لندن ـ ‘القدس العربي’: في وثيقة معنونة ‘ليست للنشر’ تظهر الطريقة التي لا تزال تؤثر فيها اسرائيل على الاعلام البريطاني والمدى الذي وصلت اليه حملة العلاقات العامة الاسرائيلية وما يواجهه الصحافيون البريطانيون من ضغوط لتجنب انتقاد اسرائيل، وتحتوي الوثيقة على ارشادات حول طريقة التعامل مع الاخبار حول اسرائيل من مثل ‘كلمات تؤثر’ و’كلمات يمكن ان تحرف انتباه المشاهدين’ اضافة لارشادات صارمة حول ضرورة تجنب الحديث عن الدين، وانه يجب التركيز على طبيعة الرسائل القادمة من الجانب الاسرائيلي والتي تتحدث عن السلام والامن، فيما يطالب الاعلاميون بضرورة التفريق بين الشعب الفلسطيني وحماس عندما يتعلق الامر بالجانب الفلسطيني.
وعندما تتم مراقبة طريقة تغطية الاخبار في التلفزيونات البريطانية لفلسطين واسرائيل فالمراقب يلاحظ تشابها بين الارشادات الاسرائيلية وعناونين الاخبار، فمثلا في واحد من العناوين الرئيسية في بي بي سي اثناء الهجوم على غزة في كانون الاول (ديسمبر) 2008 جاء فيه ‘تواصل اسرائيل قصف اهداف حماس’، وعنوان اخر من نفس الوقت ‘الهجوم على حماس يدخل اسبوعه الثاني’. وتظهر التغطية الاعلامية البريطانية لما ترتكبه اسرائيل من ممارسات ضد الشعب الفلسطيني تحيزا للجانب الاسرائيلي، حيث يتم تبني الرواية الاسرائيلية وتجنب الرواية الفلسطينية وفي غالب الاحيان يتم تشويهها. وفي هذا السياق كتب غريك فيلو، مؤلف كتاب جديد عن التغطية البريطانية لاخبار النزاع، حيث حلل مع فريق غلاسكو للاعلام اكثر من 4 الاف عنوان وسطور تم رصدها من المراسلات الاعلامية الرئيسية البريطانية حول الهجوم على غزة، ومع ان الاخبار احتوت على صور للضحايا الفلسطينيين، لكن الصور والقتل الذي تسبب بها جاء من اجل تبرير العمليات العسكرية ضد غزة وان العمليات الاسرائيلية ضرورية لوقف اطلاق الصواريخ الفلسطينية. ولاحظ المشروع الرصدي ان الاعلام البريطاني تجاهل رصد وتغطية مقتل اكثر من الف ضحية فلسطينية من بينهم اطفال ونساء قبل الهجوم على غزة. ولاحظ المشروع انه في الوقت الذي يتبنى فيه محررو غرف الاخبار البريطانية الرواية الاسرائيلية على ما فيها فان الرواية الفلسطينية تظهر غاضبة وان الفلسطينيين ‘سينتقمون’ من اسرائيل، ولا تتم الاشارة من قريب او بعيد لاسباب النزاع وان الفلسطينيين يقاتلون لانهم طردوا من ارضهم واقيمت عليها دولة اسرائيل. وهذا البعد مفقود في اثناء حديث الاعلام عن ضحايا النزاع الابرياء.
وقام المشروع الذي صدر حديثا في كتاب تحت عنوان ‘مزيدا من الاخبار السيئة من اسرائيل’ بمقابلة مجموعات من المشاهدين وحللوا ردود افعالهم ووجدوا ان هناك ثغرة فيما يقدم اليهم من الاخبار ومعرفتهم بالنزاع وجذوره. فقد قالت غالبية المشاهدين ان الطرف المعتدي هم الفلسطينيون في الهجوم على غزة لانهم خرقوا وقف اطلاق النار مع ان اسرائيل هي التي خرقته في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) وقتلت ستة فلسطينيين. ومع ان المشاهدين تعاطفوا مع مأساة الفلسطينيين الا ان الرسالة الاعلامية الاسرائيلية القوية كما وردت في التقارير الخبرية جعلتهم يعتقدون ان الفلسطينيين هم المسؤولون عن المأساة. وقالت مشاهدة ‘عندما شاهدت صور الاطفال القتلى، كانت مروعة، وبكيت، لكنها لم تجعلني افكر ان الفلسطينيين وحماس كانوا على حق، واعتقدت ان الفلسطينيين وحماس لم ينتهزوا الفرصة والعمل من اجل السلام’. ويقول فيلو في مقاله بصحيفة ‘ الغارديان’ ان صورا مروعة كهذه لا تؤثر على الطريقة التي يتعامل فيها المشاهدون مع الحرب ومبرراتها، فالصور تراجيدية ومحزنة لكن الحكم هو بيد آلة العلاقات العامة الاسرائيلية، حيث وصف انتصارها في بريطانيا بمثابة العار الذي يجلل الاخبار والمذيعين. واكد الكاتب ان التحليل للتغطية الاعلامية يثبت ان اسرائيل لا تزال تمارس تأثيرا على طريقة عرض الاخبار. وقال ان المعركة الدعائية حول النزاع الاسرائيلي الفلسطيني وصلت مستوى جديدا من الكثافة، واشار الى مشروعه الذي قامت به مجموعة الاعلام في جامعة غلاسكو عام 2004 والذي تم فيه تحليل حوالى 200 برنامج اخباري، مع سؤال 800 شخص، حول الانتفاضة الثانية واثرها على الرأي العام، وتوصلت الدراسة الى ان التغطية الاخبارية تتسيدها الرواية الاسرائيلية. ومنذ تلك الدراسة يقول فيلو ان عددا من الصحافيين والاعلاميين خاصة من ‘بي بي سي’ تحدثوا عن الضغط الشديد الذي يمارس عليهم والقيود التي تفرض عليهم لانتقاد اسرائيل. ويقول فيلو ان هؤلاء الصحافيين طلبوا منه وفريقه طرح الموضوع وتعريف الرأي العام به لانهم غير قادرين على فعل هذا. واضاف انهم قالوا انهم عادة ما ينتظرون مكالمة من الاسرائيليين اي السفارة في لندن- او من مكتب بي بي سي في القدس وان هناك ضغطا من الامريكيين عليهم وانهم يعانون من عقدة الذنب للرقابة الذاتية التي يفرضونها على انفسهم. وعلى الرغم من كل هذا فان البي بي سي تتجنب نشر او الحديث عن نتائج الدراسة الجديدة، مما دعا فيلو للقول ان ‘الحقيقة لا تزال ضحية’، والسبب هو ان من يسيطر على المحطة لديه القدرة على تقديم اي شيء يعتقد انه الاخبار. ويقول الكاتب ان الاسرائيليين من جانبهم زادوا من حملة العلاقات العامة التي يديرونها، خاصة ان الربيع العربي وضع الكثير من الضغوط عليهم وان الاعلام الجديد وضع الكثير من التحديات امام الالة الدعائية الاسرائيلية من ناحية نقل الصور والاخبار وفظائع الحرب الى الرأي العام بسرعة كبيرة. ففي عام 2008 عندما قامت اسرائيل بالتخطيط للهجوم على غزة، انشأت دائرة المعلومات الوطنية لتكون مركز تزويد المعلومات ومنعت الصحافيين من دخول غزة اثناء العمليات. وعندما هاجمت قافلة الحرية عام 2010 قام الجيش الاسرائيلي بتوزيع لقطات مع تعليقات حول تفاصيل العملية، وقد تعرضت الصور للتحوير والتحرير. ومع ذلك عرضت محطات التلفزة البريطانية الصور كما هي بدون اي تعليق على مصداقيتها. وفي تقرير القاضي غولدستون اثبت ان اللقطات لم تكن صحيحة. وقال فيلو ان حملة العلاقات العامة الجديدة التي تقوم بها اسرائيل مصممة من اجل تنسيق رسالة واحدة الى معظم الوسائل المعلوماتية، ويتم تكرارها من كل متحدث اسرائيلي، فالى جانب كل صورة مريعة يتم عرضها يظهر الى جانبها معلق اسرائيلي يقدم الرواية الاسرائيلية. كما يتم تحليل الرسائل في الولايات المتحدة من قبل ‘البرنامج الاسرائيلي’ وهي جماعة مقرها امريكا واعطت اسرائيل، حسب شمعون بيريس، ادوات جديدة لكسب العقول والقلوب في العالم من خلال توزيع الارشادات والتعليمات حول طريقة التعامل مع الاخبار القادمة من اسرائيل.