رجال خارج التغطية

حجم الخط
0

أيمن خالد

الظواهر الفلكية الغريبة عادة تحدث في المجتمعات التي تسير فيها الحياة بشكلها غير النمطي المعهود عند بقية الأمم، فالزعيم الخالد، الذي تموت الأمة بدونه، ولا تستمر الحياة إلا بوجوده، الملهم، الفرد، عندما يكون هذا الرجل موجوداً تصبح الظواهر الفلكية الغريبة أمرا طبيعياً عليك أن تصدقها وتصدقه فقط دون سواه.

لذلك، يمكنك أن تمشي في بعض العواصم العربية، وتشاهد كل ألوان الحضارة الحديثة، وكل ما يدلك على أنك فعلاً تعيش في القرن الواحد والعشرين، من السيارات الحديثة، إلى مختلف أنواع التكنولوجيا، وعندما تنتقل إلى داخل المؤسسات الرسمية، والصحف والمطبوعات يصيبك الذهول، فالصحف اليومية تاريخها يعود للقرن الماضي، وحديث السياسة أيضا لا ينتمي إلى العصر الحالي مطلقاً، ولا حتى نشرات الأخبار، ولا أي شيء من ذلك، فالصحف اليومية تتحدث عن استعمار الجزائر، وربما تجد من يكتب عن العدوان الثلاثي على مصر، أو يتحدث عن حملة نابليون، ولكن أيا من هذه المادة الإعلامية لا تتحدث أبداً عما يجري اليوم، وإذا شئت سألت الناس، فأجابوك بأعين يملؤها الشك والحيرة، وتحاول هنا أن تتخيل أنك تشاهد فيلما سينمائيا حول الانتقال عبر الزمن، ولكن الأمر غير ذلك، فعليك أن تصدق أن ما تراه هو حقيقي، وأنك تعيش فعلاً، في الزمن والتوقيت الذي اختاره لك أهل السياسة في تلك البلدان.

بالطبع هذا يحدث، وهذا يصبح أمراً واقعياً، لأن هناك رجالاً خارج التغطية، هم طبقة أو مجموعة كبيرة من أصحاب العقول، وأغلبهم متخصصون، ولهم مكانتهم العلمية والاجتماعية، وهؤلاء مادة الإقناع لك، وليس الناس البسطاء العاديين، الذين تشعر بأنه لا فرق بينك وبينهم.

هم مفكرون، متخصصون في مجالات شتى، من المنابر الدينية، حتى غرف الفن والثقافة، ووظيفة هؤلاء القوم أن يقدموا أنفسهم طلائع المرشدين للأمة التائهة التي جل همها أن تتحرر، بينما جل هم هؤلاء الذين هم خارج التغطية، أن يقنعوا الناس أنهم يسيرون على كوكب مختلف، وينتمون إلى زمن غير حقيقي. فربما تحدث نهاية للكون، وربما تقع حرب عالمية، وربما تعود الأمة إلى القرون الوسطى، وباختصار شديد، وظيفة المفكرين في الأنظمة أن يقنعوا هذه الأمة بأنها عقيمة، وهنا بالضبط، تجد الفرق بين النخب في الدول المتقدمة، والنخب العربية، التي تعتبر نفسها أفضل حال الأمة، ولا يمكن أبداً أن تقر للأمة أو شبابها بفضل. وبالتالي وظيفة المثقف العربي، ودوره مع الأسف هو ممارسة وفـــرض لغة الجهل على الأمة الحية.

الهاتف الجوال عندما تدخل به إلى نفق أو أي مكان تنعدم فيه الاتصالات، يتوقف عن أداء دوره، ويصبح خارج التغطية، وهي تماما حال النخب التي تدخل قصور الزعماء المظلمة، من الطبيعي أن لا تعرف ماذا يجري في الشارع، ومن الطبيعي أن تعاديه، وتقاتله أيضاً. وحتى نخرج من قصة الظواهر الفلكية العجيبة في بلاد العرب أوطاني، نريد حكومات في بيــــــوت من زجاج، يراها الناس وتراه، لأن ما وراء الأسوار عالم من الظلمات.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية