شالوم يروشالمي
بذل ميرون بنفنستي، وهو أحد رموز القدس، ونائب رئيس البلدية تيدي كوليك الاسطوري، مقابلة صحافية للمجلة الفصلية ‘إيرتس أحيرت’ (بلد اخرى)، احتفاء بيوم القدس الذي يحل بعد غد. يندب بنفنستي بلغته المختلطة، وهي لغة اكاديمية وشعبية معا، صورة المدينة التي يراها إزاء ناظريه. يدعو بنفنستي الى قدس ‘يارمودين’، الى مدينة ضخمة تمتد بين أريحا وموديعين. ‘صببنا زيت المسح على تلال لم يكن لها صلة بالقدس وجئنا لضمها الى القدس عن قصد سياسي واحد وحيد هو صياغة اجماع اسرائيلي يقول (لا نتخلى عن هذا وعن ذاك). أخذ جبل أبو غنيم وغيلو وراموت، أي كل هذه المنطقة الضخمة، تتسع وستبلغ بيت شيمش في نهاية الامر’. يُعيدني بنفنستي الى ايام الطفولة البعيدة. يسهل علي أن أفهمه. إن القدس الرومانسية التي سبقت حرب الايام الستة كانت تختلف تماما عما هي عليه اليوم. وكانت المدينة اليهودية آنذاك، في حدودها الضيقة، أكثر انفتاحا وتسامحا من اليوم بأضعاف. وكان السكان متنوعين ايضا. في الحي الذي نشأت فيه على مبعدة أمتار معدودة عن ميدان هشبات ومئه شعاريم، سكن في الجوار حريديون وعلمانيون ومعتمرو قبعات منسوجة. لم يوجد اتساق دائم لكن التقسيم العددي فرض علاقات جوار طيبة.
كانت القدس آنذاك مدينة ذات طابع. كانت الحدود واضحة معروفة، بل كان يمكن الدفاع عنها. وجد كل واحد في المدينة مكانه. وهي اليوم موزعة في جميع الاتجاهات، هذا صحيح، وتغرق في مشكلات سكانية واقتصادية شديدة. ومع كل ذلك يمكن ان تكون القدس موضوع شوق لكن لا يمكن ان تكون موضوعا للاسترجاع. لا تمكن اعادة المدينة الى تلك الايام. مضت سنوات جيل ونحن في عالم مختلف. يجب الآن تحسين الموجود والحفاظ عليه.
بنفنستي على حق في موضوع واحد. ‘اذا وقع تقسيم في المدينة فسيكون زيادة على المشكلة لا حلا’، يقول. في يوم الاربعاء الماضي مثلا افتتح قادة الدولة حي معاليه هزيتيم وهو حي يهودي سيكون فيه بعد قليل ألف شخص داخل الحي العربي رأس العامود. لا يوجد من يستطيع ان يسمي هذا الحي المختلط حيا عربيا يكون داخل نطاق الدولة الفلسطينية، ولا يوجد من يستطيع أن يُعرفه بأنه حي يهودي يُضم الى اسرائيل. ومن الواضح انه لا يمكن رسم خطوط الحدود بين البيوت.
ماذا نفعل مع كل ذلك اذا؟ نعيد فورا كل ما ليس مختلطا قبل ان يصبح الامر متأخرا جدا. لا تمكن اعادة سلوان ـ مدينة داود المختلطة (يسمي بنفنستي مدينة داود ‘مشروع ديزني لاند’)، لكن تمكن اعادة صور باهر. ولا يمكن تقسيم جبل المكبر أو اعادته. أما كفر عقب فتمكن اعادتها. يجب ان تصبح أحياء فلسطينية متطرفة فيها عشرات الآلاف من السكان العرب ضمن سكان السلطة الفلسطينية وفورا.
إن قمة المفارقة مخيم اللاجئين قلندية. يقع هذا المخيم وراء جدار الامن. يعيش في المنطقة وراء الجدار 20 ألف فلسطيني هم سكان اسرائيل والقدس من جميع الجوانب. فهم ذوو بطاقات هوية زرقاء ويعتمدون على التأمين الوطني الاسرائيلي. وهم يتلقون منا خدمات اجتماعية لكنهم يتلقون من السلطة أكثر الخدمات البلدية وغيرها. فما الداعي الى التمسك بأحياء ضخمة كهذه داخل القدس حتى الآن؟. سألوا شمعون بيريس ذات مرة لماذا يتنازل للعرب طوال الوقت. ‘لا أتنازل للعرب، أتنازل عن العرب’، قال. وهذه حجة وطنية جيدة لرئيس الحكومة لينهض ويتخلى عن الأحياء العربية بلا مقابل ايضا.
معاريف 1/6/2011