‘خريطة طريق’ الحكام العرب… والخوف من ربيع عربي أعرج

حجم الخط
0

محمد كمال غانم بعد سنين طويلة على موات الشارع العربي، واستسلام المواطن لقدره، بُعث الانسان العربي من جديد مع أول صرخة احتجاج انطلقت من مواطن تونسي مظلوم، وامتد صدى تلك الصرخة لتصل الى مصر وتتسع شرقا نحو أكثر من بلد عربي.

نعم لقد أفاق المواطن العربي بعد طول سُبات، ليطالب بالتغيير ويضع شروطه ويفرض رأيه، بعد أن كان ولحقب طويلة المُتلقي لأوامر جلاديه وسياطهم.

نعم لقد بدأت مرحلة التغيير، ولكن هناك سؤالا يطرح نفسه من منطلق الخوف على أن تكتفي الثورة باسقاط رأس النظام، أو محاكمة المحيطين به، وكفى الله المؤمنين شر القتال، ونقول بعدها اننا حققنا الديمقراطية ووصلنا الى ما نصبو اليه، بل يجب أن نقرأ الأمور بطريقة أبعد من مليونية هنا أو هناك، في هذا البلد العربي أو ذاك. لقد كان في أجندة كل حاكم عربي، ومنذ أن استولى على كرسي الحكم، حيث استولى جميعهم على حكم البلاد والعباد بطريقة أو بأُخرى، من دون أن يكون للانسان المحكوم رأي في ذلك، بل اعتبروا أن الأمر حق شرعي لهم، وأنهم لا يُسألون عما يفعلون.

لقد ميّزت خريطة الطريق التي وضعها كل حاكم عربي لنفسه منذ أن تولًى الحكم عدة أمور أهمها:

أولا: أن يُنشئوا جيشا من رجال المخابرات، ليحصوا على الناس أنفاسهم داخل البلد وتكون مهمتهم الزج بكل من تسول له نفسه سوء الظن بالحاكم ورموز نظامه، في السجن.

ثانيا: السيطرة على وسائل الاعلام بالترهيب والترغيب كي تلعب دور سحرة الفرعون في خداع الناس وابهار عيونهم بانجازاته صباح مساء، بكل ما تيسر من أكاذيب وتضليل، حتى يصل المواطن الى مرحلة من التصديق لما يقال، وقد يصل في بعض الأحيان الى أن يكون جزءا من تلك الأكاذيب.

ثالثا: خلق صورة لدى المواطن، من خلال أنه لن يكون أفضل مما هو كائن، وبالتالي فعلى المواطن أن لا يشغل نفسه بالتفكير في الخروج على ولي الأمر، لأن في هذا خروجا على الشرع قد يؤدي لجر نفسه الى ما لا تُحمد عقباه.

رابعا: سرقة كل ما أمكن من قوت هذا المواطن، وتحويله الى حسابات خاصة، في بقاع الأرض، تحسُبا لقادم الأيام، وكذلك توزيع المكرمات والعطايا على المقربين والمُخلصين حتى لا يفكروا بأي شيء سوى حماية ولي النعمة، وزيادة أرصدتهم وامتيازاتهم في البنوك.

خامسا: رهن استقلال البلاد والعباد للأجنبي وتنفيذ ما يأمر به اذا كان ذلك يصب في مصلحة البقاء في السلطة، من خلال تسويق النظام لنفسه أنه هو الخادم الأمين لمصالح كل من يقدم الدعم، وأنه اذا سقط فالآتي هو الطوفان، ولذا يجب على أصحاب الدعم أن يُقلعوا عن المناداة بحقوق الانسان وما شابهها من الأمور التي يرى النظام أنها لا تصلح لهذا المواطن، أو قد يتم الاتفاق على أن تقتصر تلك المطالبة على اللوم والتمني.

وهنا يدخل النظام من خلال أجهزة اعلامه ليلعب على وتر ان البلاد تتعرض لمؤامرة خارجية، وأن ما يتمتع به المواطن من حقوق وحريات لا يوجد لها نظير، حتى أن الديمقراطية التي يحض عليها الآخرون لا يمكن أن تتمخض عن المزيد مما وصل اليه المواطن من كماليات الحياة، ومن هنا فهو مُتخم بكل أنواع الحريات، ولا يطمح للمزيد، بل قد يطالب في بعض الأحيان بخفض بعض تلك المكاسب حتى يستطيع المواطن أن يهضم ما حصل عليه.

الخوف من ربيع عربي أعرجمنذ بداية العام وأحداث الثورة تتزاحم. مطالب ومظاهرات في أكثر من ميدان من ميادين العواصم العربية، وأنظمة الحكم تقوم بكل ما تستطيع من أجل التغلب على ارادة الناس وقتل هذا الطموح الذي أتى للأنظمة من حيث لا تحتسب. ولكن فات الأوان وليست هناك من عودة الى ما قبل يناير، والخطوة الأولى من رحلة الألف ميل بدأت.

الأمر المهم الذي غاب عن الكثير من المتابعين أن الديمقراطية ليس بالضرورة أن تولد عقب مليونية هنا أو هناك، وليس بالضرورة أيضا أن تُطيح بهذا الدكتاتور وعصابته أو ذاك، بل يجب أن تلد الديمقراطية من القمة وبتشجيع من القاعدة حتى يقال بأن هناك ديمقراطية، واذا ولدت على أساس هذه النظرية فان ما بين القاعدة والقمة وهو ما يُسمى بالمؤسسات وأجهزة الدولة لا تخرج عمُا يحقق ما يريده الشعب ويطمح اليه.

لقد كان لطول العهد بالحكام العرب وجلوسهم على صدور الناس، تأثير كبير أرخى بظله على كل بيت وأُسرة عربية، حتى أن هناك من يقول بأن الأُسرة الواحدة أصبحت جزءا من نظام الحكم الدكتاتوري في تعاملها مع بعضها البعض، لأن طول المكث على نوعية معينة من الحياة يخلق نوعا مما يُسمى بـ ‘ميكانيزم رد الفعل’ وهنا يجب أن يؤخذ هذا الأمر بالحسبان، وهذه مسؤولية القائمين على الثورة أو من يختارهم الناس ليكونوا ناطقين باسمهم في المستقبل.

نعم هناك الكثير من العقبات في طريق الربيع العربي، وهناك خوف من أن نصل الى ثورة عرجاء، نتيجة اندفاعنا العاطفي، ونتيجة عدم القدرة على المواصلة، وكذلك نتيجة دخول أصابع خارجية لحرف الثورة عن مسارها.

وهناك الكثير من الأيدي الخارجية التي فقدت زمام الأمور وأُخذت على حين غرة، بدأت تخطط وترسل مبعوثيها، وتحذر من خطر وصول البلاد الى حالة من الكارثة الاقتصادية، وأن خطر الافلاس يطرق الأبواب اذا لم يكتف الناس بما تحقق. حتى أن هناك تحالفات جديدة أُنشئت على عجل بين عدد من الدول للحؤول دون سقوط ما تبقُى من أنظمة وهي لن تكون بأي حال من الأحوال في مصلحة المواطن العربي.

ان هناك الكثير من البوادرغير المشجعة لدى من هم أمناء على مصلحة المواطن، وقد ظهر هذا في الكثير من التلكؤ في تنفيذ بعض القرارات، أو المماطلة الى اشعار آخر، أو خلق أعذار على أمل أن تطرأ ظروف معينة تعفيهم من تنفيذ ما يعتبرونه اهانة لرمز من رموز النظام، الى آخره من مبررات لن تكون بأي حال من الأحوال في مصلحة الثورة والمواطن العادي الذي ضحى بالكثير الى أن وصل الى مرحلة قتل الخوف الذي غلف حياته لعقود من الزمن.

نعم هناك خوف على الثورة أن تقف عند الميل الأول من رحلة الألف ميل نحو حرية حقيقية. لأن الوقت لا يلعب في مصلحة الوطن والمواطن، بل يلعب في مصلحة من يخطط لحرف الثورة عن مسارها بكل السبل، وما يعزز هذا التشاؤم هو ما أظهره الكرم الأمريكي حين صرح كبيرهم بأن أمريكا لن تبخل بالدعم المادي للديمقراطيات الناشئة. فهل هذا الدعم لوجه الله، انه لم يكن كذلك في يوم من الأيام فقد كان الثمن قبل ذلك فادحا، ولن يكون في المستقبل أقل فداحة.’ صحافي فلسطيني في السويد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية