العراق… الطائفية في ظل الاحتلال الأمريكي

حجم الخط
2

تقول عالمة الفيزياء والكيمياء «ماري كوري» البولندية الفرنسية: «هناك علماء ساديون، يطاردون الأخطاء بدلا من إثبات الحقيقة»، ربما لو قيلت لوصف بعض الحكام لكان الأمر عاديا؟ ولكن أليس من حقنا أن ننزعج ممن انحرفوا عن أدوارهم، كأكاديميي النخبة وكمثقفي النخبة، واحترفوا «جراحة التجميل الايديولوجي» للاستئثار بكراسي هذه النخبة أو تلك!
هل هو مزيد من الإرهاق للمنطقة العربية؟ هل هو نكاية في التحالف المصري مع دول الخليج؟ أم رد خليجي على التقارب الإيراني ـ التركي بشأن المسألة السورية؟ هل هو مقدمة لإعادة ترتيب الحكم في العراق لسحب البساط من تحت حلفاء إيران؟ هل هو تمهيد لشيء ما ضد إيران؟ أم أن «الفوضى الخلاقة» لصقور المحافظين الأمريكيين مستمرة في برنامجها لمزيد من التقسيم والتشظي والصراع الطائفي والإثني..؟
هل هي عملية جديدة؟ وما يحدث الآن، ما هو إلا حلقة من سلسلة حلقات برنامجها المتواصل نحو تحقيق الهدف المنشود، ألا وهو خلق دويلات صغيرة ضعيفة متصارعة كإمارات حكم الأمويين في الأندلس..؟
هذه العملية تستند إلى سيناريو حرب خاطفة بعدما تكون قد انهارت مؤسسات الدولة وتشتت الجماعات المسلحة المناوئة عبر مساحات واسعة ومرهقة، دون ان تظهر فيها القيادة الامريكية، بل سيظهر فقط، الحلفاء الاقليميون ومن خلفهم قوى أوروبية لإعطاء طابع صورة تحالف دولي.
مما لا شك فيه و بالرغم من انسحاب القوات الأمريكية من العراق، إلا أنه لازال يُحكم برضى واشنطن واستحسان طهران وترقب خليجي وتركي من غير استبعاد المفاجئات…طبعا؟
حُكْمُ الإحتلال الأمريكي للعراق، ما بعد صدام حسين، أسس للطائفية، فضل الشيعة نكاية في السنة، وهمش السنة عقابا لهم على تأييدهم لنظام صدام، ووفر للأكراد الغطاء السياسي للاستقلال عن بغداد، كمقدمة مشجعة على الانقسام، وبذلك خلقت أمريكا منذ احتلال بلاد الرافدين بؤرا للانزلاق في وحل نهري دجلة و الفرات أو اللجوء هربا و إرغاما إلى غبار الرمال وذئاب الصحاري، وزرعت ألغاما في أسوار عاصمة المأمون وحولت أحياءها إلى «كانتونات» وجعلت من نفط العراق فتيلا لإشعال اللهب الدائم حول مائدة السلطة المؤثثة بجمار براكين الصراعات، تتقاذف حمما لمزيد من الحرائق والفرقة، لتعميق الجراح ما بين مكونات بلاد الهلال الخصيب.
هذه هي أبرز العوامل ربما الموجودة ظاهريا.. ! والتي جعلت العشائر والمدن العراقية تعادي حكومة بغداد وريثة نظام الإحتلال وتتماهى مع المعارضين لهذه الحكومة سياسيا منذ سنوات ثم مع أبرز معارضة لها عسكريا حتى الآن، وهي ما يسمى بـ «داعش» والمناصرين لها. وكانت داعش سقطت سنة 2007 من طرف مجالس الصحوات العشائرية وبالتحديد صحوات الانبار التي طردتها من مناطقها، لكن عوضا عن ان تبتعد السلطة عن التمييز الطائفي وتستثمر الصحوات تم تكريس الطائفية واستهداف الصحوات.
يبدو أن العقل العربي مغيب تماما عما يحدث حقيقة في كل الوطن العربي، وبات المثقف والأكاديمي تحت رحمة ما يستقيه من معلومات عبر المؤسسات الغربية وهذه المؤسسات لا تخفي خدمتها لمصالح بلدانها، الإعلام الغربي أيضا غير بريء تماما، ربما هذا الإعلام الغربي حر وديمقراطي ومهني وأخلاقي بما يخدم مصالح بلدانه، لكنه انتهازي وانحيازي عندما يجب عليه خدمة الديمقراطية والحرية والعدالة داخل البلدان العربية: طمس متعمد للحقائق وتمرير عكسها عن قصد. ما يحدث في البلدان العربية منذ الإستعمار وإلى الآن، تآمر على شعوبها لكي تبقى غارقة في التخلف تائهة ما بين أبواق الكذب و السجال العقيم بعيدة عن أفواه وأقلام المعارف وأفكار الحقيقة.
الوقائع والأفكار الحقيقية – ربما عن قصد- باتت تتجاوز الأكاديمي والمثقف العربي، خصوصا منذ ما قبل الربيع العربي وخلال الربيع العربي. وهل باتت تتجاوزه أيضا حتى ما بعد الربيع العربي؟ وهل أصبحنا في عالمنا العربي وداخل كل قُطر؛ هل بتنا فعلا، في حاجة إلى ذالك المثقف الموسوعي الإبيستيمي الرقمي الإلكتروني المعلوماتي الإعلامي الميتانقدي عوض ذلك المثقف الأصلي أي الملتزم بلغة سارتر والمثقف العضوي بلغة غرامشي، بمعنى المثقف الرسالي الذي يحمل قضية ويدافع عنها..؟
ربما بِتنا في حاجة حتما إلى بناء الذات معرفيا وعلميا، ومأسسة الأفكار أكاديميا، بتنا في حاجة إلى الثقافة الموسوعية العالمة عوض الثقافة الضيقة المأدلجة، بتنا في حاجة إلى ثقافة الحرية والإبداع والعطاء عوض ثقافة الشحن والإنكفاء والجمود، بتنا بحاجة إلى ثقافة الإختلاف والإنفتاح عوض ثقافة الأنا والإنغلاق.. لابد من قبول ثقافة الآخر كإغناء وإثراء وقوة، عوض قبول ثقافة الآخر كاستغلال فقط أو كرفض بسبب الخوف والنفور و التوجس..؟
عمر الدريسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية