نظريا كان أكبر رقم تعلمناه هو المليون ومضاعفاته، وكنا نجد صعوبة في قراءته بمنازل المئة ألف، ثم المئات، ثم العشرات، وبقي العلم نظريا للكثيرين لأن قلة من المواطنين استطاعوا الولوج الى عالم الملايين، ودخول النوادي الحصرية، وزادت في النظرية أرقام أخرى لا يصلها العدُّ البشري كالمليارات والبليونات والتريليونات التي لا نعرف هل كلها مترادفات متساويات، ولا نعرف كم صفرا لها، وهل من الممكن أن يحصلها فرد واحد بجهده في عمره البشري؟! وفي ظل هيكلة الرواتب، والاسم بذاته، له ظلال سلبية موحية تذكر بالهيكل العظمي المنزوع اللحم والدسم… والكرامة، فقد اضطرت الثلة العاملة والكادحة والمتعلمة من أبناء الوطن الى التوقف عن العمل في مهامهم النبيلة وخدماتهم الجليلة للمطالبة بتحسين ظروف معيشتهم، ومع ذلك لم تتمخض الحكومة، التي تبيع القطاعات الحيوية والشركات الوطنية الكبيرة بالملايين، لهم الا عن فتات وكأنهم يتسولون من لئام! بينما نسمع بالرواتب الخيالية التي لا نعرف عد منازلها للمفسدين المتنفذين وحاشياتهم، وباقي الموظفين يعدون فقط لثلاثة أو أربعة منازل ويعرفون الراتب الأساسي وخصوماته، ولم يسمعوا بالزيادات والحوافز وبنود التنقلات التي تشكل راتبا فوق الراتب، ولا يعرفون الجمع بين الوظائف الحكومية والاستشارات ومجالس الإدارات التي توصل الرواتب الى مئات الاف الدنانير في مؤسسات رسمية وشبه رسمية، ولها علاقة بالحكومة التي يزداد عجزها ازديادا مطردا ولا تنفع في حل عقدتها بعض منح تجميلية لا تصلح ما أفسدته السرقات، ولا ترتق فتق الفساد! ربما لا يعرف معظم الشعب العدَ بمئات الآلاف والملايين، ولكنه يعرف أن للحرام وزرا وضريبة تتلبس الإنسان في حياته، وتبقى في ذريته بعد مماته، ويلقاها تنتظره أمامه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، هذه الملايين التي نعرفها نظريا لن تعيد الاحترام والثقة لرجل قليل الأمانة أغنى وأسمن حتى ما عاد يتنفس وما عادت رجلاه تحملانه، وهو ليس رجلا واحدا، وإنما طائفة كبيرة من القطط السمان أرادت مائدة الوطن لنفسها، وأكلت الأخضر واليابس! نعم قد يكون معظم المواطنين فقراء وبلا مال، ولكن الأفقر منهم هم رجال لا يملكون الا المال! وهؤلاء سيسقطهم الزمن والناس، ولو بعد حين، ولن تنفعهم أموالهم التي باعوا من أجلها أنفسهم وذممهم وأوطانهم! ولو كانت الأموال تجلب سعادة أو تحفظ قوة أو تطيل عمرا لبقي مبارك فرعونا في مصر، ولعاش المليونير ناصر الخرافي المتصدر في لوائح أغنياء العرب والعالم مئات السنين كسيدنا نوح عليه السلام، ولكنه مات في متوسط عمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والناس الان يتناقلون على الانترنت ايميلا بعنوان ‘آخر منازل ناصر الخرافي’ والذي تتوقع قبل أن تراه أن ترى ما لا عين رأت، من أروع ما تفتقت عنه الهندسة والديكور والزينة فتفاجئوك صورة قبر يعلوه. شاهد بالاسم يذكرك بهذا المنزل الذي قد يتفوق فيه خالي الوفاض واليدين من المتع على من ملك الدنيا، وصدق بيرم التونسي إذ قال: قال: إيه مراد ابن آدم؟
قلت له: طقه.
قال: إيه يكفى منامه؟
قلت له: شقه.. قال: إيه يعجّل بموته؟ قلت له: زقه.. قال: حـد فيها مخلّد؟
قلت له: لأ.
د. ديمة طارق طهبوب