عماد فؤاد مسعود لم يدرك الدكتاتور نيرون الذي أحرق روما وتلذذ بسماع حشرجة شعبه واحتضار أحلامهم، أن الغائب الحاضر محمود درويش سينقل للعالم هذه الوحشية وهذه الممارسات التي ارتكبها الطاغية إمبراطور روما عبر هذه القصيدة الغنائية التي تجلّت شجونها في زفير كاميليا جبران وكلمات درويش، الذي لا تربطه بتلك الجغرافيا غير الإنسانية العذبة التي دفعته لكتابة هذا النص في ديوانه ‘أوراق الزيتون’ 1964. إن مفهوم القمع الذي تبناه القادة العرب لم يعد مجدياً بعد أن أصبحت الجنازات علنية والأنين أعلى من صوت القذائف، والجغرافيا مجردة من معناها ومسقط رأسها، إن الفلسطينيين الذين تجرعوا العذابات اليومية والحصارات الممتدة داخل منافيهم وحصارهم العضوي الأزلي، هم الذين ظفروا برمزية هذه القصيدة وتجلياتها، لأن الصهيونية لم تترك للفلسطيني فرصة لأن يحلم بأحلام لا تمسها أيدي غزاة، رغم أنهم الرابحون في كل نكساتهم ونكباتهم المتوارثة، أولاً لأن هناك عدوا واضحا واستحقاقات واضحة والمطالب شرعية وقانونية، ومن يعي نقاط التحول في حياته أو في تاريخ والده على الأقل يعلم ذلك جيداً. ثانيا إن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حول الأرض التاريخية للأجداد، وعند ملاقاة الموت يكون الفلسطيني قد استشهد فوق أرضه التي قاتل للحفاظ عليها، وإذا دخل الأسر وعُذّب بالخنق في براميل ثلثها ملح وثلثها ماء والثلث المتبقي لعاب من سبق من الأسرى فلا بأس عليه فإنه سيحظى بإقامة مؤقتة فوق الأرض التي سُلبت منه ومن أجداده، بالتالي هم لا يحاربون لأجل المساعي الخاصة ولا يواجهون خطابات مقنعة أو حكاما مضطربين ولا يرددون (الشعب يريد إسقاط الرئيس) هم يقاتلون لأجل حقهم في الوجود.
ولأن الساحات العربية منقسمة نحو الليبرالية وأقصى اليسار وأقصى اليمين يُتّهم بالكذب كل من يدّعي الحياد بعد أن طفا الدم فوق كل هذه المفاهيم الجوفاء. أما الزهايمر التاريخي الذي أصاب أطفالنا قبل سنوات فلم يعد حاضرا بعد أن قامت التكنولوجيا بأرشفة صور الغيم التي احتوت شعباً بظلالها، ودونت أمنيات الأطفال التي توارت وصوّرت الجدران التي ترسمها ذكريات اليتامى والثكالى، فلم يعد بوسع الميّت أن يكذب على أصدقائه الجدد لأن جنازته كانت علنية وعلى الملأ إن كان شهيداً، ونقيض ذلك تكون خلسة بحيث يسير النعش على أنامل قدميه صوب قبره لو كان صاحبه متواطئا مع احتلال أو نظام يشاطر الاحتلال صفاته، بحيث انسلخ عن واقعه بأبعاده كلّها وأصبح ينتظر املاءات قد يحصد الشعب من ورائها مديونيات اجتماعية وسياسية واقتصادية ستبزغ قريباً وتطفو على قارعة التاريخ القادم. الملك عبد الله يا سيّد الأردنيين، إن الكلام المتهرئ كملابس الفقراء لا يصلح الآن ومن يؤثثون أحياء دولتك قبل زيارتك لها هم نفسهم من صفقوا لخطابات مبارك وزين العابدين وفلول أنظمتهم، وصفقوا بعد ذلك لغنائيات رحيلهم وبكائهم، إن ثقافة الخوف والأقلام المأجورة شغلت عناوين صحفنا ومانشيتاتها بأخبار زياراتك الرسمية وغير الرسمية، وهمّشت دور المفكرين والمثقفين الذين ينتجون الفكرة التي على أساسها تقوم المسائل كافة وتبنت الأفكار التجريبية والهشة، لأنّ نوعية تطور الاقتصاد الحقيقي لم تكن موضع اهتمام الحكومات المتعاقبة التي لم تُقدّر الفن وتهتم به حتى تمتلك القدرة الفنية على رسم الاستراتيجيات المستقبلية للأردن، رغم أن لوحة فنية قد تحقق ثمنا عند بيعها قد يقترب من ميزانية وزارة الثقافة بأكملها وهذه ليست مبالغة في الوصف، إذ أن لوحة مثل ‘أشجار الحور’ للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه بيعت قبل أيّام بسعر 22.4 مليون دولار في اليوم الثاني من مزادات الربيع الرئيسية في نيويورك، وأعتقد أن الأردن لديه من المواهب والإبداع لمجاراة العالم بأكمله في الموسيقى والشعر والقصة والرواية والمسرح والإنتاج التلفزيوني والسينمائي، لكن متى وأين وكيف ومن ولماذا، كلّها أسئلة غائبة عن قاعات اجتماعاتنا، ولأن المواطن الأردني هو عربي قبل ذلك يظل متهماً منذ ولادته بعدائيته للنظام إلى أن يُثبت براءته بالتذلل، وللتذلل أشكال قد يبدأ من شرطي المرور الذي على السائق أن يثبت انتماءه للبلد ويكشف عن جذوره الأردنية قبل أي إجراء أو عقوبة، وانتهاء بالوزير أو أمين عام الوزارة للحصول على ترخيص ما أو منحه ما أو مكافأة أو أي منفعة أخرى، وهذا ما لا يُرضيك ولا يرضي المثقف الحقيقي استناداً إلى (فُرصتنا الأخيرة). الأردن معروف بأمنه واستقراره في المنطقة ويتّسم بغياب النزعات الطائفية والدينية والمذهبية، وهناك وفرة من المتعلمين والعقول المستنيرة ولا أجد سبباً يحول دون تنمية الاقتصاد الوطني بالشراكة مع القطاع الخاص ودعم الإنتاج المحلي ونوعيته، والقيام باستثمارات محلية تساهم في تقليل البطالة وتحقيق تنمية شاملة، لتعويض عمليات الخصخصة في قطاع الاتصالات وبيع مئات الدونمات من الأراضي السياحية في ميناء العقبة وغيرها، وتخفيف التناقضات الاجتماعية بين الطبقات التي أدت إلى تداعي القدرة الشرائية لدى شرائح واسعة من المجتمع. ولم تقف المؤسسة الحكومية في وجه هجرات الشباب والكفاءات باعتبارها حلا للنمو الديموغرافي والتخلص من البطالة بالنسبة لمنظورهم، كما لم تكترث للكفاءات التي تعمل و ُنتج في الخارج، وهذا ما ذكَرتُه أيضا في مقالة سابقة بعنوان ‘في الأردن السيناريو تراجيدي’، وهنا لا ادّعي أني أمتلك الحد الأدنى من الوعي السياسي والاقتصادي والفكري لتقديم اقتراحات فعالة، لكن أدرك تماماً أني بمعزل عن قراءة جورج هيغل وسارتر وابن خلدون وادم سميث أستطيع أن أشاهد قناة فضائية عربية وأتابع الإعلامية الشهيرة أوبرا وينفري وأفاجأ أن هذه المحاورة الأمريكية التي عاشت عند جدتها في بيت فقير أصبحت من أضخم امبراطوريات الإعلام في العالم، بحيث ساهمت في تعليم ما يزيد عن نصف مليون مواطن أمريكي في الجامعة على حسابها الخاص بمساعدة إدارة البرنامج وساهمت في حصولهم على دراسات عليا، وأصبحوا بعد ذلك أطباء وطيارين ومهندسين ومعلمين وقاموا بعد ذلك بإنشاء جمعية تكفلت بتعليم ربع مليون مواطن آخر ولنسأل أنفسنا عن عدد الطلاب الذين تكفلت وزارة التعليم العالي بتعليمهم منذ تأسيس إمارة شرق الأردن، وإن قمنا بمقارنة سريالية (فواقعية) مع التلفزيون الأردني ونسأل بعد ذلك ماذا قدّم هذا التلفزيون منذ تأسيسه؟ والذي بجوفه ما يقارب ألفي موظف ثلثهم مزارعون في حديقة التلفزيون وثلث آخر سائقون، وما قاله كاتب أردني في صحيفة رسمية قبل أعوام ان الأردن بحاجة إلى صناعة فيلم مثل ‘التايتانيك’ كل عامين إيراداته بلغت 1.845 مليار دولار، تكفي لتنمية الاقتصاد الوطني بشكل حقيقي، وهذا الطرح لم يكن فانتازيا ساخرة على الإطلاق لأنها حقيقة، لكن لا تقبل التصديق في مجتمع لا يؤمن بأن يكون جيمس كاميرون من نهر الأردن أو من شرقه أو حتى عربيا معروف بربيعه الذي يبدأ مع نهاية خريف العالم.
إن الإصلاح السياسي يا سيد الأردنيين في هذا البلد قد يكون أبعد من أي مكان آخر على وجه الأرض وهذا ليس تشاؤما شخصياً أو حالة من القنوط الاقتصادي والسياسي، لأن المواطن الأردني أصبح يمتلك اليوم أجندة خاصة تتمثل في حكمه الذاتي لنفسه وهو يعلم انه غير معترف به رسميا ولا يؤمن بأي جهة رسمية أو حزب أو جمعية وهذا ما لاحظناه في اعتصامات الشارع الأردني، بحيث لم يتخذ الأردنيون موقفا واحدا موحداً تجاه أي قضية لا بتأييد ومعارضة حكومة الرفاعي ولا ببقاء البخيت أو بنزاهة الانتخابات ولا بلجنة الحوار الوطني ولا بخطوات الإصلاح الاقتصادي أو بمسألة الانضمام لمجلس التعاون الخليجي وهذه ليست سيكولوجية أفراد تستند لموروثات اجتماعية وسياسية وعشائرية، بل هي قرار فردي لكل مواطن لم يعد يثق بأي جهة رسمية، لأن الفساد الذي تم الكشف عنه ومازال الكشف عنه قائماً لم يكن منبعه بقالة هزيلة في الأحياء القديمة ولا بائع الزهور الذي قرر ان يبحث عن الحقيقة في رائحة الورد، بل كان من ظلال النظام ومظلاته، والمشهد اليوم في ذروة الكوميديا بحيث تحوّل الشرفاء إلى متهمين والجلاد إلى مجني عليه، بل أصبح يمارس المازوخية بامتياز، وهذا النفاق الاجتماعي الذي عقد قرانا كاثوليكيا مع السياسة مجاملةً، هو من كان وراء كل هذه الاختلاسات التي كانت على حساب المواطن الأردني ومستقبله وحتى حاضره الذي ما زال مديناً لماضيه بالكثير.
تعلم النخبة من الأردنيين أن الإصلاح الراديكالي لا يحدث بهذه السرعة ولم ادعُ في هذا الطرح إلى إسقاط حكومة أو جهاز عسكري أو أمني أو حل للبرلمان أو تغيير وزير ما لأنني أعلم جيدا أن الإصلاح الحقيقي لن يحدث ما دامت البنية الثقافية للمؤسسة والعاملين فيها هي واحد ومستنسخة وأصحاب المناصب المذكورة أعلم أنهم ليسوا إلا رموزا للعاطلين عن الانتماء أو موسميي الانتماء للدقة، وبذات الوقت نجدهم يتحولون إلى رموز شعبية يتغنى بهم هواة التسكع السياسي للحصول على منفعة ما يقايضونها بالولاء المؤقت. المسألة بسخريتها وجديتها هي ثقافية لا أكثر لا تتجاوز إتمام المعلمين لدوامهم الرسمي، من دون التسلل الوظيفي والخروج لبدء العمل الرسمي الأساسي قبل التدريس وهو (سائق سيارة أجرة) غالباً، والمطلب الثاني هو مكتبات في مدارسنا النائية وغرفة للفنون والموسيقى ومعقم للأيدي في مدارس أطفالنا وتحفيز المواهب الشبابية والإبداعية والمساواة في المواطنة وإيجاد سقف حريات أعلى وأكثر استجابة، من دون أن تتبنى وزاراتنا ‘قل ما تشاء وأفعلُ أنا ما أشاء’. أنت تعلم جيدا يا سيد الأردنيين أن كل الثوار الذين اشتراهم الموت بثمن لا احد يعلمه لم يحاربوا لأجل المسعى القديم، وهو الحد الأدنى من متطلبات الحياة، بل لأجل الحياة بعينها ومعناها. وما قاله جون كينيدي ذات يوم بمعزل عن شخصه ‘إن علينا استخدام الوقت كأداة وليس كعكاز’ يدفعنا لعدم التفكير بالإجابة عن الأسئلة الخمسة لأنها تصبح عديمة الجدوى إذا كانت الجريمةُ مبررا لجريمة لم تحدث بعد. وأخيرا أعلم أن في صدرك مساحة لتقبل الملاحظة، لأقول أن مأخذي الوحيد عليك بصفة شخصية بعيدا عن كلّ ما تقدّم هو مروري بمكتبات ومراكز بيع الكتب عند إصدار كتابك ورؤيتي للنسخ الأجنبية من (فرصتنا الأخيرة) قد تم اصدارها وتوزيعها ونشرها قبل الطبعة العربية، وهذه لا تخفى عن قلمٍ هاشمي بامتياز.’ شاعر وكاتب من الأردن