نائل بلعاويبعد قليل، في المسافة الفاصلة بين مطلع النص والخاتمة، ستجيء فتاة الى حاجزٍ بين شارعين وتنتظر. قد تنتظر دهراً، وقد تملّ الانتظار وتنصرف. سيمرّ الجنود على الازقة، كل الازقة، ويرصدون اللهاث.. الكلام.. الهواء. ستأتي مجندة لا تعرف الفرق بعد، بين مفردة الحب والحرب، الى عاشقين على الطريق الى المدرسة وتصادر الطريق. سيحكي العجوز المهاجر من قرية لم تعد قائمة حكايته من جديد. وتلقن الجدة المجربة، للمرة الالف، حفيدتها المشاكسة فنون الزغاريد والتطريز. سيدخل الصبي للمرة الاولى سجن المدينة الكبير، ويخرج آخر. سيكتب الشعراء المزيد من القصائد. ويكتشف المغني صوته. والكاتب فكرته. والصبية صدرها. وربما، يعود السياسي من جولة في الفراغ المكلل بالمدائح والامنيات، ويعلن توبته عن زراعة الوهم وانتظار اللاشيء.
في المسافة عينها، ستزف فتاة الى عريسها في القرية المجاورة. وتعلن اخرى، بصرخة الولادة الهادرة، عن طفلها الاول. سيتأتىء طفل في سيدني بحروف المكان البعيد، ليعرف لحظتها ان حرفـَي السين والطاء حين يجتمعان لا يدلان الا على شيء ٍ واحد. وان الهوية فكرة مدوية تعشعش في خبايا الروح. سيعرف ذلك الطفل المولود في سيدني لأم قمحية اللون وأب يميل بلونه للسمار الخفيف، ان التشكل الكوني للاشياء ناقص، وان لمحة الحزن المريرة في عيون الاب، ولوعة الآهات في اغاني الأم، لا يتفقان وهذه الجغرافيا الجديدة. فهناك ما هو ناقص. ما هو منشود وباعث على الوجع.
بين المطلع والخاتمة ستأتي الاوامر للجنود بقتل الصبايا والشباب على الطرقات…. ليس طرقات المدن المُحتلة وحدها، بل كل الطرقات الاخرى في الجوار العربي، فالحال واحدة وان تنوعت الاسماء والاوهام.. هنا القتل من اجل السيادة والبقاء المرهون بالغاء الآخر. وهناك القتل من اجل السيادة والبقاء المرهون بالغاء البلاد والعباد. هنا القاتل من اصل روسي وبولندي والماني، وهناك القاتل سوري المولد واللسان. يمني اللكنة والوجه. ليبي الطلة والفكرة. سعودي المنبت، بحريني. و.
و…. الى اخر القائمة السوداء.
سيعرف الفلسطيني الان، ويعرف العربي ايضا، ان لا فرق بين القتل والقتل. بين القاتل هذا وذاك. ان لا فرق يذكر بين طقوس الجنازات هنا او هناك: سيحمل الفلسطيني شهيده ليدله على الطريق العظيمة للخلود ببعض الايات والدعوات وزغاريد النسوة الباكيات. كذلك يفعل السوري والليبي واليمني. حتى اسماء الشهداء لها ذات الايقاع: احمد، هنا، ومحمد هناك. هناء هنا وهيفاء هناك. لا فرق. لا فرق الا في التفاصيل الاولية للحكاية، في خروج الاساطير من كهوفها، واختراع المزيد من الالم: قبضة التوراة وعسفها هنا. وخلافة الله على الارض هناك. وجه العملة الاول يماثل الثاني ويكمله، والضحية واحدة في الحالتين، وربما النهايات الاكيدة القادمة ايضاً.
ان تكون فلسيطينياً، يعني، ان تُمثل وتتمثل كل المشاهد المذكورة اعلاه. ان تكونها دفعة واحدة. ان تسير ودمع الفتاة العائدة من الحاجز ينساب على خديك ويحرقك. ان تكون اللهاث، الكلام، والهواء الذي يصادره الجنود بلا رحمة او وجل. وتكون القصيدة والصبية والسجين والشهيد والطريق الى المدرسة، وتنسى، دائماً تنسى، فوائد النسيان. غوايات النسيان، فالنسيان نقيضك الابدي. نقيض الطفل في سيدني. نقيض الولادة والعرس المجاور، نقيض الدرب الطويلة للناصري الجميل. فعليك ان تحيا وتنسى فتنة النسيان. وان تعيش بذاكرة واحدة.
ان تكون فلسطينياً، يعني: ان تكون الضحية. ليس اكثر او اقل من رمز الضحية وارتفاع كعبها. ان اصبت او اخطأت فانت الضحية. كيف يمكن للضحية حين تُحشر، لعقودٍ سبعٍ مريرة، ان تصيب فقط، او لا تصيب فقط؟ وانت الضحية، مررت بكل الفصول والطرقات، اخفقت هنا وابدعت هناك. صرت كناية للمستحيل، اول الضوء في زقاق الليل. وصرت كناية لليأس، واحتمالات التورط في البعد والنسيان…. لا بأس، فالحياة كفيلة بدروبها. بطقوسها. بغياب خطوطها المستقيمة والثابتة، وانت وليدها، ضحيتها العالية، وما الرهان الان سوى عليك: حين يسقط الشهداء في مدن الجوار.. تكون انت. حين تغني الصبية في اقصى الجنوب التونسي… تكون انت. حين يعلو الهتاف ويرتعد الطغاة… تكون انت. فأنت الضحية في الحالتين.
بعد قليل، بين تشكل الكلمات الاخيرة وانفتاح الخاتمة. ستجيء فتاة اخرى الى الحاجز، قد تمر وقد لا تمر. سيبحث العاشقون عن طريق جديدة. سيكتب الشعراء والكتاب. ويوقع عالم الفيزياء في جورجيا وصيته الاخيرة: اريد قيرا في الجليل.
بعد قليل، سأعد انا، للمرة الثالثة، قهوة هذا الصباح، وأرقب عبر النافذة، كيف تسير الحياة، ها هنا، من تحتها، حيث يلهو الصغار مع كلابهم الوديعة ويطردون الوقت بالمتع الجميلة، باسمين، لا خوف يرصدهم ولا هواجس ممكنة، فلن تأتي مجندة هنا لتعتقل الكلاب والاطفال والوقت البريء. ولن يعلو الرصاص على العواء والضحك اللذيذ. سيتعب الاطفال ويذهبون. سيحلمون بنوبة اخرى غداً، وسيرجعون.
بعد قليل، ان تكون فلسطينياً، الان او بعد قليل، فعليك ان تُحب. ان تحاول مرة اخرى.
ان تطارد فكرة العيش العظيمة دائما. ان تبقى الضحية في المدى والوقت، وتطرد النسيان، تحبسه، وتدخل للغواية من بابها الاخر، فالحب والنسيان لا يلتقيان، وعليك ان تكون جديراً بهذا الحب، بهذه الذاكرة.