قبل تحقيق حلمه ببناء دار للاوبرا في لبنان:
بيروت ـ ‘القدس العربي’ – من زهرة مرعي: رحل وليد غلمية بعد أن نثر فروع المعهد الموسيقي الوطني في كل مناطق لبنان، انطلاقاً من مبدأ حق الجميع بتعلم الموسيقى، والأهم أنه بعد الحرب الأهلية راح يعمم فكرة تقول بأن يحمل الشباب اللبناني الكمان والناي بدل البندقية.
الدكتور وليد غلمية غاب مؤخراً عن الساحة الموسيقية وعن قيادة الأوركسترا الوطنية الفلهارمونية في برامجها الدورية، وكذلك غاب عن الأوركسترا العربية الشرقية، فظننا أنه في راحة، إلى أن كان خبر رحيله المفاجئ بعد صراع مع المرض. هو من مواليد مرجعيون سنة 1938 فيها نشأ وتابع دراسته، وأتقن العزف على الكمان، وما لبث أن هجره بعد كسر في أحد أصابعه. سافر إلى الولايات المتحدة حيث نال الماجستير في قيادة الأوركسترا من جامعة كنساس، وكذلك الماجستير في التأليف الموسيقي، ومن ثم الدكتوراه في العلوم الموسيقية من الجامعة نفسها. وفيما بعد حاضر في الجامعة التي درس فيها، وأسس فيها دائرة الموسيقى العربية.
منذ سنة 1991 تولى وليد غلمية رئاسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الكونسرفاتوار، وذلك في مرحلة كانت فيها الدولة اللبنانية تسعى لإعادة بناء نفسها بعد الحرب الأهلية. ناضل بثبات مع كافة المسؤولين لبناء الأوركسترا الوطنية السمفونية، التي كان معظم أعضائها حتى سنوات خلت من الأوروبيين. لكن عددهم صار يتقلص بالتدريج ليحل محلهم لبنانيون من خريجي المعهد أو معاهد أخرى. وفي بدايات التسعينيات أسس غلمية من خلال الأوركسترا الوطنية السمفونية لحياة موسيقية راقية في مقابل رواج موسيقى الاستهلاك. وهكذا كانت للأوركسترا أمسيات موسيقية دورية، تحولت لاحقاً إلى أسبوعية تعقد في كنيسة مار يوسف للآباء اليسوعيين في الأشرفية وتقدم مجاناً لمن يرغب بحضورها.
طمح غلمية لأن تصبح الأوركسترا الوطنية السمفونية فيلهارمونية وتمكن من ذلك، لكنه رحل من دون تحقيق حلمه ببناء لدار الأوبرا في لبنان. هو الذي ضمد جراح الوطن بالموسيقى، كان مسكوناً بعمله وبضرورات تطوير برامج المعهد الموسيقي الوطني. وطوال مدة توليه رئاسة المعهد حتى رحيله كان يعمل على تحقيق أهدافه. ومن أهم إنجازاته تطوير مناهج الآلات الشرقية في المعهد، خاصة العود والقانون والطبلة.
وليد غلمية الموسيقي والمؤلف كتب الموسيقى الكلاسيكية مزاوجاً بين تأثر شرقي وغربي معاً، بين تراث وحداثة في آن. من السمفونيات التي ألفها القادسية، المتنبي، اليرموك، الشهيد، وأيضاً القطار الأخضر وهو عمل ملحمي. كما له العديد من المؤلفات الموسيقية التصويرية لأفلام لبنانية منها لمارون بغدادي وبرهان علوية وغيرها. كما كتب الموسيقى لعدد من أشهر المخرجين المسرحيين في لبنان. لغلمية تاريخ في المهرجانات اللبنانية العريقة منها مهرجانات بعلبك وجبيل. أولى مشاركاته في مهرجانات بعلبك بدأت في سنة 1963، ومن ثم في سنتي 1967 و1968 تباعاً. أما أسطوانته الأولى كموسيقى صافية فقد أطلقها سنة 1968. وفي تاريخ وليد غلمية مشاركة فاعلة في برنامج أستوديو الفن لسيمون أسمر منذ إطلاقه في سنة 1973. كان عضواً مميزاً بنقده للأصوات في لجنة التحيكم، حيث استمر في البرنامج لدورات متعددة. وأخيراً كان عضواً في اللجنة المنظمة لمهرجان البستان. ترك الدكتور وليد غلمية عصاه في قيادة الأوركسترا الفلهارمونية التي تميز بها في السنوات الأخيرة لآخرين يثق بهم، وتوقف قلبه عند آخر نغم مساء الثلاثاء، على أن يصلى على روحه في بيروت ويدفن في مسقط رأسه مرجعيون يوم السبت.