عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: حاول خمسة باحثين أردنيين قراءة الظاهرة العربية الجديدة، وهل هي ثورات أو انتفاضات، أو حراك شعبي، أم هي ‘شيء’ غير ذلك. وعلى الرغم من عدم التوصل إلى تعريف واضح لما يجري، إلا أن الجميع اتفقوا على أنها ‘ظاهرة يجب أن تخضع لقراءة جادة، من أجل حمايتها والدفاع عنها’. جاء ذلك في ندوة حوارية فكرية نظمتها لجنة الدراسات في رابطة الكتاب الأردنيين بعنوان ‘الفلسفة والثورة’، ناقشت واقع الثورات العربية الراهنة وفلسفتها، بمشاركة الدكتور هشام غصيب، والكاتب احمد جرادات، والدكتور محمد الشياب، والكاتب موفق محادين، والباحث عليان عليان، أكدوا فيها ‘أن الثورات التي يشهدها الوطن العربي نتيجة حتمية لواقع الظلم والاستبداد وتفشي الامبريالية الأمريكية’، كما تطرقوا إلى التجربتين التونسية والمصرية، ولما يجري من ثورات في ليبيا واليمن وسورية، ‘شارحين / قارئين’ دور قوى الشد العكسي والثورات المضادة لثورة الشعوب العربية من اجل حريتها وتحررها.
د.
غصيب: 2011 أول ثورة شعبية في تاريخنا الطويلمن جهته شخـّص الباحث الدكتور هشام غصيب الأحداث الراهنة في الوطن العربي في أربع نقاط رئيسية، أولها: ‘من الواضح أن الخطاب النيوليبرالي العولمي الذي ساد في العشرين عاما الأخيرة انفضح تماما بصورة جلية، وإذا كان هذا الخطاب يقوم منذ عام 1989 على فكرة نهاية الثورة ونهاية التاريخ، ونهاية أزمان الرأسمالية، وأظن أن أصحاب هذا الخطاب تملكوا العالم والتاريخ، فإذا بأكبر أزمة اقتصادية في التاريخ تعصف بهم منذ عام 2008، وإذا بثورات غير مسبوقة في التاريخ العربي تندلع في وجوههم’. ثانيا: إن الثورة العربية التي اندلعت عام 2011، هي أول ثورة شعبية في تاريخنا الطويل، لقد جربنا حركات تحرر وأنظمة تنموية متعددة ولكنها كانت نخبوية ولم تصل إلى الجماهير بالفعل، فهذه أول مرة تعترك الجماهير بملايينها من اجل التغيير ومن اجل مستقبل أفضل. لقد كنا نعيب على امتنا أنها الأمة الوحيدة التي لم تقم ثورتها الشعبية، وكنا نقول أن أمما كالأمة الإيرانية أو الصينية حققت ثورة، وكنا نعزو تخلفنا إلى هذه الظاهرة، وإذا بالتاريخ يفاجئنا بثورات عربية شعبية غير مسبوقة.
ثالثا: ينبغي أن نربط الثورة العربية الراهنة بالأزمة الاقتصادية التي ضربت الرأسمالية في الأعوام الثلاثة الماضية، فالثورات عادة تصاحب الأزمات الاقتصادية والعسكرية، وأعتقد أن المحرك الأساسي للثورة العربية الراهنة هو الأزمة الرأسمالية العالمية، وأزمة العسكرتاريا الأمريكية، ويذكرنا ذلك بالثورة الروسية.
رابعا: إذا أردنا أن نفهم الثورة التونسية والثورة المصرية – على الأقل – فعلينا أن نلجأ إلى التحليل الطبقي، وعلينا أن نسأل أنفسنا عن الطبيعة الطبقية للثورة الشعبية في هذين القطرين، ومن الواضح أن الثورة الشعبية فيهما بدأت بورجوازية من حيث المطالب والسقف، ولكن السؤال هو: هل ستبقى كذلك؟ وبالطبع القول ان هذه الثورة ما زالت برجوازية الطابع لا يعني البتة أن البرجوازية هي التي قامت بهذه الثورة، فالبورجوازية العربية فقدت دورها التاريخي، وهي بورجوازية تابعة رثة مفرطة في الرجعية، فالذي حمل لواء الثورة هم شريحة من الشباب، وأولئك لا ينتمون إلى الطبقة الوسطى الهلامية، إنما يمثلون طبقة عمالة جديدة هي طبقة العمال الذهنيين.
واختتم غصيب بالقول ‘الثورات العربية عظيمة كونها أول ثورات جماهيرية عروبية’، معتبرا أن سبب تخلفنا العربي هو ‘عدم القيام بثورتنا العربية التي ستغير وجه التاريخ العربي والعالمي’. الكاتب احمد جرادات: قراءة لواقع الثورة المصريةوعمد الباحث احمد جرادات إلى تقديم قراءة لواقع الثورة المصرية، وأبعادها الاجتماعية والروحية والتكافلية، وإصرار الشعب المصري كله على تغيير النظام، واصفا الأحداث في ميدان التحرير -‘كونه عاين أجواءها بعد الإطاحة بنظام مبارك – مقدما رؤيته وتعريفه لثورة مصر وما رافقها مشيدا بتجربة شباب الثورة الذين استطاعوا إعادة مصر إلى ممارسة دورها في صناعة تاريخ الأمة، بعد أن كانت على هامش هذا التاريخ، واصفا قوة هذه الثورة في سلميتها، وفي كسر نمطيتها، باعتبارها ثورة الشعب كله، وليست ثورة النخب أو القوى الحزبية.
كما استعرض جرادات مفاصل الثورة المصرية التي اعتبرها رافدا لحاضر الأمة وإنقاذا لمنجزاتها، متعرضا لإرهاصات الثورة المصرية بتعبيرات المعتصمين ويافطاتهم التي كانت لها الدلالات البعيدة كما في شعار ‘ارحل يعني إمشي’، مذكرا بتاريخ اندلاع شرارة الثورة المصرية ( 25 كانون الثاني / يناير) بوصفه تاريخاً يعني الكثير في الروزنامة المصرية المعاصرة، سواء على تاريخ الأحداث التي لفتت الشارع المصري إلى حياته التي كان لا بد أن يثور عليها أم على صعيد أحداث ظلت راسخة في الذاكرة من مواجهات بين المصريين والإنكليز.
واختتم جرادات مداخلته بعرض لمشاهد من الشارع المصري تؤكد رؤيته لهذه الثورة ودورها المستقبلي في تحديد مسار الأحداث في الوطن العربي.
د.
محمد الشياب: ‘مفهوم الثورة’ويذهب الدكتور محمد الشياب في ورقته المعنونة ‘مفهوم الثورة’ إلى القول: ‘ان النصف الثاني من القرن العشرين شهد أحداثاً تاريخية عاصفة في مجرى النضال القومي والديمقراطي العربي العام، كان محورها الأساسي الاستيلاء على السلطة في الأقطار العربية، وتتالت تلك الأحداث ضمن سياق واحد وشامل هدفه تصفية الاستعمار’. ويقر الشياب بـ ‘ان الصراع الطبقي هو الأساس الذي تقوم عليه هذه الثورات التي هي حصيلة تاريخية للصراع الطبقي، وهي تسعى إلى تغيير الشرعية القائمة، من خلال قدرتها على تغيير السمات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات، فالثورات الراهنة تستهدف عروبة جديدة وقد حسمت نفسها في مواجهة المشاريع الأميركية القائمة، فهذه الثورات تسعى في حقيقة الأمر إلى إحداث تغيير أيضا، واضعة الديمقراطية جوابا رئيسياً لأسئلة الراهن العربي’. وينوه الشياب ‘إلى وقوع تطورات كبيرة ومتنوعة ذات طبيعة متباينة في هذا السياق، تتراوح بين ما يمكن أن نطلق عليه وصف ثورات حقيقية بالمعنى العلمي للكلمة وبين ما ينبغي أن يوصف بتغيرات فوقية في قمة نظام الحكم وقشرته الخارجية’، والتي لم تسفر وفق قوله عن ‘تحول جوهري في السياسة العامة للسلطة ونمط العلاقات الاقتصادية الاجتماعية’، لافتا إلى ‘التغيرات الفوقية التي اتخذت شكل انقلاب عسكري عـُلوي في الغالب، حيثُ بادرت مجموعة من الضباط العسكريين استخدمت القوات المسلحة أداة فعالة لفرض هيمنة الفئة الحاكمة الجديدة، في منأى عن جماهير الشعب الواسعة’. وينبه الشياب إلى ‘ضرورة الإشارة إلى أنَّ دور القوات المسلحة في مجرى الأحداث السياسية في الأقطار العربية لم ينحصر في هذا الإطار والهدف، بل اتخَذ أبعاداً أفضت إلى تغيُّراتٍ جوهريةٍ في البنى الاقتصادية – الاجتماعية والحياة السياسية مثل ثورة تموز ( يوليو) 1952 في مصر، خصوصا أنَّ هناك ما يمكن تسميته ( الحركة الإصلاحية) التي قبلت بقاء نظام الحكم، وبقاء الأسس للأوضاع القائمة، ورفض تفاصيلها، بينما الثورة رفض لوضع وانفتاح على نقيضه’. موفق محادين: حراك توق الشعب إلى الحرية وتوقف الباحث والكاتب الصحافي موفق محادين عند ‘تشابك المصالح والدوافع والمسارات التي يشهدها الشارع العربي، فالحراك الشعبي حراك حقيقي ضد الفساد وسطوة الأمن على الحياة السياسية والمدنية كما يعكس توق الشعب إلى الحرية والديمقراطية، ولا ينفي ذلك وجود مؤامرة خارجية أمريكية صهيونية لتمزيق الشرق العربي إلى كنتونات متناحرة، أما طبيعة الحراك الشعبي نفسه فهي اقرب إلى الثورات الدستورية المتأخرة المماثلة لما شهدته تركيا وإيران أواخر القرن التاسع عشر، مما يحيل هذه الثورات إلى عاملين متناقضين متداخلين طابعهما ديمقراطي دستوري المشروع والمطلب، ومن جهة أخرى رائحة الصفقات والتجاذبات الدولية والإقليمية تتقاطع مع مصالح بين الموجة الإسلامية وبين القوى الدولية المتحسبة من قلب العالم الجديد ( هارت لاند)، والذي تمثله الصين ومجموعة شنغهاي، أو ما يعرف بطريق الحرير الجديد وبالتالي الحاجة الأمريكية الأوروبية إلى تطويق هذا القلب’. وفي الوقت الذي يحذر فيه الباحث محادين من ‘المؤامرة التي تتعرض لها سورية وليبيا من قوى أجنبية وإقليمية معادية’، إلا أنه في الوقت ذاته يدين ‘سياسة القتل والاغتيال التي يمارسها النظام السوري ضد المطالبين بالحرية والإصلاح’، مبينا ‘أن ما يجري في سورية جرائم بحق الإنسانية لا يمكن بأي حال من الأحوال مقابلتها بالصمت العربي المريع الذي يخيّم على ربوع بلدانه، مؤكدا على أن التعامل الشعبي تجاه السوريين يجب أن يكون بوتيرة مرتفعة وإيجابية عالية’. كما قدم محادين مقاربة سياسية وفكرية لما يجري في الشوارع العربية، معتبرا ‘أن ما يجري يسهم في خدمة الإسلام السياسي، وهو خليط بين البرجوازية والديمقراطية، خصوصا وأن العرب لم ينجزوا مجتمعهم المدني بعد’، مشيرا إلى ‘حجم التعقيد الذي تتميز به هذه الثورات بسبب حجم التدخلات فيها’. عليان: دور المثقف في الحراك الشعبي العربي من جهته بين الباحث عليان عليان في ورقته المعنونة ‘أسئلة حول دور المثقف في الحراك الشعبي العربي’، أن ‘الحراك الشعبي العربي غير معزول عن انجازات المثقفين الوطنيين والمبدعين العرب، تلك الانجازات التي كانت بمثابة الخميرة لهذا الحراك، ناهيك عن أن الشباب العربي الذي فجر الثورات هو شباب مثقف بالبعدين الفكري والبرنامجي، شباب استوعب روح العصر ومعطياته ووظف المعطيات لصالح عملية التغيير’. ويعتقد عليان أن ‘الحديث عن دور المثقف في الحراك الشعبي العربي لا ينصب في هذه الندوة على العلاقة أو الانتماء إلى هذه المدرسة أو تلك من المدارس الفكرية سواء كانت مدرسة حداثة تعتمد الرؤية الديكارتية أو المدرسة الماركسية التي تعتمد الصراع الطبقي واستخدام الفكر للدفاع عن مصلحة طبقة اجتماعية أو تحالف طبقي، أو مدرسة ما بعد الحداثة التي تشدد على أن المثقف هو أسير هواجسه السلطوية وان مهمة الفكر تفكيك وإظهار التناقضات الداخلية والهاجس السياسي للمثقف’. ويعترف الباحث عليان بأن ‘الثورات العربية الراهنة لم تستند إلى أدبيات سابقة، كما هو الحال مع الثورة الفرنسية أو الروسية على سبيل المثال، بل هي ثورات تسعى إلى تكريس أدبياتها الخاصة’، طارحا مجموعة من الأسئلة التي تتعلق بدور المثقف العربي وعلاقته بالحراك الشعبي، دون أن يقدم إجابات لها، تاركا ذلك الدور للجمهور أو للمشاركين فيها.
وميز عليان عليان بين ‘مثقف الكومبرادور’ الذي يسوق لثقافة النيوليبرالية، و’مثقف السلطة’ الذي ينظر لأخطائها وخطاياها، ويُبرِّرُ استبدادها ويزوق تبعيتها للمركز الامبريالي طمعاً في ارتزاق وموقع وظيفي / موضحا أن ما اصطلح على تسميته بـ ‘المثقف المحايد التوفيقي’ الذي يهرب من المواجهة ‘خشية دفع الأثمان’، والمثقف الوطني القومي الإنساني غير القطري، الذي يجسد العلاقة بين الخاص الوطني والعام القومي وبين الخاص القومي والعام الإنساني الأممي، ويُبدي استعداداً لدفع الأثمان من أجل أن يكون للثقافة دورها المسؤول.’