نذر الحرب اكتملت فاقتربت

حجم الخط
0

عصام عبد اللهما تشهده الساحة اللبنانية من لغط سياسي وتنابذ بين القوى السياسية والمجتمعية يبعث على كثير من القلق والخوف. مرد هذا الخوف ان الاوضاع تشبه الى حد بعيد تلك التي كانت سائدة عشية الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982. في تلك المرحلة كانت المقاومة الفلسطينية والاحزاب اللبنانية على اختلافها، تعيش تجاذبا في المواقف السياسية وتبادلا في الرسائل الامنية والتفجيرات المتنقلة. وفي الحراك السياسي، لم يكن احد يفهم على احد، ولا احد يقيم بالا لإيجاد مناخ من الثقة أو التصالح. وكما هي العادة، فإن الدولة اللبنانية بجميع أركانها والمؤسسات غير قادرة على إثبات وجودها او لعب أي دور وفاقي. وكان الافرقاء الاساسيون في حينه، منظمة التحرير والقوات اللبنانية، أقوى من الدولة ومن مؤسساتها وجيشها. وكانت كل المخابرات الدولية والإقليمية، خصوصا الاسرائيلية تفعل فعلها، حتى ان بعض الناس كانوا يتندرون بالعملاء وتحركهم المكشوف. واذكر أن احدى النكات التي يرويها الرئيس سليم الحص حول دور العملاء في تلك الحقبة تقول: إن المخابرات الامريكية جندت احدهم وارسلته الى بيروت وأبلغت اليه أن يلتقي عميلا اخر في إحدى بنايات بيروت في الطابق الرابع وهو يتولى توجيهه وارشاده الى مهمته. وفي حبكة النكتة أن العميل وصل الى البناية المذكورة وصعد الى الطابق الثالث بالخطأ وقرع الجرس ففتح له صاحب الشقة فقال له العميل كلمة السر، فما كان من صاحب الشقة إلا أن بادره بالجواب: يبدو انك تريد الجاسوس الامريكي، فهو في الطابق الرابع.

واتذكر ايضا الشيخ بشير الجميل عندما طلب مني ان اقول لرئيس الحكومة في حينه شفيق الوزان، كوني مستشاره الاعلامي، ‘قل له أن ياكل خ.. ويتوقف عن شتم الإسرائيليين لأنه سيستفيق ذات صباح وشارون على مدخل البناء الذي يسكنه’. وبالفعل فإن الرئيس الوزان كان يحمل صبح مساء، على امريكا وعلى الدور الاسرائيلي في لبنان والتفجيرات والاغتيالات التي ينفذها العملاء الاسرائيليون في لبنان وترتد وبالا ومزيدا من التباعد على الساحة السياسية اللبنانية.

وما نشهده اليوم على الساحة السياسية اللبنانية يشابه تلك المرحلة. فالدولة اللبنانية هي الحلقة الأضعف بين القوى السياسية، الى درجة أن تشكيل حكومة بات يتطلب قمة عربية او اتفاقا اقليميا. والمواقف السياسية وصلت الى القطيعة والاصطفاف السياسي والمذهبي. فحزب الله لا يمكن ان يتخلى عن سلاحه، وهو المهدد ليل نهار من قبل الإسرائيليين. والفريق الآخر غير قادر على الحكم مع وجود هذا السلاح. بدليل سقوط حكومة الوحدة الوطنية التي كانت تعمل ضمن منظومة اتفاق الدوحة، فلا اتفاق الدوحة حماها ولا المظلة الدولية تمكنت من مساعدتها. وعلى الارض، تفجيرات واغتيالات، وإضعاف لدور الدولة، كما جرى بين وزيري الداخلية والاتصالات وقوى الامن الداخلي. واستهداف القوات الدولية من خلال تفجير إحدى دوريات القوة الإيطالية وما استتبعها من موقف إيطالي سريع قضى بتخفيف عدد جنود هذه الوحدة. بالاضافة الى كشف شبكات اسرائيلية في كل المناطق، خصوصا في الجنوب، اخرها في مدينة صور الجنوبية، المتمثلة في الشيخ محمد الحسيني الذي كان يهيئ نفسه لأن يكون في صفوف المقاومة. بالاضافة الى العميد فايز كرم الذي كان كاتم سر العماد ميشال عون، احد اهم القوى السياسية المسيحية المتحالفة مع حزب الله.

هل هذا كاف للقول إن اوجه التشابه متماثلة بين الواقع الراهن وتلك التي سبقت اجتياح عام 1982؟ طبعا لا، لكن في المشهد السياسي اللبناني والاقليمي ثمة ما يشير الى عناصر تعزز هذه النظرية.

يقول حزب الله إنه حقق نصرا في المواجهة مع اسرائيل عام 2006، وهذا النصر لا يمكن ان يكون حقيقيا اذا لم تتم المحافظة عليه، وهذا مفهوم بالبعد الاستراتيجي. لذلك فإن حزب الله عمل على تطوير قدراته العسكرية الصاروخية وعزز قدرة عناصره القتالية. ومن الطبيعي ان يكون حزب الله قد عمد إلى إدخال عوامل جديدة لتفعيل قدرة المواجهة، من مثال نوعية الاسلحة المضادة في البر والبحر والجو.

وما نقوله هو ما ذكره السيد حسن نصر الله الذي ذهب ابعد من ذلك عندما قال إن الاوامر في أي مواجــــهة مقبـــــلة ستكون الطلب الى المقاتلين بالدخول الى الجليل. كما أن حزب الله يعتبر أن أي قرار اتهامي في المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري ســــيكون بمثابة إعلان حرب عليه. كما أن حزب الله يعتبر أن اسرائيل اغتــــالت قائده العسكري عماد مغنية ووعد بالانتقام لهـــذا الاغتـــيال، ولم يحقق هذا الوعد لغاية الآن. لذلك، فإن حزب الله قد لا يتردد في المسارعة الى الاشتباك مع اسرائيل، بغض النظر عن الاعــــذار، لانه بات جاهزا للمواجهة ويدرك تمام الإدراك أن أي نتيجة ستعزز دوره السياسي والإقليمي في لبنان وعلى الساحتين الاقليمية والإسلامية.

اما ما ينقص حزب الله في هذه التحضيرات فهو أن الساحة الداخلية ليست متينة وصلبة كما كانت في عام 2006، وهي نقطة ضعف يجب عدم إسقاطها من الحساب مهما بلغت قدرات الحزب وامكاناته العسكرية.

في المقابل، ليس سرا أن القيادة العسكرية الإسرائيلية التي يقلقها وجود حزب الله على حدودها الشمالية، وإيران في العمق الأبعد، وسورية على حدود الجولان، تدرس كل الاحتمالات. وفي كل مناورات القيادة العسكرية الإسرائيلية، كانت المناورات تنفذ على اعتبار ان اسرائيل ستتعرض الى هجوم ثلاثي الأبعاد: حزب الله وسورية وإيران.

وفي المعالجات التي تعاملت معها المناورات العسكرية الإسرائيلية، لا سيما تلك التي شاركت بها القوات الامريكية: استخدام الاقنعة الواقية من الغـــــاز. لجوء كل المقيمين الى الملاجئ. القبة الصاروخية. نقل المعركة الى ارض ‘العدو’. وكان لافتا استخدام الاقنعة الواقية من الغــــاز في المناورات بالنظر الى ان الاطراف الثلاثة لا تملك هذه النوعيــــة من السلاح، وإن كانت تمتلكها فهي غير قادرة على استخدامها لأنها لا تملك الوقاية منها.

وهذا ما دفع بالخبراء الى الاستنتاج بأن اسرائيل هي من سيلجأ الى استخدام الغاز في أي معركة مقبلة، خصوصا إذا كانت ثلاثية. ويقول الخبراء الاستراتيجيون في العاصمة البريطانية إن القلق الإسرائيلي من بقاء قوى عسكرية تناصب اسرائيل العداء لا يمكن التعايش معه او الاستمرار في قبوله، لا سيما اذا تم وضع الآليات والمعالجات اللازمة للمواجهة. وفي نظر هؤلاء الخبراء، أن القلق الإسرائيلي امتد الى الجانب المصري بعد الثورة الاخيرة وظهور مؤشرات معادية للتعاطي مع إسرائيل، ليس اقلها فتح معبر رفح ووقف ضخ الغاز المصري والمظاهرات المتلاحقة امام السفارة الاسرائيلية في القاهرة.

وتبعا لذلك فإن اسرائيل لن تنتظر حتى تركز الثورة المصرية اقدامها ثم تلتفت اليها لتعكير صفو العلاقات ووضع اتفاقية كامب ديفيد على مشرحة التفاوض المستجد والاستناد الى قاعدة شعبية مصرية واخرى عربية.

وطالما ان الولايات المتحدة تقف إلى جانب اسرائيل في موقفها الداعي الى الاعتراف بيهودية الدولة ورفض إقامة دولة فلسطينية، فإن اسرائيل في المقابل يمكنها تحويل انظار الفلسطينيين والعرب من التوجه الى الامم المتحدة لاقامة دولة فلسطينية، الى البحث في نتائج اي مواجهة عسكرية مقبلة تعمل اسرائيل على ان تكون يدها هي الطولى فيها. أما بالنسبة الى سورية وإيران، فإن المصلحة إيضا ان تنخرطا في المواجهة المقبلة لضرورات داخلية واستراتيجية ومستقبلية.

قد يقول قائل إن هذه السيناريوهات تخرج عن إطار البعد الاستراتيجي لكل من الدول المشار إليها. غير أن المصالح الاستراتيجية تتفق مع الأبعاد وهو ما يؤسس لأي حرب. فاشتراك سورية في مثل هذه المواجهة يعطي القيادة متنفسا من الشأن الداخلي ويدفع الجميع الى الوقوف وراء القيادة. فالشعب السوري لم يتخلف يوما عن دعم المقاومة ولا يقبل ان يكون عقبة امام أي مواجهة. أما الاصلاحات فقد تأتي بعد المواجهة متناسقة مع التغيير وفق النتائج.

وكذلك الامر بالنسبة الى ايران التي تعتبر أن اي مشاركة لها في أي مواجهة مقبلة هي تأكيد التزام بالمواثيق والعهود مع كل من حزب الله وسورية ومع الاهداف الاساسية لمبادئ الثورة الإيرانية، وحماية غير مباشرة للواقع النووي.

هذه العناصر المشار اليها قد تشكل ملامح المواجهة، غير أن التقاطعات الدولية والإقليمية تبتعد او تقترب مع هذه الرؤى حسب الدور والموقع، وليس المكان ولا المساحة تسمح بمزيد من السرد. وثمة من يقول إن هذه الرؤية تشير الى ان المواجهة باتت قاب قوسين او أدنى. المتابع للتطورات يرى أن شهر حزيران/ يونيو محفور عميقا في الذاكرة العربية، فهل يكون هو الزمان في ظل التحركات الجارية من تحرك اسطول باتجاه غزة أو بالتزامن مع صدور القرار الاتهامي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، او بفعل التجمعات الشبابية على الحدود مع فلسطين أو لأي عذر تتفتق عنه عقلية العاملين في الشؤون العسكرية؟ قابل الايام قريب، وشهر حزيران/يونيو بدأ.’ اعلامي لبناني مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية