتبريرات الجوفاء، وحيث تتصادم كل الثنائيات الميتافيزقية مقوضة نفسها بنفسها (فضاء المغايرة والتشتيت di’mination والشذرية الكامن في مفهوم الكتابة عند جاك دريدا) حيث يتواجد الموضع المفخخ لمن، من السذجاء، يتقصى الغرابة ضانا تقييدها في تمثلاتdes repr’sentations أسطورية مطمئنة على الإطلاق، وساحبا منها لأناه المتأولة المتعالية transcendentale ضمانا معينا.
هناك بالضبط يتكلم جوهر اللغة المفتوحة على التشظي.
لغة متراوحة، بين التلعثم وبراعة القول الشعري، لغة، حقا لا تعتمد أي سند أو مرجع مفترض (un langage sans aui’ كما يسميها ميشيل فوكوفي تحليله للآثار الكبرى: أعمال ساد وهولدرلين ونيرفال وأرتو.. و.
في بحثه الأكثر انجذابا وافتتانا بتخوم الأدب، المضمن في كتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي). لغة تريد أن تقول كل شيء تقريبا أو لا شيء، فيحول دونها وذالك، تأبي تقييد دلالتها على من يأتي إليها حاملا معه مخزونا معرفيا، يستدعي ضم الشيء المُقارب لشروطه الخاصة الوحيدة، غير واضع في الحسبان، انفتاح كلام الآخر وتذري نقط احتوائه نصيا.
إننا لا نعرف تجربة أخرى، تتمدد على نفس حقل التوتر الدلالي وتحاول بث ضوضاء العمق، كما هو حال تجربة الكتابة الشعرية الحديثة: كتابة نشيطة وفعالة؛ صفة كاملة للمباهاة والجنون الإستثنائي. ترسم خطا تصدٌعيا وتنهج تحويلا مستمرا، يتم عبره، وعلى ترتيب معين، تهييىء ترحيل طويل، يبدع نفس حركة الشطح التي كان يُدوزنُها الهذيان الصوفي الأشد هرطقة (مع فارق في النوع). إننا ب/ومع الكتابة الشعرية الجديدة هاته، لا نحدد أبدا شيئا ما، ذلك أن اللغة هنا ليست موضوعا لمسلمات معرفية علينا أن نتعرف فيها على إثبات قار أو جاهزية ما.
إنها إذا تمعنا ليست إلا تنحية، إزاحة’cart، لا تدفعنا لنُقدم هوية، بل نتورط أكثر بذواتنا في المقروء.
فنحن لا نقارب أبدا مثل هذه الكتابة إلا كأثر افتتاني ينطلق من موت ما ينسخه ويتجاوزه.
إنها بالنسبة لأي مجرب حقيقي (بعيدا عن عصبة الكتبة بفتح الكاف)عملية دلالية كيميائية خالصة تقتضي المقابلة بين الممكن والمستحيل، والدفع بوحدات قلقة من نظام المعنى المسكُوك والمُقولب le sens st’r’otyp’ إلى نقطة تلاشيه أو هوربه son point de fuite… أو الإخلال بهذا النظام مستعيرة كل مرة بعض أداوته ورموزه، لكن في اتجاه رجٌ للموازين والعلاقات والتواطؤات القائمة فيه.(بعد حقبة الأنوار، وفي بداية العصر الحديث. … ظهرت أعمال شعرية خارقة حققت هذا الإخلال في أبهى جماليته وقوته الفكرية. أسماء. .. رامبو… وملارمي تكفي للشهادة. .. كذلك نيتشه في شذراته الشعرية الجميلة المُغلفة بحجاب رقيق من النثر الأنطلوجي ). هي من ناحية تعمل على رج الطقوس المعهودة في الكتابة، ومن ناحية أخرى يستعصي بالكامل التوصل إلى استكناه جوهر خاص بها، خارج مجال التعددية والتنوع. وذلك لأنه لا توجد الأرضية الحقيقية لتجذرها لا في جانب مفهوم الوحدة ولا في جانب مفهوم الثمتيل، وإنما على خرائطية الضم والبسط المشغلين لإجرائيتها، أي من منطلق افتكاك الأبعاد الدلالية الذي يجعل:[ الصيرورة ـ إبداع] تتغلغل مزيدا في جزئيات مكوناتها، وهذا إلى تلك الدرجة التي نحصل فيها على نتيجة: كتابة جموحة تؤرق كتابة تبوثية….. الكتابة هذه صارت الآن (بعد كونها المُعبر والمُمارس الأول للمعتقد الفردي والجماعي فيما مضى) دعوة مستمرة إلى جدل متقدم وعنيد، تريده توقا وآلة فتاكة لإستنبات الآتي، ركونا تاما إلى المجهول، حيث سيجرفها تيار السؤال المتحرك كراسب متحلل يراهن على شكل طوبائي جديد.
في نفس السياق نستنتج بأنها ليست ارتدادية، ليس من شأنها التطابق بنموذج ماضوي قبلي، (كل حضور مُتمثل خدعة ميتافزيقية، صرح لنا مرة جاك دريدا، وهو يفكك ظاهرة الصوت في أعمال ادموند هوسرل) إنها بطارية لغوية تنطوي على تعدد وتفصح عن قوة ايجابية في حدود قبولها لحركة السلب البناءة.
إنها تدين للفن بالكثير ولكثافة الرؤيا كذلك. إذ أن ثوريتها واختلافها هما قرنا اللعب الكبير في أسمى تجلياته؛ إزاحة لقوانين الشكل، انصهار شامل للمعاني، تقويض للخطابات الأدبية السابقة، سفر وحلول متدرج في الوجود الآني، كل هذا يتداخل ويتخارج فيها مزيدا فأكثر…. ربما أملا في تقويض لأصل أو انتهاكا لحُرمة؛ وربما أيضا أملا في خلق استثناء ما على هامش القاعدة ـ المرجع.
هذه الكتابة من منظورنا الخاص، جغرافية رمزية قوية الإيحاء، لها شروطها الإستتنائية والخاصة التي تفترضها بالكامل. مقارنة مع الأنواع الأدبية الأخرى، تبدو هي الأكثر توترا وكثافة؛ الأكثر صعوبة وجلبا للنفور لمن يبقى عائما على السطح.
وليس هناك من منافس لها غير شبح الفلسفة المتواري خلف أقنعة الإختصاص، بالإضافة إلى ما يمكن أن نعثر عليه تحت أقنعة ما يسمى أحيانا الحداثة من مثل: النصوص السوريالية العربية المكثفة.. والألعاب الشكلية الصرفة (لدى الشكلانيين الجدد) التي تمتح حيويتها من فعل تجريب الفن من أجل الفن… إلخ… لنبُح فقط ولو على وجه التقريب، بماذا توحيه لنا. فهي الإثارة، الشساعة، بذخ العلامات، فساد المعاني وتجددها، السرعات الخاطفة في التأمل والمزج، تحليق فوق الأحجام والمساحات وتوليد لعناصرثرية ومتنوعة؛ خلق مستمر على حال، مرجعيته الوحيدة هي ذاته.. لذاته.. وفي ذاته، مع ارتباطات نسبية، هنا وهناك، بما يشحنه دائما بالقوة.
هل لمثل هذه الكتابة أن تتزهد في رغباتها الفعالة الملحة والتي تؤكد وتثبت دوما شيئا ما؟
إن كان هناك خطأ فاضح فهو التساؤل على هذه الشاكلة بخصوص كتابة تتغيا أن تستعصي، على أي تأويل لم يختبر بعد ذاته في حقل الأسئلة التي توجهها هي إليه…. في كتاب المعرفة المرحة le gai savoir يقول فجأة نيتشه عن الشعر (هو الفيلسوف الأشد من أقحم قارة الفكر بالأدب وقبل حتى أن يظهر نجم مارتن هيدغر)’لنعتبر أن كبار أسياد النثر كانوا تقريبا دائما شعراء كذالك، سواء بشكل علني أو في السر وفي الطوية فقط. وإننا لا نكتب نثرا جيدا إلا بالقياس إلى الشعر! لأن النثر ليس سوى حرب مستمرة مع الشكل الشعري: كل مفاتنه ترتكز على تجنب الشعر ومناقضته بإستمرار’. الكتابة الشعرية إن هي ستبقى ضرورية، فلن تحمل ثقل أي كتابة متناهية أسيرة حدودها وحارسة لقيم متداولة علنا: شعريتها القاطعة بالمرة مع معايير الإنسجام الكلاسيكي، لا يمكن تعلم إلا عذاب التغييرات غير المنتظمة؛ ووعيها بمبدأ المتعة القصي (نحيل هنا إلى مفهوم المتعةjouiance كما يستعيره الناقد الأدبيand Barthes rol من عبقري التحليل النفسي جاك لاكان ويشغله في الحقل الأدبي حتى لا نقول يُطبقه) يحرمها من أي وقفة للعتبات المقعدة؛ أما الفعل فيها ـ فيستدعي ـ يقظة حية. إنها الممارسة الحذرة التي تستتبع احتمالات ومسارات متعددة، مبدأها تسام شرس محايث بالمطلق لتجاربه العنيفة.
باختصار هي كل هذا وكل ما بمقدورنا أن نتوقعه منها؛ قوة فاعلة، تكرار أبدي (للعلامات والدوال) يجرها تتيه في أرض أخرى وتغني من أجل شيء آخر؛ ويأخذ تحولها حثيثا فحثيثا وعميقا يرسخ شراهة ً معرفية وتجربة ًشاقة ليس لها هم إلا المثابرة من أجل المجهول، فتنفتح زوايا خاصة وتنتج تحولات مطبوعة بتفاعلات مدهشة قاطعة نهائيا مع المرجع.
لتصيرالكتابة جمالية هجينة مخترقة من جميع النواحي بإدراكات حسية للأشياء والكائنات تبعا لتنوع كبير…. لكن في نفس الوقت ستقاوم محاولات الفصل والخصي التي ترومها والمنازعات التي تغلق عليها داخل آراء خبيثة، تافهة.
ـ الخروج إلى الشعر:
في هذا المناخ الخانق السائد اليوم، وبتواطؤ مع انحدار فني قائم في أجناس أخرى، صارت أكثر طهرانية وأكثر قبولا لهذا الانتشار الحربائي الخُلقي الزائف حولها (يكفي فقط النظر فيما يكتب حاليا تحت تسميات متعددة: كتابات رائعة في التشدق، مكتملة الحيلة، ادعائية بالكامل)… نلاحظ (ومنذ مدة، وعلى مدى سنوات)، خروجا شعريا محموما، صارخا، وقاطعا بالمرة مع فصائل انغمست ثانية خطأ، في مستنقع اللأسلفة وعلقت آمالها بجماليات مستهلكة لن تعبر بها إلى أي بقعة مباركة.. قلت إذا: خروجا إلى ثنايا أورقة الوجود الشعري، محمولا من طرف أفراد مثيرين، خاصة بكمية ما يحوزون عليه من فروقات رؤيوية خارقة، يستعملونها عند استفسارهم في استنكار الشائع من تجارب أصوات الرواد السابقة(نموذج:
أدونيس في معلقاته الأخيرة) التي على حد قولهم، لم يعودوا يعولون عليها، كما كان الحال سابقا لبلوغ ما يتعذر بلوغه من منازل رهان الحداثة. ولهذا فهم مخدرون، بسبب خروجهم هذا، حتى النخاع بحركة كشف ليس في مطمحها التماس اكتمال، كما لو كانوا مدللين ومثقلي الكاهل بعناد صبياني، يحبذ أن لا ينتهج طريق الرشد.
الغريب في انتاجاتهم، أنها تلوح بطاقة رمزية شديدة التوتر، متشظية الوعي، يقتطعها استيهام خيالي متدفق، يمتح صوره برهافة حس حاد الاستشعار، تدفعه انطلاقة هاربة إلى الأمام، في اتجاه احتضان كثافة تفاصيل الواقع المُضمخ بنكهة الإستئناس والألفة وحميمية العلاقات والأشياء المتحركة البسيطة. عمل مولد حقا، ولصيق بسخونة الكائن في قامة تماسه المتراوح:
ـ بصروح اللغة ومحمولاتها وقواعدها الوراثية.
ـ بالخارج وفضائه البراني الفسيح.
ـ بالكتل والحشود الجماعية المضغوطة تحت كماشات التمدن.
ويمكن من جهة، استثناء حالات قصوى تذهب بعيدا في جنون لغوي، تنحاز فيه اللغة غلى تأمل شرطها وهي على الحد متخمة باللاوعي، وتكاد تقترب من اعطاء نفسها طبيعة مشهدية خاطفة، يمسحها التزييغ على حدة.
من النماذج التي تأهبت لهذا السبيل:
في المغرب هناك: الشاعر وساط مبارك في مجموعته الأولى ‘على درج المياه العميقة’ الصادرة عن دار توبقال للنشر وقد قمنا فيما مضى بقراءة خاصة لها على جريدة ‘القدس العربي’. ثم أمير الصعاليك في بلاد المهجر، السوريالي العراقي عبد القادر الجنابي في ديوانه المتميز ‘مرح الغربة الشرقية ‘الصادر عن منشورات نجيب رياض الريس صاحب مشروع نهضة الشعر في العالم العربي.
ألم يصرح مرة الناقد السيميائي تزفيتان تودورف T.Todorov بأن ‘الشعراء هم أصحاب أمزجة متألقة وزئبقية مسموح لهم بكل شيء’ وما أظن أن ضبابية السجال المفتعل داخل المنتديات العامة المحافظة، بخصوص غموض التجارب الشعرية واستخلافها على من لا ينحدر من النخبة، إلا جزء من تبرير أجوف يرفعه البعض عنذما يلفون ذواتهم منكفئة على مجال ثقافي معين ومتملصة من العمل الشعري الغير المحتملة. وللرد على هذا الموقف دون الإحتكام فيه، هناك تساؤل عميق طرحه شاعر فرنسي معاصر Michel Deguy نختتم به’ ألم يقم بخدمة الشعر آخرون؟: مثلا J.Lacan في كتاباته حول كيفية اشتغال التحليل النفسي. إنها كلها ليست تقارير إخبارية بل لغة حقيقية، تتحدث عن الرغبة، عن الموت، عن الحب، عن مجالات كانت متروكة للشعر.
إن الحقل المعرفي كله تخترقه اثارة شعرية والتجربة الشعرية هي تجربة أشكال من أوجه التشابه بين الأشياء. هي ممارسة فكر قابل للمقارنة. يهمني التمكن من العثور، عند فيزيائي مثلا على صيغة مفيدة للفن الشعري’ انتهى كلامه.