بعَيْنين يهوديتين!

حجم الخط
0

خيري منصور

شاءت المصادفة وربما ما هو أبعد منها ان التقي الاستاذ محمد حسنين هيكل في مكتبه ذات صباح وكان ما صرّح به بورغ لا يزال طازجا حول اصراره على ان اسرائيل هي جريمة، وبمعنى آخر هي خطأ تاريخي يستوجب اعتذارا كونيا على حد تعبير المؤرخ ارنولد توينبي بعد أول زيارة قام بها الى فلسطين. لم أكن متحمسا لما قاله بورغ، مما استدعى حوارا حول اسماء من طراز شاحاك وغروسمان وأفنيري ويائيل ديان ابنة الجنرال موشيه ديان وشلومو رايخ وآخرين، ورغم الشعور المؤقت بالانتشاء من أية آراء يهودية مضادة للصهيونية كفلسفة وحركة الا ان ما يعقب هذا الانتشاء الذي يضمد نرجسية قومية جريحة هو سؤال من صميم التاريخ يتنحى امامه القلب بكل ما يرشح منه ليتولى العقل في ذروة الوعي الاجابة، وما قلته للاستاذ هيكل في ذلك الصباح فاجأه الى حدّ ما وهو ان الصهيونية اذا افرزت نقيضها العضوي من صلبها، أكون انا العربي وبالتحديد الفلسطيني عرضة للطرد من التاريخ بعد النزوح من الجغرافيا لأن الصراع وشحنته سيهاجران من صعيد الى آخر، ويصبح هذا الصراع متجليا بين صهيونية معتدلة وأخرى متطرفة. وحين عدت مرة أخرى لمراجعة ما كتبه شاحاك وبورغ ورايخ وآخرون عثرت مصادفة ودونما قصد على كتابات لراشيل مزراحي، ترجمها عن الفرنسية الكاتب والناقد محمد علي اليوسفي في مجلة ‘الكرمل’ … وكان عليّ ان اعترف بعد قراءة ما كتبته مزراحي بأن الأهم من التصريحات السياسية والمواقف الايديولوجية وحتى الاطروحات الاكاديمية للمؤرخين الجدد هو ما يصدر عن الوجدان، وكانت نصوص مزراحي من صميم هذا الوجدان بامتيازين اولهما اصرارها على ان تعود فلسطين ان عادت مجرد سائحة وثانيهما تبرئة الذات من تلك الجريمة التاريخية التي سعى مقترفوها لابادة شعب من اجل حلول آخرين مكانه. وبخلاف ما كتبه يزهار سملانسكي في رواية قصيرة بعنوان ‘خربة خزعة’، فإن مزراحي لم تفتضح كلماتها او حتى اسلوبها في الكتابة ازدواجية في الذاكرة حيث المراوحة بين الشعور بالاثم والشعور بالنجاة بسبب ما أدى اليه هذا الإثم. * * * * * * * * قدمت مزراحي لشهاداتها بعبارة تنسب الى حكيم مجهول من شمال تل ابيب هي: ‘مهما قيل لا يوجد افضل من هذه البلاد لتجفيف العسل!’ ثم تذكر القارىء منذ السطر الأول بعبارة شهيرة لشيلر عن البصلة التي تقشر ثم تتلاشى، او بما وصف به طومسون المستشرق الكولونيالي العقل العربي اثناء اقامته في بيروت لفترة من الزمن، فقد قال ان هذا الدماغ اشبه بثمرة الصّبير التي ما ان تنقى من بذورها حتى تتلاشى، لكن بصلة مزراحي ليست كذلك على الأقل من حيث توظيف المثال، ما تقدمه مزراحي مشاهد يتقاطع فيها السرد القصصي المكثف والمقطر في كلمات قليلة مع زفير اخلاقي ممهور بشهوة الاعتراف والاعتذار معا… ففي احد المشاهد يسأل شاب يهودي اسمه تامار فتاة ركبت معه في سيارته على طريقة الاوتوستوب: ماذا تفعلين؟ فأجابت بأنها تدرس تاريخ الشعب اليهودي، فقال لها الشاب: لماذا تضيعين وقتك فأنا ألخّص لك هذا التاريخ في ثلاث كلمات هي: قرف وازعاجات متواصلة؟

وفي مشهد آخر يختزل المسألة كلها، ويدحض السردية الوطنية الملفقة للدولة العبرية، رجل عجوز وحفيده يمشيان في شوارع تل ابيب.. فيسأل الحفيد جدّه: مَن عبّد هذا الطريق؟ ويجيب الجدّ: أنا بيديّ هاتين عندما كنت شابا. ثم يسأله: من بنى هذا البيت؟ فيجيب الجد بالعبارة ذاتها وهي انه بناه بيديه، حتى المرفأ لا يتردد الجد في ادعاء بنائه. واخيرا يقول الحفيد ما هو اعمق مما قاله الطفل البليغ عن الامبراطور العاري الذي كان الناس يتغزلون بثيابه الانيقة في قصة اندرسون الشهيرة: اذن انت يا جدي كنت عربيا في شبابك ثم اصبحت يهوديا!

وفي مشهد قصير جدا يشبه كبسولة قابلة للانفجار.. يسأل أحد اليهود الآخر: هل سمعت آخر طرفة؟ فيجيبه صاحبه: الوضع في منتهى الخطورة. حتى العرب يغادرون البلاد!

اما ذروة المشاهد كلّها، فهو هذا الحوار الذي يتطلب عدة قراءات متعاقبة، أفقية وعمودية.. فثمة حافلة تمر في الطريق، يستوقفها شرطي من اجل التفتيش، وحين يصعد الشرطي يتفحص جميع الركاب بنظرة ثم يشير بسبابته الى احدهم ويقول: انت، انزل. وينزل الراكب ويفتشه الشرطي وحين يستغرب السائق ما يرى ويسأل الشرطي: كيف عرفت انه عربي؟ فيجيب الشرطي: عرفته من عينيه اليهوديتين! في هذا الحوار القصير نضطّر الى استحضار ما كتبه اسحق دويتشر في كتابه ‘اليهودي اللايهودي’، وما قاله احد الكتّاب اليهود الشرقيين ان هناك يهود اليهود، فقد بدأ اليهود ينتجون يهودهم، بدءا من اليهود السفارديم والفلاشا، واليهود الغربيون المتفوقون في كل المجالات وفق تراتبية عرقية لا دينية هم الاشكيناز، حيث لا بد لهم من انتاج يهود آخرين كي يكونوا يهودهم هذه المرة، بخلاف أدبيات وثقافة الدياسبورا.* * * * * * * *لا يداني ما كتبته مزراحي من هواجس ومشاهد ومن ثم تبرئة الذات من دم الآخر الا ما انهى به شلومو رايخ احدى مقالاته عندما قال ان قدر اسرائيل ان تعدو من نصر الى نصر باتجاه هزيمتها، وبذلك اجترح حاسوبا آخر ورياضيات اسبارطية مضادة، بحيث تكون الهزيمة هي حاصل جمع جملة من الانتصارات! لكن مزراحي ذهبت الى ما هو أبعد، فحوّلت القراءة الكلاسيكية للاحتلال الى استقراء سايكولوجي مزدوج يشمل الجلاد والضحية معا، فاليهودي كما تراه بعد ان احتل واستوطن بالقوة ارضا ليست له لم يعد يهوديا، بل تقمّص جلاديه وبدأ بمحاكاتهم، وربما تجاوزهم في بعض الاحيان، اما الضحية فهي اولا ليست خرساء بل لها بلاغتها الآسرة خصوصا وانها تلقحت بمصل من نخاعها ضد الاصابة بجرثومة الجلاد، لهذا فهي ضحية نبيلة، أعلنت العصيان على تعاليم جلاديها وقررت ان لا تكرره في التاريخ، لأنه كرر جلاديه بطبعات عبرية بالغة القسوة!

اعترف بأن الكاتبة راشيل مزراحي زحزحت تلك القناعة التي كانت لديّ حول الطرد من التاريخ بعد النزوح من الجغرافيا، فالخطأ التاريخي كما قال توينبي عن صناعة اسرائيل واستيلادها بالانبوب الكولونيالي لا بد من ان يصحح ذات يوم، ذلك ببساطة لأن الاسطورة لا تعترف بالحدود خصوصا اذا كانت من طراز أرض الميعاد او ما سماه الراحل د. عبد الوهاب المسيري ‘الفردوس الأرضي’، لأن الجغرافيا المؤسطرة رخوة ومرنة، وتتسع وتضيق تبعا لميزان القوى، لهذا قالت مزراحي تحت عنوان: مساحة 20700 كيلومتر مربع قبل الغزو، 88550 كيلومتراً مربعاً بعد الغزو، اذن فعلاقة الزمان بالمكان هي علاقة من نسقٍ عسكري صارم ذلك ان المكان محفوظ في الزمان بقوة السلاح!!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية