نهى المصري’عام 1938 عثر رحالة فرنسي وبالصدفة في الصحراء الشرقية الجزائرية على كهوف ‘تاسيلي’، فوجد فيها رسوما عجيبة لمخلوقات بشرية تطير في السماء وترتدي أجهزة رواد فضاء، ورسوما لرجال ونساء يرتدون ثيابا حديثة كالتي نرتديها اليوم، وملابس أخرى شفافة غير مألوفة، وطائرات غريبة الشكل، وأناس يسبحون وسط هذه الطائرات داخل مدينة شديدة التطور، ولعل الأهم هو ما تبين لاحقا وهو أن عمر هذه الرسوم يزيد على عشرين ألف سنة! هذه النقوش ليست الوحيدة بل وجد علماء الآثار على أحد أبواب المعابد المصرية، نقوشا صخرية يتجاوز عمرها الـ3145 عاما تظهر ما يشبه طائرات الأباتشي، وفي معبد آخر وجدت رسوم يعود عمرها بالتقريب إلى 1150 عاما لطائرات مروحية وطائرات مقاتلة وقاذفات قنابل لا تختلف البتة عما هو موجود في أيامنا هذه، ولعل اللافت هنا هو أن رسوم ونقوش تاسيلي وجدت في منطقة مجاورة لأرض الفراعنة، حيث أن الأرض الليبية هي الفاصل الجغرافي بين تلك النقوش التي تتجاوز العشرين ألف سنة والحضارة المصرية التي يصل عمرها إلى سبعة آلاف عام. إذا هذه المعطيات تؤرشف لتاريخ يمتد توغلا لما يزيد عن عشرين ألف سنة، وهي تتخطى جغرافيا كهوف ‘تاسيلي’ لكنها تشترك معه في الزمن من حيث التطور الحضاري، إذ وجد علماء الآثار في منتصف القرن الماضي في قرية ‘ليساك’ بالقرب من فيينا النمساوية حجرا أثريا نقشت عليه صور لأناس يرتدون الملابس العصرية التي نرتديها اليوم بكافة تفاصيلها، والمهم في هذا الأمر أن عمر هذا النقش يزيد على عشرين ألف سنة، ترى هذه المقاربة التي يدعمها الكثير من الشواهد الأثرية هل تعني أن العالم القرية توصيفا لم يكن حكرا على زمننا وتكنولوجيته المستنسخة على ما يبدو، من يدري؟ لكن الأكيد أن تطورا حضاريا فائقا شهده هذا الكون خلال آلاف السنين وآثار ذلك متناثرة هنا وهناك، إذ بينت دراسة نشرت عام 1925 حول اكتشاف أثري وجد بالقرب من مدينة فيشي، أن الإنسان القديم استخدم الحروف اللاتينية المستخدمة اليوم وذلك منذ 150 قرنا من الزمان، وفي متحف أثينا توجد ساعة عمرها خمسة آلاف وخمسمائة سنة تحدد اليوم والساعة والدقيقة، كما عثر العلماء الروس على نوع من الزجاج أو الكريستال ذي خاصية إشعاعية يرى العلماء أن هذا الزجاج لا يمكن تكوينه إلا إثر انفجار نووي يرجع لملايين السنين على هذه الأرض.
لو شئتم هناك المزيد والمزيد من الحقائق التي يمكن أن تؤسس لقبول ما، بمعطى وجود حضارات سابقة متقدمة جدا هلكت مرات’ربما بفعل حروب الإنسان المدمرة، التي يرجح أنها نووية على الأقل كما تشير’بعض الدراسات التي تؤكد حصول أمر مماثل، ومرات أخرى لأسباب قد تعود إلى ثورات الطبيعة، سواء من خلال زلازل أو براكين دمرت قارات أو فيضانات أغرقتها، على الأقل كما تفيد الكتب السماوية، إذا هل تكفي هذه المعطيات’ للتسليم بأننا وحضاراتنا المتكررة مجرد نسخ’ تدور في سياق واحد باتجاه نهاية متكررة؟ لعل الغريب في الأمر أننا نعيش نجاحاتنا بنشوة تجعلنا ونحن في قمة انجاز ما ننظر إلى الحضارات القديمة بازدراء وتملق كونها متخلفة كما نعتقد، في حين أننا اعجز من أن نجرؤ حتى على تخيل أحوال البشر كيف كانت على مدى أربعة ملايين عام هي عمر البشر على الأرض.’كيف يمكن لنا أن نعرف المرات التي سقطنا فيها في الفناء، والأهم الدرجة المتطورة التي بلغناها قبل سقوطنا، لا شك من العسير علينا معرفة شكل النسخة التي نبلغها في ذروة النهوض قبل السقوط في فناء آخر، لكن الشبه أكيد أننا مجرد صور مستنسخة لا ترتقي حتى لكي تكون متطابقة، كل ما تقوى عليه هو تكرار يخلو من الأصالة لكنه مدجج بأسباب فنائه، ولعل التسليم بهذا المعطى يسقط صفة الإبداع والعبقرية عمن ‘صنفهم التأريخ بذلك لكي يصبحوا بأكثر تقدير عباقرة النسخ وإعادة التدوير، وربما التألق في اكتشاف أبواب مسارات من سبق ليس إلا، ويبدو أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في ارتيادنا نفس المسارات عبر العصور، بل لعلها تعود إلى خيارات مهما صغرت عندما نتبناها توهما أنها من حواشي ذاك المسار وبطانته نخسر مفاتيحه وفرص فتح أبواب جديدة فيه، ويحدث هذا في الغالب عندما يسقط غرورنا بذرة التواضع فنصبح نحن الكون بدلا من كون كما يفترض أن يكون عمقنا بحجمه لأنه فينا أوليس من قتل نفسا بغير حق كأنه قتل البشرية جمعاء؟ لهذا السبب ربما لم يعد مهما معرفة البعد الرقمي لتكرار ذاك النشوء والارتقاء قبل الفناء الذي سلكناه على مدى أربعة ملايين عام هي عمر البشر على الأرض وقد لا تعنينا معرفة الكيفية التي تعيد البشرية من خلالها إعادة إنتاج نفسها بقدر ما تعنينا معرفة التالي: ما هي الكلمة المفقودة التي يفترض أن تكمل معنى يبدو أنه يضيع في خضم كل رحلة، على الرغم من تكرارها؟ وما هي القيمة التي تنسل من بين أصابعنا حين نتبادل نذورنا مع العاصفة؟ أي لغز يعيدنا إلى المربع الأول بعد كل فناء؟ هل هو الجشع أم الجهل أم علم لا ينفع؟ قد لا نعرف كم من فلسطين ضاعت عبر العصور بفعل اختلاف ثوارها على فتات وليمة، وقد يستحيل معرفة كم فرعون عبدنا وكم من مستقبل وأدنا وقد يتعذر علينا تحديد كم من غاشم جعلنا منه نحن نسخ البشر القطيع مزارا مقدسا، لكن الأكيد أن المعنى الضائع من الأصل في تلك النسخة قد يتحدد من خلال معرفتنا ماهية هذا الشيء القيم الذي يستحق منا البدء من جديد، وكأن فناء الحياة يتكرر بفعل غياب ذاك الطعم المفترض لحياة عرفت التمايز عندما تأرشفت البداية في ‘كلمة’ حيث كانت في البدء لكي يكون معنى الرحلة في شروقها وأفولها مكتملا وهي بالضرورة كلمة حق وفصل بين الخير والشر، بين ما هو وضيع وما هو قيم ربما عند هذه المعادلة قد تبدأ حضارة وقد تنتهي وإلا ما الذي يفسر وجود رسوم بدائية لأسلوب حياة بدائية بدت سعيدة على ذاك الجدار في كهوف تاسيلي جنبا إلى جنب مع رسوم أخرى تشير إلى حالة من التطور والرقي وصلت بأحد الأزمنة إلى درجة تتخطى زمننا هذا، ترى هل من رسالة ما أراد احدهم أن يوصلها؟ وما هي الفكرة التي أراد أن يخلدها كحكمة صالحة لكافة الأزمان؟ ولماذا تكبد عناء حفرها على جدار ولم يحفظها على قرص مدمج أو ما شابه مادام تطور حضارته يتخطى الخيال؟
قد لا نعلم الظروف التي صنعت تلك الرسوم سواء أكانت عملا فنيا أم وصية لأحدهم حاصره الهروب من خوف ما في تلك الجغرافيا فوضع الكون في زجاجة ورماها في قلب التاريخ، لكن يبدو لي أن الرسم وبطريقته البدائية يشبه رسم الأطفال لطبيعة احتل الطائر فيها كرسم مساحة كبيرة في وجه الحضارة المعقدة، ربما أراد أن يقول إن الحرية هي المخرج والثبات على القيم’الإنسانية هو المعبر وحماية الطفل الذي في داخلنا ورؤية الكون بعيون فيها الكثير من الشغف والدهشة والفرح هو أحد أسرار الكون وبقائه حتى في فنائه والله أعلم. [email protected]’