أنفلونزا البوعزيزي

حجم الخط
0

محمد أحمد البغدادي من أكثر ما يحمد لثورة الشباب التونسي، التي اطاحت بالرئيس المخلوع بن علي، انها كسرت حاجز الصمت لدى الشعوب العربية، التي طالما وصفت بأنها كقطعان الماشية التي تخاف الراعي ولا تخالفه، فقد ثارت هذه الشعوب لتهدم تمثال الرعب بعد أن نزعت عنها ثوب الهوان وخوف السلطان، وبدأ طوفان التغيير يجتاح الوطن العربي، فقد سقط نظام مبارك في أيام معدودات، وأصبح لميدان التحرير معنى وحضور في أذهان الشباب ورمز لمعركة مقدسة اطاحت بنظامٍ جثم على صدر الكنانة حيناً من الدهر، ممسكاً بتلابيب الشعب بقانون الطوارئ ومكافحة الارهاب، حتى تقزّم دور مصر الريادي في المنطقة. ثم دارت الدائرة على ليبيا وفقد القذافي سلطانه وصولجانه، وغابت دولته وانسلخ عنه المقربون، وقفز عن قاطرته المعطوبة كل من أراد النجاة، ورأى أن السلامة في الهروب من سجن السلطة إلى رحاب ثورة الشباب، ورفض الجيش الانصياع لأوامره بقمع المتظاهرين، فأصبح العقيد (قعيدا) في باب العزيزية بعد أن كان يعيش جنون العظمة وأوهام ملك الملوك ليجوب أفريقيا بمواكبه المهيبة، ها هو الآن يبحث عن مخرج آمن يحفظ له ماء وجهه، بعد أن أهرق دماء شعبه لتثبيت نظامه، مستخدماً المرتزقة لإرهاب شعبه ولكن جذوة الثورة استحالت إلى لهيب يحرق كل من يقف في طريقها، فتساقطت المدن الليبية من قبضة الزعيم الذي اصبح محاصرا في حصنه المنيع، ودُمّرت ترسانته العسكرية بضربات التحالف الدولي، وأصبحت أثراً بعد عين، وانتشرت جحافل الثوار في المدن الليبية المختلفة، ولم يتبق لها إلا القليل حتى تحكم سيطرتها على ليبيا وتنهي فترة حكم غريب الأطوار، ولتتنفس ليبيا هواء الحرية والديمقراطية. وغير بعيد، لا تزال تعصف موجات تسونامي التغيير باليمن الذي امتلأت ساحاته بالمطالبين بإسقاط النظام، وفي كل يوم تحتدم المعركة بين السلطة والمتظاهرين ولا تزال آلة القتل العسكرية تحصد أرواح شعب منكوب بحكومة لا تتورع عن سفك دمه بدم بارد، ولكن مارد الثورة يرفض أن يعود إلا إذا تحققت مطالبه، ويريد النظام أن يجعل منها حرباً أهلية تحرق الأخضر واليابس في بلد يكاد يكون فيه حمل السلاح أمراً عادياً ومألوفاً، لتصبح سياسة الأرض المحروقة هي آخر الخيارات لنظامٍ لا يرى أحداً يصلح لحكم اليمن إلا علي صالح، إلا إذا فطن أهل اليمن وفوتوا الفرصة وحافظوا على نسيجهم الوطني بحكمة الشيوخ، وقديماً قيل ‘الحكمة يمانية’. والثورات تنطلق في كثير من الدول العربية وكأنها (منجم كبريت شديد الاشتعال) فلم تسلم سورية من المظاهرات التي انطلقت سلمية لكنها تحولت إلى مواجهات دامية بين الشعب والسلطة وأجهزتها الأمنية التي تفننت في قتل وسحل الشعب الذي خرج يبحث عن الحرية فكان مصيره القتل والتعذيب، وهي ثورات ستؤتي أكلها ولو بعد حين. وما أن يسقط تمثال النظام أو (الحزب) الحاكم في أي قطر عربي حتى تتكشف عوراته وتفوح رائحة الفساد الذي كان يدير البلاد، وتظهر مساوئ أعضاء الحزب وحاشية الحاكم واختلاساتهم واستغلالهم لنفوذهم لتحقيق مكاسب خاصة، وما تونس ومصر عن ذلك ببعيد!

إنه قدر الأمة العربية أن يكون من بين حكامها زعماء تفننوا في إذلال الشعوب وقهرها، وكمموا أفواه المعارضين وضيقوا عليهم، ونهبوا ثروات بلادهم، فأصبح للحاكم الحق في تبديد الثروة (فنصف لجواريه ونصف لذويه الجائرين) أما الشعوب فيكفيها ما تبقى من فتات الموائد التي ظلت تتهافت عليها رغبة ورهبة، لذا فقد اطمأن الحاكم العربي الى أن الشعب لا يملك الجرأة في أن يقول (لا) في وجه شرطي واحد، فضلا عن رئيس الدولة وزعيمها، ولكن ها هي القنوات الفضائية تنقل في كل يوم حشوداً من المتظاهرين في كثير من الدول العربية تردد في وجه كل حاكم (الشعب يريد تغيير النظام)، كيف لا! فقد تمكنت شعوب من تغيير أنظمة ظلت تحكم بالحديد والنار لعقود (وما فيش حد أحسن من حد). من تونس بدأت ثورة البركان مرورا بالقاهرة ولا تزال ليبيا تترنح، وكثير من العواصم أصابتها عدوى التظاهر في وجه السلطة، فقد استفاد الشباب من الفيسبوك لإبقاء جذوة الثورة مشتعلة وسيكون هذا هو طريق الإصلاح طالما أن هنالك شبابا وكيبوردا وحكومات متعنتة وسياسات قمعية. أخيراً، سيخرج القذافي وصالح، وغيرهما من المشهد السياسي كما خرج مبارك وزين العابدين تشيعهم لعنات ودماء الشعوب الزكية التي سفكوها وستظل تطاردهم في أحلامهم وعند وقوفهم عند مليك مقتدر حين يعرضون عليه و(كل نفس معها سائقٌ وشهيد). وستكون الدول العربية موعودة بثورات عنيفة إذا لم يتدارك حكامها الأمر ويصلحوا ما يمكن إصلاحه ويتصالحون مع شعوبهم وإلا فإن التغيير قادم لا محالة. والأيام حبلى تلد كل جديد.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية