أجرى الحوار: عثمان بوشوك كل الذين تابعوا الربيع العربي عبر شاشات الفضائيات سيتذكرون اسمه طويلا أحمد بجاتو، الصحافي المصري الذي نقل عبر قناة العربية أولا بأول أحداث ساحة التحرير بالقاهرة، وكان أول صحافي يغطي الأحداث في ليبيا وبداية الثورة من داخل خطوط النار في الجبهة الشرقية، حتى صار الليبيون يهتفون بشعار: أحمد بجاتو عقد العقيد في حياتو، يجيب في هذا الحوار عن حقيقة التغطية الإعلامية ومشاهداته من داخل مواقع الأحداث في تجربة يقول عنها انها لن تتكرر.* يصعب أن نجد بداية خط الحوار معكم، الموضوع الليبي الذي تغطي أحداثه مهم، لكن أود أن نبدأ من تاريخ 25 يناير بساحة التحرير بالقاهرة، كيف عشت هذه الأيام المثيرة في تاريخ الشعب المصري أولا كشاهد وثانيا كصحافي؟*’أعتقد أن ثورة 25 يناير في مصر كانت مفاجأة للجميع انا كمشاهد ومواطن عادي لم أكن أتوقع أن يكون ما حدث شرارة ثورة، وأيضا كإعلامي وحتى وأنا أغطي الأحداث في بدايتها لم أكن أتوقع أن تكون النهاية بهذه الثورة الرائعة التي أشاد بها العالم بأسره، وحتى إن قيل ان ما سبقها من أحداث كمقتل الشاب خالد سعيد كان إشارة للبعض بقيام الثورة فاني لا أعتقد ذلك، فقد سبقت الثورة أحداث أكثر ضخامة وأكثر فجيعة وصدمة للمصريين، كمقتل أكثر من ألف مصري دفعة واحدة في العبارة السلام 98 وتستر المسؤولين ومساعدتهم لمالكها في الهروب خارج البلاد ومع ذلك، لم تحدث ثورة على الرغم من بشاعة ما حدث، لكن ما ساعد على قيام هذه الثورة في رأيي هو ما سبقها من الثورة التونسية والتصرفات الغبية والعنيفة من المسؤولين المصريين والتخبط الذي جعل آلافا من المصريين في بداية الثورة يسقطون نظاما لم يكن أحد يتوقع سقوطه بهذه الطريقة السريعة، لكن يبدو أنه كان هشا أكثر مما توقع أحد’.* معلوماتي تقول إنك صديق مقرب جدا من ناشطي حركة 25 يناير، أريدك أن تحدث القراء عما لم يروه عبر شاشة التلفزيون وأنت الذي عشت وسط ميدان التحرير خمسة عشر يوما ليلا ونهارا؟*’من الممكن ان يكون ذلك صحيحا بحكم أنني كنت ملازما للميدان طوال أيام الثورة منذ ساعات الصباح وحتى بعد منتصف الليل يوميا، لذا فقد وجدني ناشطو الثورة وغيرهم قريبا منهم أنقل واقعهم الذي غيبه التلفزيون الرسمي الحكومي أو تغافل عنه قصدا.. وهنا يجب أن أوضح أن من بدأ هذه الثورة ليسوا المحتاجين ولكن من بدأها كانوا أشخاصا لا يعانون من جوع أو فقر في أغلبهم، لذا فيمكن القول ان الثورة المصرية لم تكن ثورة جوع وفقر، لكنها ثورة كرامة قبل أي شيء، حتى ان كان الفقر أحد أسبابها، فمن قاموا بالخروج كانوا معترضين على التعذيب في مخافر الشرطة وغياب الحرية والفساد الذي استشرى في البلد بصورة مخيفة، وهذا ما حدث في يوم الخامس والعشرين، لكن الأمن نجح في تفريقها وكان أبرز مطالبهم حينها هو اقالة وزير الداخلية حبيب العادلي فقط، وفي هذا اليوم اطلق الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع على المعتصمين في الميدان وبالفعل نجح في تفريقهم، وكنت أحد الذين استنشقوا هذه الغازات التي أثرت علي كوني أعاني من الحساسية، لكن الثوار أصروا على اعادة الكرة يوم الثامن والعشرين واستعدوا لذلك، وقام الأمن هو الآخر بالاستعداد وكان هذا اليوم هو اكثر عنفا، حيث دهست سيارات الشرطة المتظاهرين وقتل العشرات واستمر الأمر هكذا في كر وفر بين الأمن والمتظاهرين لساعات، حتى فوجئ الجميع بقرار نزول الجيش وفرض حظر التجول. وهنا في رأيي حدث التحول الجذري في الأمر وانسحبت الشرطة ووصلت الأمور إلى نقطة اللاعودة واعتصم الثوار في الميدان من دون أن يستطيع أحد الاقتراب منهم، وجاء بعدها قرار الرئيس باقالة الحكومة ليمتص غضب الشارع الذي طالما تجاهله هو ومسؤولوه، فقد كان يمكن للرئيس ان يحظى بالاشادة لو اقال وزير الداخلية فقط يوم الخامس والعشرين، لكن الشعب بعدها لم يقبل منه شيئا بعدها ولا حتى اقالة الحكومة بأكملها.
في الايام التالية اصبح الميدان دولة فيه مستشفيات ميدانية ولجان شعبية تقوم بتأمين الموجودين داخله وتفتيش القادمين إليه ومسارح ومنصات لالقاء الخطب الحماسية، إلى أن القى الرئيس خطابه المؤثر الذي تمت صياغته بحرفية عالية ليكون مؤثرا، وبالفعل تأثر الكثيرون وغادر البعض لاسيما بعد تأكيد الرئيس أنه لن يترشح مرة أخرى للانتخابات، وبدا واضحا رضى البعض بهذا، لكن بعدها بيوم حدثت الطامة الكبرى بعد أن قام مسؤولو الحزب الوطني بارسال البلطجية لاقتحام الميدان بالجمال والخيول وزجاجات المولوتوف، وهو ما سمي بالأربعاء الدامي أو موقعة الجمل، كما أطلق عليها البعض تندرا، وساعتها عاد الجميع للميدان ووضح جليا أن الثوار لن يتركوا الميدان حتى يرحل مبارك، وتعالى سقف المطالب مع الوقت ودائما كانت ردود فعل الرئيس المخلوع متأخرة وخاطئة حتى وصلت إلى محاكمته بل والمطالبة باعدامه’.* تعرضت وانت تؤدي واجبك المهني للاعتداء، مما استدعى دخولك المستشفى، وشاهدناك عبر قناة العربية في وضعية صحية حرجة، هل كنت مستهدفا شخصيا من النظام السابق أم قناة العربية؟*’كنا نعاني تضييقا كبيرا علينا أثناء العمل من قبل المسؤولين الرسميين اثناء تغطيتنا للثورة حتى أنه هوجم مكتبنا ما استدعى اغلاقه يومين خوفا من البلطجية الذين تم الزج بهم لمهاجمة المكتب، حتى أنا تعرضت لاعتداء وذلك بعد القاء الرئيس لخطابه المؤثر ونزول مؤيديه للشارع في اليوم الذي سموه يوم الوفاء، ولأني أعشق العمل الميداني طلبت من المحطة تغطية الحدث ووافقوا، وبالفعل قمت بالتصوير مع مؤيدي مبارك والتسجيل معهم إلا أنني وأثناء مغادرتي ميدان مصطفى محمود، الذي أقيمت به المظاهرة تمت مهاجمتي من قبل البعض وقاموا بضربي بوحشية وقاموا بتمزيق ملابسي وذهبت إلى المستشفى ومكثت يومين، لكني أصررت على الخروج والعودة للعمل، وبعد محاولات عديدة مع الادارة وافقوا على ذلك، لكن من دون النزول للميدان خوفا علي، لكنني لم أقاوم ونزلت للميدان مرة أخرى فهذا حدث لا يتكرر كثيرا في بلادنا العربية’.* تغطية قناة العربية للثورة المصرية أسالت الكثير من المداد والتعليقات، وقيل انها لم تكن موضوعية ونزيهة، بدليل حواركم في عز الغضب الشعبي مع أحمد عز واختيار القناة مؤخرا لبث شريط صوتي للرئيس السابق حسني مبارك كيف ترد؟*’أنا لست مهيئا لأقيم القناة التي أعمل بها أو أمدحها، لكننا بالفعل ومن وجهة نظر الكثيرين القناة الأكثر حيادية في عرض مختلف الآراء والأخبار والمتابع الجيد للقناة يدرك ذلك، وهو ما يميزنا عن الكثير من القنوات الاخبارية الأخرى التي تقتصر على الرأي الواحد، أما عن حديث أحمدعز وبث خطاب مبارك المسجل على العربية فهذا لا يعني أن القناة تتبنى وجهات نظرهم ولكنها تعرض لها فقط وهذا كما تعرف حيادا من جانبنا، فضلا عن انه سبق صحافي لو جاء لأي قناة لاستفادت منه مثلنا، ولكن المشكلة لدى البعض أنه جاء للعربية ولم يأت إليهم لذا ظهروا بالكثير من التأويلات المضحكة، لكن الأمر لا يعدو مجرد سبق صحافي، فالجميع كانوا يرغبون بسماع ما سيقوله الرئيس وأولهم كارهوه، وما حدث أن الأمر لم يكن في صالحه فبعدها بدقائق قام النائب العام بالتحقيق معه وتحويله للمحاكمة’.* أنت أول صحافي يدخل ليبيا كيف وجدت الأوضاع في بداية الثورة؟*’لا أعتقد أنني أول من دخل ليبيا ولكن هذا ما رسخ في اذهان الكثيرين ربما لأنني كنت قريبا من الناس وأريتهم ما لم يروه… كنت دائما في مواقع القصف والقتال، كنا السباقين دوما بالتغطية وباللقاءات الحصرية وهذا بشهادة الجميع، وهذا ما فوجئت به لكوني لا أقوم بتقييم نفسي لكن وبعد تقييمي لكل ما حدث في النهاية وجلوسي مع الكثيرين هذا ما وجدته.
في البداية وجدت صعوبة كبيرة في الدخول إلى ليبيا، لكن في النهاية وبعد محاولات عديدة قمت بالدخول مع قافلة طبية ببطاقتي الشخصية، وكانت فرحة عارمة لي، رغم انني دخلت بلدا لم أزره على الاطلاق ولم أكن أعرف عن ليبيا كثيرا، فالجميع عندما يذكر اسم ليبيا تأتي في ذهنه صورة القذافي وتصرفاته المضحكة، ولم أتخيل أن في ليبيا أشياء جميلة كالتي شاهدتها، ولا شعبا رائعا كريما مضيافا كالذي وجدته، وجدت بلدا بلا بنية تحتية معقولة تناسب انتاجه النفطي ولا حتى شبكة مواصلات جيدة ولا قطارات، الطريف أنني قمت بالقيادة حوالي أربعمئة كلم بعد دخولي لليبيا نظرا لأن السائق لم ينم منذ يومين وشاهدت في طريقي من الحدود وحتى بنغازي مناظر غاية في الروعة والجمال نجح القذافي في طمسها حتى لا يعرف عن ليبيا سوى اسمه وذكره’.* أنت أيضا أول من دخل سجون وقصور القذافي في المناطق التي سيطر عليها الثوار، نريد منك أن تنقل لنا مشاهداتك؟*’ما شاهدته رجلا أراد أن يستعبد وطنا كاملا وزج بشعبه في السجون وأراد أن يوقروه أكثر من توقيرهم لربهم وخوفهم منه فلا تجدعائلة إلا ولها قتيل أو معتقل في السجون، وهذا ما جعلنا ننزل إليها ليرى المشاهد ما كان يحدث في بلد لا أحد يعرف عنه سوى القذافي، بل انه ووفقا لرواية العشرات أكدوا أنه لكي تثبت اخلاصك لنظام القذافي يطلبون من الشخص أن يقوم بالقتل فان فعل صار واحدا منهم وإلا كان خائنا ويتم قتله.. كانت حياة مأساوية لشعب يستحق أفضل من ذلك بكثير. أما الثوار فسيطروا على كافة المدن والمناطق الشرقية بدءا بمنطقة مساعد وطبرق وانتهاء باجدابيا والبريقة وكانوا يأخذون في التقدم شيئا فشيئا، وكنا الأوائل في نقل كل هذا بشهادة الجميع’.* تنقلت بين بنغازي والمناطق التي يسيطر عليها الثوار ونقلت للعالم ما جرى في رأس لانوف، وكنت جريئا في الوصول لمناطق خطرة كيف هي الأوضاع على الأرض؟ وكيف تتصور مآل الثورة الليبية في ظل التطورات الأخيرة؟*’لا يوجد مكان في المنطقة الشرقية ومدنها لم اذهب إليه، بل وداخل بنغازي عرضنا اشياء لم يكن يعرفها أحد عن ليبيا، عن الأسر الذي تعيش في عشوائيات الصفيح وسط المجاري، نقلت للناس معاناة الاسر التي لا تجد قوت يومها في هذا البلد النفطي الكبير، أما مناطق المخاطرة فكنا الأسرع والأجرأ دوما في الذهاب إليها، وأذكر حادثة عندما ذهبنا إلى بلدة رأس لانوف لتغطية القتال بين الثوار وكتائب القذافي، وجدنا المدينة وقد تحولت لمدينة أشباح بعد أن غادرها ساكنوها بسبب استهداف الكتائب العشوائي للمدنيين ومنازلهم، وقمت بالدخول لأحد البيوت الذي يبدو أن أهله هربوا منه ولم يجدوا وقتا لغلق الابواب او اطفاء الأنوار، ولكن ما أثار استغرابي أنني وجدت التلفاز مفتوحا على قناة العربية، في ما يبدو أنهم كانوا يتابعون ما يحدث من خلالنا وهذا موقف أسعدني للغاية وأشعرني بأهمية ما أقوم بعمله، لذا لم أضع في ذهني على الاطلاق المخاطر التي كنت اتعرض لها بقدر اهتمامي بنقل الصورة والواقع إلى الناس. أما عن مآل الثورة الليبية.. فأنا متأكد أنها ستنجح لا محالة، رغم الهجمات الوحشية التي تقوم بها كتائب القذافي ومحاولة القذافي استمالة المواطنين بالمال، وحتى بعدما أثير عن محاولات لوقف اطلاق النار أو تنحي القذافي عن السلطة وتولي أحد أبنائه مكانه، كنت متأكدا أن الشعب الليبي لن يقبل بهذا على الاطلاق، لأنهم لن يأمنوا لكلام شخص على استعداد أن يسوي بلدا بالأرض حتى لو بقي فيه وحده، وما حدث من تقهقر أو تراجع للثوار في بعض المراحل كونهم لا يملكون السلاح الكافي ولشدة القذف الوحشي والعشوائي لقوات القذافي التي لا يضيرها أن تتبع سياسة الأرض المحروقة في القتال’.* في مثل هذه الأوضاع كثيرا ما يطرح السؤال داخل صالات التحرير حول حدود جرأة الصحافي. كنت على خط النار وعشت أوضاعا صعبة للغاية. هل على الصحافي أن يقبل بالمخاطرة بحياته لنقل الحقيقة للعالم؟*’من وجهة نظري أن الاعلام هو من أشرف المهن وأكثرها خطورة نظرا لتأثيرها الكبير على الشعوب، لذا فعلى الاعلامي أن يتحرى الصدق والحقيقة في ما يقول، أما عن المخاطرة فأنا أعشقها للغاية، لاسيما أنها تساعد في الوصول للحقيقة التي من المهم أن يعرفها الناس، ولكن الادارة في قناة العربية تضع سلامة المراسل فوق أي اعتبار، وهو ما حدث بالفعل معي، لكنني كنت أصر في كثير من الأحيان على الذهاب للاماكن الخطرة وهو ما جعلنا نحصل على الكثير من الحصريات، لكن هذا ما دفع الادارة لاخراجي من ليبيا خوفا على حياتي، لاسيما بعد الكثير من التهديدات التي تعرضت لها وما كان يثار في التلفزيون الليبي من اني دخلت ليبيا بجواز سفر اسرائيلي والشتائم التي كانت توجه لي في برامجه، لكن أكثر ما شكل ضغطا علي هو خوف والدتي وأهلي، حيث كان البكاء علامة مميزة لجميع اتصالاتي بهم، ولأني مرتبط جدا بأهلي كان هذا يمثل ضغطا كبيرا علي، وحمدت الله على انني لست متزوجا وإلا كانت الأمور أسوأ. لكن وبلا شك على الصحافي ألا يعرض نفسه لخطورة قد تؤثر على حياته، حيث أنه لو تعرض لمكروه لن يكون هناك خبر والخسارة ستكون أكبر، فعلى الصحافي أن يقيم الأمور جيدا قبل أن يقدم عليها.* أستاذ أحمد أعرف سرا صغيرا وهو أنك تكتب على هاتفك الجوال: أنا أحب ليبيا لماذا هذا الحب للشعب الليبي؟*’ليبيا هي البلد الاكثر قربا لقلبي، بالفعل أنا أكتب هذه العبارة على جوالي ولا أغيرها على الاطلاق من فرط حبي لهذا الشعب وهذا البلد ومن فرط خوفهم علي، أنا نفسي كنت استغرب من معرفة الجميع بي، الاطفال والكبار الرجال والنساء الجميع يريد أن يستضيفوني في بيوتهم حتى أنني عندما غادرت للمرة الأولى ليبيا حزنوا كثيرا وقالوا لي من سينقل معاناتنا وهذا اشعرني بضيق شديد، وبعض الأشخاص ودعوني بالدموع… وهذا ما جعلني أطلب من المحطة العودة مرة أخرى لليبيا، وهذا ما حدث بالفعل ولكن نظرا للتهديدات المستمرة عدت مرة أخرى مع حزن الكثير من الليبيين.. فماذا تنتظر مني أن أفعل مع شعب وبلد كهذا، كما أنه كان سببا في تعرف الناس علي… فأنا أحب ليبيا وسأظل كذلك أبدا ما حييت’.*سؤال أخير: هل ستظل في العربية أم ستغادرها في تجربة أخرى؟*’قناة العربية هي القناة التي أولتني رعايتها والاحترام يسود بيني وبين الادارة وزملائي كما أنني أحظى بتقدير كبير فيها، لذا فأنا لا أفكر في الوقت الراهن في تركها ولكن من يعلم… أسال الله أن يكتب لي الخير حيث كان وأينما ذهبت.