زهرة مرعي ‘فخامة الرئيس علي عبدالله صالح بصحة جيدة وسيكون قريباً معكم ليوضح أن الجبناء أرادوا له الموت والله أراد له الحياة’. بيان مقتضب أدلى به مصدر يمني ـ مأذون له بالطبع ـ إثر تصاعد التكهنات حول وضع الرئيس اليمني بعد القصف الذي تعرض له المسجد التابع للقصر الجمهوري. ليلاً أطل صوت صالح من على التلفزيون اليمني ليطمئن القلقين عليه وليقول: ‘إذا أنتم بخير أنا بخير’! فمن أين يأتي الخير يا فخامة الرئيس؟ فقد توعدت وهددت بالحرب الأهلية، وها هي تصبح واقعاً والناس تفر من صنعاء والقتلى والجرحى بالمئات. وعدت بسحق قبيلة حاشد ـ الخارجة على القانون برأيك ـ وها هي وكالات الأنباء تقول ان منازل زعمائها في صنعاء سويت بالأرض.. إنها الحرب العبثية ودماء الشعب اليمني وقودها. الثورة السلمية التي قادها الشباب اليمني حالمين بربيع مزهر حولها تمسك الرئيس اليمني بالسلطة إلى دماء تسيل من دون توقف. ومع ذلك نكبر في الشباب اليمني إصراره على سلمية ثورته. ورغم الواقع المتفجر في صنعاء واستعراض القوة الذي تقوم به السلطة، ورغم إقدام قوات صالح على اقتلاع المتظاهرين من ساحة تعز بالقوة وبالرصاص الحي، عاد هؤلاء الشباب إلى ساحتهم في ‘جمعة الوفاء لتعز’. تظاهروا بالآلاف، وشبكوا أياديهم في الأعالي في مشهد مثير للاهتمام يؤكد إصرارهم، ويؤكد سلمية تحركهم.
قبل يوم من نجاة صالح من القصف، كانت قناة الجزيرة تعقد حلقة نقاش مطولة تحت عنوان ‘حديث الثورة’ أدارتها ليلى الشيخلي مع العديد من الوجوه اليمنية الموالية والمعارضة، ومع سفير أمريكي سابق في صنعاء، وكان تعريج على رأي سعودي لم يقدم ولم يؤخر في السياق العام للحوار لأنه بقي على الهامش. ليلى الشيخلي استغربت مسارعة السعودية للتدخل العسكري خلال اشتباكات النظام اليمني مع الحوثيين، فيما الموقف الحالي للخليجيين ‘دبلوماسي جداً’؟ الموقف السعودي ناتج عن خوف من عدم إيجاد بديل لصالح ومن الفوضى، كما ردد الضيف السعودي! وممثل المعارضة اليمنية يدعو السلطة السعودية لتكون إلى جانب الشعب وليس السلطة. فالشعب هو الباقي والسلطات جميعها إلى زوال. لكنه مطلب إشكالي جداً بالنسبة للسعودية.
يبدو أن الموقف في اليمن يتجه لمزيد من التصعيد وهذا ما يشغل الإدارة الأمريكية التي تخاف على النفط الخليجي اولا وعلى الجيران الخليجيين من أن تلحقهم ‘نزلة برد’، لذلك كان في الأسبوع الماضي مستشار لباراك أوباما يزور كلا من السعودية والامارات. الحكومات الخليجية تعاني من الارباك والعجز ولا تعرف بعد اتجاه السير بشأن الأزمة اليمنية المتفجرة، وما إذا كانوا سيطرحون مبادرة جديدة أم لا؟ والأهم أن يعود اليمن سعيداً، وأن يفطم صالح نفسه عن رئاسة اليمن، 33 سنة تعني كفى، فلا هو بخير ولا اليمن معه سعيد.
ازدهار عمل خبراء الصورة في سوريةتضاربت تقديرات عدد المتظاهرين في حماة حتى بين الإعلام السوري الرسمي نفسه. التلفزيون الرسمي قدرهم بـ10 آلاف، وتضاءل العدد مع وكالة سانا الرسمية إلى مئات. ضحايا مظاهرة حماة بحسب قناة العربية 37، والجزيرة 35، أما الخبر الرسمي فذكر مقتل ‘3 مخربين كانوا يعملون لإحراق مقر حكومي’. هذا في المساء، أما في صبيحة السبت ففاق عدد الضحايا الـ70. هو التضارب نفسه في المعلومات يقع كل يوم جمعة مساء، لكن جديد المشهد السوري هو التوسع الملحوظ لأعداد المتظاهرين في حماة، وصل عددهم إلى 50 ألفاً حسب مصادر المعارضة. الخبر السوري وقع أولاً عشية ‘جمعة أطفال الحرية’ في نشرة قناة الجزيرة، رغم أهمية الخبر اليمني المتعلق باصابة الرئيس. كان هذا الخبر يحمل في متنه ـ أي الخبر السوري ـ تقديماً على طريقة صياغة مقدمات الأخبار اللبنانية. وبالمناسبة الطريقة اللبنانية في الصياغة، سواء للخبر أو لمقدمة النشرة تعتمد التجييش والتحريض. وهذا ما يبدو أن القناة القطرية اكتسبته من عندنا، وهذا ليس لصالحها. من دون شك وفي جمعة ‘أطفال الحرية’ سقط أطفال في سورية، ولهذا جاء في بداية الخبر على قناة الجزيرة ‘هذا يوسف آخر يقتله إخوته ويتهمون الذئب…’ بعدها جاء دور الشاهد العيان من أحد مستشفيات حماة، ليؤكد حتى في المساء استمرار إطلاق النار. في هذا الوقت بالتحديد كانت قناة الدنيا مشغولة بخبر ‘توسيع سهل طرطوس وزيادة مساحات الري’ ووعود وزير الزراعة. أما التلفزيون السوري فكان مع وثائقي مسجل مع شخصيات سياسية عربية ‘تتحدث عن المؤامرة التي تتعرض لها سورية.. الفتنة الطائفية.. الفئات السلفية’. فهاتان المحطتان كانتا في استراحة من برنامج متكرر تبثانه على الدوام لدحض التضليل والفبركة وشتم الجزيرة والعربية، بحسبهما. إنها حرب إثبات زيف الصورة. في زمن ‘الربيع العربي’ صارت الصورة تحتاج إلى خبراء يؤكدون صحتها، تماماً كخبراء اللوحات الثمينة الذين يؤكدون أو ينفون إن كانت أصلية أم مزورة.
هذه الحرب دفعت ملايين المصورين على الهواتف النقالة لمزيد من التوثيق بربط الصورة بالمكان، وبمزيد من الوضوح. لكن الحقيقة تبقى في دخول الإعلام إلى كل مكان. هذا طبعاً إذا كان هذا الإعلام موضوعياً. إنما بات جلياً تماماً موقف الإعلام العربي وحتى العالمي في التعامل مع الربيع العربي المنتشر في أكثر من مكان، ودليله بقع الدماء والضحايا، ليس هذا وحسب بل هو إعلام في معايير فاقعة الازدواجية.
زفاف في اجدابياعرس في اجدابيا وعلى إيقاع عسكري. هذا ما بثته لنا قناة الجزيرة. مقاتل من الثوار قرر الانضمام لنصفه الآخر في أجدابيا شبه المقفرة من السكان لأنها جبهة حرب بين الثوار الليبيين وقوات معمر القذافي. لم ينتقص العريس أياً من شروط العرس. قصّ شعره في الهواء الطلق. انضم لباقة من الرجال يتناولون وليمة العرس. العريس يلتهم الطعام بيد والبندقية تجالسه في اليد الأخرى. ولأن العريس مقاتل وشاعر فقد أتحف حضوره ببعض الشعر، تلته موجة من إطلاق الرصاص وهيصات وشعارات النصر القريب. وتبعته موجة من أبواق السيارات، من ضمنها بوق سيارة إسعاف، إيذاناً بوصول العروس. قصد العريس إحدى السيارات لينزل عروسه بيده. طبعاً لم ينس البندقية في اليد الأخرى. موجة جديدة من الرصاص. ثم دخل العريس إلى قفصه الذهبي ببذلته العسكرية المرقطة. في اليوم التالي قصده مذيع الجزيرة ووجد العريس وقد ترك عروسه في ‘صباحيتها’ ليلتحق بالجبهة. الزواج في الحروب، والتناسل كذلك هو إرادة حياة وفعل التصاق بها. شي أن أن: لبنانيون يبصقون على ‘الزعما الزعران’إنه برنامج شي أن أن على قناة الجديد اللبنانية. برنامج يقارب في محتواه نشرة الأخبار الساخرة من الأستوديو وعبر المراسلين في الخارج. برنامج انتقادي ذو نكهة خاصة جداً جعلته يفرد لذاته مساحة كبيرة بين المشاهدين، رغم أن كافة المحطات اللبنانية تضم برنامجاً أو أكثر من النوع الكوميدي الساخر، بما فيها قناة الجديد التي تبث منذ سنوات برنامج ‘إربت تنحل’. شي أن أن يحمل الكثير من التشويق الذي يترك المشاهد بانتظار ما تقدمه الشخصيات الكوميدية المتعددة التي تصنع مادته في زمن لا يتعدى النصف ساعة. وكل شخصية تمتاز بنكهتها وخصوصيتها غير الموجودة ولو بنسبة نصف بالمئة في شخصية أخرى يتضمنها البرنامج.
شي أن أن يتمتع بهامش الحرية الرحب الذي يمتاز به الإعلام اللبناني. مؤخراً وبعد سلسلة من المواقف السياسية المثيرة للجدل في لبنان، حمل البرنامج المايكروفون والكاميرا ـ كما يفعل دائماً ـ إلى الناس في الشارع. وكان من هؤلاء المواطنين أن أشبعوا هؤلاء السياسيين بصاقاً. ‘تفه تفه تفه ع الزعما الزعران.. أختن ع أخت اللي جابن ع هالبلد’. طبعاً الزمور كان متوافراً بقوة، لأن المواطنين ‘زفرّوا’ ألسنتهم بحق السياسيين. وهؤلاء ‘ولا على بالن’. اعتقدوا البصاق شتاءً ربيعياً. وقالوا ‘الشتاء في الربيع خير’. ونحن بدورنا نعتذر من بنات حواء لأن السباب دائماً يلحق الأخوات والأمهات.
في هذا البرنامج يعمل المخرج سلام الزعتري كوجه يظهر على الشاشة بحلة كوميدية طريفة، ويمكن تشبيهه بضابط الإيقاع. أما فؤاد يمين فيطربنا بحركاته وخفة دمه، ويلفتنا مع أكثر من ربطة عنق، أو أخرى احتفظ لها بالإيتيكيت، أو أي شيء نافر في ملابسه. يحلل بهدوء، ويتمكن من استفزاز زميله أبو طلال فيسبه على الهواء. أبو طلال بدوره صاحب شخصية الصيداوي ـ من مدينة صيدا ـ محلل بعمق، وفريد بحالته الكوميدية. شخصية لم يسبقه أحد إليها، يقدمها برصانة تلفتنا للخبر الذي يقرأه أكثر من طريقة قراءته. وهذا ضروري بحيث تصبح الكوميديا في المادة وليس فقط باللهجة واللكنة. كذلك طارق تميم في شخصية المحلل السياسي اللبناني، فقد تمكن من تقديمه ثرثاراً يدور ويلف من دون الوصول إلى موقف. هذا هو المحلل الذي أراده تميم وأداه بحرفية وخفة دم. أما جاد داني علي حسن أو جاد زيتوني، فهو حالة كوميدية جذابة بقوة. هو يختزن الإضحاك في شخصيته من شعره حتى قدميه. مقبول من الناس في الشارع رغم سخريته منهم أحياناً. خفيف الظل والحركة. أما أكرم سلمان الذي يقدم شخصية المواطن البعلبكي، فهو كما شخصية أبو طلال تكمن أهميته في الموضوع الذي يقوله، إذ أن اللهجة بحد ذاتها ستجذب اللبناني وحده، ولن تؤثر في مشاهد عربي لا يعرف خصوصيات مناطقنا على صعيد النطق. أكرم سلمان بدوره قدير في إيصال نصه بالجدية المطلوبة منه.
شي أن أن برنامج كوميدي راق، وحشد من الشخصيات الكاريكاتورية في نصف ساعة تجعله غنياً، مطلوباً، وتوقيته محط الانتظار. مساحة حريته لبنانية فقط لا غير.
صحافية من لبنان [email protected]