فاس ـ ‘ القدس العربي’: تشي قصة مجنون ليلى بالحب العذري الذي ساد ذهنية العاشق الشرقي مجسداً في ملحمة شرقية معروفة شعراً وتاريخاً. يشترك اربعون فناناً من ارجاء المعمورة عناءً وعزفاً في يوم اقتتاح الدروة السابعة عشرة لمهرجان الموسيقى العريقة في فاس، في تجسيد هذه الحكاية، في عمل غنائي لارمان عمار واخراج ناصر الخمير ولوحات تشكيلية للفنان المغربي ماحي بن بين مع مشاهد للصحراء العربية، حيث ولدت الملحمة ومن ثم وجدت طريقها الى التراث العالمي. يساهم هذا العمل الجماعي في جعل الصحراء من مركز الحكاية الى مركز الكون، اذ يحس الفنانون المشاركون في الموشحة الغنائية، عالم الصحراء، مستلهمين المفهوم الوجداني حينئذ للعربي ازاء الحب. الفنان أرمان عمار مؤلف أغاني افلام، تعاون مع المخرج غوستا غافراس في فيلم ‘ آمين’. يشارك في هذا العمل: المغنون: غومبودورج بيامباجارغال وانكهاجارغال داندارفاشيغ الملقب بـ ‘ إيبي’ من منغوليا وسلار أغيلي وأريانا فاداري من إيران وأسيف علي خان وماسوميح من باكستان إلى جانب نزيهة مفتاح من المغرب. العازفون من الولايات المتحدة وفرنسا ولبنان وإيران وباكستان ومنغوليا وأذربيجان وشنغهاي وراجستان والهند بوليفيا. العمل مؤلف من بداية وسبع اغانٍ وخاتمة يشمل قصائد بلغات مختلفة، منها العربية والتركية والفارسية.
اللافت في دورات مهرجان الموسيقى العريقة هو تبني المدلول الروحي الصوفي كأساس للتعامل مع الحياة، تقدير الروح مركز الكون، ثمة مثل افريقي ‘ ان جسد الانسان أصغر بكثير من الروح التي تلازمه’. الدورة الاولى من المهرجان عام 1994 شعارها ‘ موسيقى المقدس’ مروراً بالدورة العاشرة ‘ معالم النور’، أمّا الدورة الحالية ‘ حِكم الكون’ فلا عجب ان تحضر قصائد شعراء الصوفية المشهورة بالحكمة والتسامح، اشعار جلال الدين الرومي في الموسيقى الفارسية العريقة، الشعر الهندي، الافريقي والاسيوي. تستمد الصوفية استمراريتها من طريقة التعامل الروحي مع العالم، معلنة الموسيقى والشعر اساسين في جوهر علاقة الانسان مع الوجود، علاقة فهم وحكمة، طاردة العنيف والبغيض من النفس، ولذا تجد طريقها بسهولة الى ثقافات مختلفة، ضدّ ما يزخر به عالم اليوم من الحروب والدمار والقتل. حكِم الكون هي: قبول الاخر كما هو، في محاسنه ومساوئه، العقل عند الخصومة، والثقافة التي تجمع من دون اللجوء الى الحرب وسيلة للتفاهم. عسى العالم يتعظ من الثقافة الصوفية ويستسسلم الى شعور المحبة. يقول السيد فوزي الصقلي، المدير العام للمهرجان: ‘ يسود الانطباع بأن الدورة السابعة عشرة قد بلغت سن الرشد، ولم تعد مجرد مناسبة للاستهلاك الثقافي، بل أضحت مقاماً للابداع والتمرين، بمعية فنانين معروفين، أو يستحقون الاكتشاف من الشرق والغرب: والمنتدى نفسه باعتباره ( منتجعاً روحياً) هو أفضل مقام لتأمل العالم في حركيته المتسارعة’ شهدت الايام الثلاث الماضية، عروضاً موسيقية تتراوح بين الانشاد الصوفي والغناء، بين التقليدي والحداثوي، حضور الالات التقليدية الموسيقية، مع تزامن وجود الالات الحديثة، التراث والمعاصرة. الفنانة إلينا ليدا مع فرقة بوليفية في تراتيل تقليدية من مرجعيات لغوية متعددة تنتشر في جزيرة سردينيا في إيطاليا.. عرض ‘ نواح’ المغرب ـ فلسطين في تراتيل يهودية سفاردية وفلسطينية من غناء الفنانة فرنسواز أطلان وغناء وعزف عود منعم أدوان، يزدان هذا العمل بالفقدان العاطفي وبحميمة اداء مشغولة بعناية الحنين، اصوات هائمة هادئة خاشعة من جراء الخسارة والبوح. اضافة الى الفرقة الايرانية، والفلامنكو. لم يقتصر المهرجان على الموسيقى والغناء فحسب، حيث يتوافر على حلقات دراسية ونقدية منها: أي مستقبل للشرق الاوسط؟ الربيع العربي: آفاق المغرب العربي الجديدة، الرشوة ووجوه الحكامة والديمقراطية بين الانجاز والتعبير، اضافة الى معارض تشكيلية، وفوتوغرافية للمصورَيْن، جمال بن عبد السلام، ومصطفى مسكين الحائز الجائزة الثالثة لمسابقة نانشيونال جيوغرافي في ابو ظبي. عرضَ المخرج نبيل عيوش في امسية خاصة بالمهرجان فيلمه الوثائقي الجديد ‘ بلادي’ عن شهادات لاجئين فلسطينيين في مخيم ‘ عين الحلوة’ في بيروت بالتوازي مع شهادات لمستوطنين يهود، وقد حاول الفيلم التركيز على الذاكرة بوصفها ايعازاً يدفع الى الاستئصال او الانتماء بحسب المرء وعلاقته بالعالم. في شهادات اللاجئين الفلسطينيين عُمق ذكرى وتدفق ذكريات عن فلسطين، سواء شخصية أم جمعية متوارثة من تراكم عائلي تلقيني من الاسرة، الكل يتذكر فلسطين، بل يتذكر تفاصيل البيت والاشجار، والخروب، والزيتون، بعض الذكريات شخصي والاخر عائلي حميم. ذكريات عالم الكبار تختلف طبعاً عن ذكريات من هم اقل سناً، هؤلاء يتعايشون الان مع فلسطين عن طريق الذكريات المروية، المكتسبة من العائلة. إذاً لا أحد يريد ان ينسى رغم انسجامهم النسبي في حياتهم الجديدة، والكل يريد العودة، بصرف النظر عن حياته الجديدة وانسداد آفاق الامل والحياة في فلسطين في حال عودته. يقول أحدهم: ‘انا سأعود، واذا لم أقدر على ذلك، فسيعود ابني، واذا لم يستطع، فحتماً سيعود حفيدي’. تبدو الذكريات علاقة تعويضية عن الارض في عالم الكبار الذين اجبروا على ترك فلسطين منذ عام 1948. هؤلاء بحسب شهاداتهم، ليست لديهم مشكلة مع اليهود، فقد عاشوا وتعايشوا معهم، لكن المشكلة قائمة مع الاسرائيليين الصهاينة، أي مع الاحتلال. ليست الذكريات في الفيلم لمجرد سرد الوقائع او التنفيس عن مكبوت حنين، بل هي تفرض احساساً بالظلم وانتهاك حرمة الانسان. ثمة احساس بالسلب والطرد، مفروضان على الفلسطيني بإكراه من أجل ان يعيش الاخر المحتل بيته وارضه، وهذا الشعور يتعزز عندما يعرض المخرج شهادات اللاجئين الفلسطينيين على مستوطنين يهود، ليست لديهم ذكريات عميقة وأصيلة كتلك؛ انتماء حديث، لا يفرض جذوره، لا على الارض ولا على الانسان.
بعض هؤلاء المستوطنين يتحجج بذكرياته بالتوراة، فيسأله الفيلم: وماذا عن ذكريات الحاضر؟
؟. يهرع الى الماضي الغير متفق عليه وفيه كثير من الالتباس، ليجادل ويحتج على حاضر، مؤرخ وغير مشكوك فيه، بخلاف ما طلبه كيسنجر من المفاوض العربي بعد حرب تشرين الأول ( اكتوبر)، عند مشروع التسوية، قال له: لا تحاججني بالماضي، دعنا في الحاضر. غالبية شهادات المستوطنين عائمة في اللاتذكر، سطحية، ليست فيها أشجار زيتون وخروب، انشغالاتهم واهتماماتهم، انترنيت، كمبيوتر، تختلف عن هموم الفلسطينيين في المخيمات المشغولين بإيجاد حياة كريمة. الفلسطيني يحمل القنديل النفطي كي يضيء الشارع، لا كمبيوتر ولا انترنيت في عالمه، لا جواز ولا احلام سفر. في هذا الاختلاف يكمن الاحساس بالظلم، ( سعادتك على انقاض حياتي). تظهر المستوطنات في بناء عمراني جميل، مقارنة بالمخيمات حيث البؤس الحياتي والعمراني، تكمن في هذه المقاربة، ما يقول فلسطيني آخر في شهادته، العيش تحت الخروب، جنة. يشرح المخرج نبيل عيوش تجربته في لقاء مع ‘ القدس العربي’: كنت دائماً اريد ان انجز فيلماً عن فلسطين، ولكن كنت اسأل نفسي كيف المعالجة؟ ثم وجدتها، قلت: دع السياسة للسياسيين، وسوف اتناول الموضوع من جانب انساني محض، على الرغم من تداخل الموضوع في السياسة. البعض بسبب صغر عمره او الانشغالات العصرية، نسي فلسطين، المأساة الانسانية في جوهر الفيلم، رأيت الفلسطينيين وتعايشت معهم في المخيمات، لا يستطيعون العمل الاّ بصعوبة، كذلك مشقة الحصول على رخصة بناء واوراق سفر، على رغم حياديتي في تناول موضوعي، انتابني طوال مدة التصوير احساس المظلوم.