مختار العريشي’ماذا لو علمنا أنه عندما فاز حزب المحافظين بالانتخابات البريطانية في ايار/مايو 2010 لم يقم الحزب العمالي بتسليمه السلطة عن طواعية، وأصر الأخير على أن الانتخابات كانت غير عادلة أو نزيهة.. ماذا لو أن براون رفض الاعتراف بالهزيمة في الانتخابات وأصر على البقاء في السلطة لفترة أطول، ماذا كنا سنفعل؟ تخيل لو اكتشفنا أن هنالك خيوطا خفية في الانتخابات ووجدنا أن المحافظين قاموا بالتخطيط المسبق لربح الانتخابات البريطانية بالتعاون مع بعض الدول الخارجية والأجنبية، حتى يتمكنوا من الإطاحة بالخصم التقليدي حزب العمال.
في الحقيقة إننا على وعي من أن أغلب الشعب البريطاني كان يرغب في التغيير الداخلي والتطور وإصلاح البلاد من الفساد، مثله مثل أي شعب حر، مع اننا كنا نعرف أن الشعب البريطاني في أسوأ حالاته كان ينعم بالخير والاطمئنان والأمن. لأننا نعرف أن هنالك فقط فئة قليلة من الشعب هي التي كانت تطمح الى التغيير الجذري للسلطة والإطاحة ببراون لتحقيق أطماع معينة، لأن حزب المحافظين لم يفوز بالانتخابات بأغلبية ساحقة، حيث اضطر إلى الإئتلاف مع الحزب الديمقراطي. مع هذا كله تخيل لو أن ليبيا ومعها بعض حلفائها قامت بشن حملة ضد براون من أجل أن يترك السلطة بالقوة وترغب في تغيير بلاده بدعمها المطلق لكاميرون… وتجتمع هذه الدول في محافل مختلفة وتصدر قراراَ جماعياَ بأن مستقبل بريطانيا لن يكون مع هذا الحزب، وأن براون ليس له أي مستقبل سياسي.
تخيل لو أن القذافي يخطب في شعبه والعالم قائلاَ: على براون أن يترك السلطة وأنه لم يعد الممثل الشرعي لبريطانيا، وأنه لا يمثل الديمقراطية الحرة التي تفهمها ليبيا ومجتمعها الدولي. ماذا سيكون رد فعل البريطانيين وأحرار العالم؟ من كان سيقبل لو تدخلت ليبيا في الصراع الداخلي بين بريطانيا وايرلندا أو في فرنسا في مقاطعة بروتان أو في اسبانيا في مقاطعة الباسك.
تخيل لو أن ليبيا بقيادة العديد من دول المجتمع الدولي تشن حصاراً وهجمات عسكرية لضرب بريطانيا من أجل تخويفهم وردع براون وإرغامه على الرحيل. هل من الممكن لليبيا أن تتدخل في الشوؤن الداخلية لدولة أخرى واستخدام القوة بمبررات واهية وإعلامية؟ هل من المعقول أن تُدك البيوت على رؤوس أصحابها وتخرب البلاد من أجل تغيير نظام الحكم فيها؟ ما هي الموازين والمعايير التي توزن بها القضايا حتى يتم إعطاء الحق لدول أجنبية وخارجية بالتدخل في شأن داخلي محض؟ ما الغاية من قصف الإذاعة الليبية ومخازن الأغذية والمؤسسات المدنية والعسكرية؟
في الحقيقة كان من الأجدر ترك ليبيا لليبيين يتصافون مع بعضهم البعض أو دفعهم أو تشجيعهم على الحوار الداخلي، فالليبيون أعرف بأنفسهم من غيرهم، في أسوأ الحالات تفويض الدول العربية لحل هذا النزاع. كما أن الليبيين لم يكونوا يوماً من الإيام أمريكيين أو بريطانيين أو حتى إيطاليين، حتى يسمح بمشاركتهم في تسيير البلاد، والتغيير كان من الأفضل أن يأتي من الداخل ـ الذي أصلاَ أُعد له مسبقا وكان سوف يطرح في آذار/مارس 2011 ـ لأنه سيكون بالتأكيد سلمياً وليس دموياً، يتماشى مع السياسة الداخلية، بحيث يحمل أجندة داخلية وليس خارجية، وأخيراً يكون تدريجياً وليس فٌجائياً بحيث لا يهدم قواعد ومبادئ المجتمع الليبي. إن هذا الطرح قد يجده البعض نوعاً من التخريف والتجديف السياسي، أو نوعاً من الغُلُو والتطرف الذي يسيطر على عقول غير واعية، ولكن القضاء على سيادة شعب، وتفريق لُحمته، وتضييع ثرواته يجعلنا نقلب الموازين والمعايير التي تقاس بها الأمم والشعوب. إن ما يقوم به الناتو من ضربات ليس الغرض منها القضاء على القذافي أو قواته، بل تستهدف تدمير البلد الآمن، الذي إلى الآن دمَرت معظم بنيته التحيته ـ الكل يعرف أن ليبيا تحاول إعادة بناء هيكلها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بعد فترة الحصار الطويلة والعداء مع الغرب، الذي يتم للأسف الشديد تدميره بدواعي نشر الديمقراطية والحرية، وبتواطؤ عربي وداخلي مُخز. لماذا يتم تأديب طرابلس والمناطق الغربية والوسطى والجنوبية من البلاد؟ أليس لأنهم لم ينفذوا الأجندة الخارجية، كما نفذها أهل الشرق الليبي. هل الغرب الآن يقتل هؤلاء بدم بارد وكأن القنابل التي يقصفون بها هي أزهار!
إن السبب في افتعال مثل هذه الأزمات هو إشغال الليبيين في مشاكل جانبية، تبعدهم عن مظاهر الاستقرار الاقتصادي والسياسي الذي يحتاجونه في هذه الفترة. هذه الأزمات تساعد على فرض الهيمنه الإمبريالية على هذا الشعب من خلال السيطرة على منابع ثرواته النفطية والتحكم في اقتصاده. إن التواطؤ بين الداخل وبعض الدول الغربية يحمل في طياته تناقضاً في الهدف، واتفاقاً في السلوك، وانسجاماً في الموقف.
أما التناقض في الهدف؛ فهو ان كلاهما يطمح إلى إسقاط نظام القذافي وتغيير الوضع الجيوسياسي لليبيا، ولكن هدف الغرب هو السيطرة على مستودعات النفط والغاز القريبة منه وتمرير برنامج سياسي يحمي (إسرائيل). أما الاتفاق السلوكي؛ فكلاهما يعمل على تخريب البلاد وتشريد العباد. أما الانسجام في الموقف؛ فكلاهما متفق على تبني سياسات ومناهج تساعد في فرض الهيمنة الغربية على مقدرات الشعب الليبي، فقد ظهرت تحالفات ووعود تعد بعودة المستعمر الأجنبي وبعلاقات جيدة مع (إسرائيل). ولا يبقى لنا ـ بعد هذا كله سوى التساؤل ـ هل تساءل اولئك المتعاونون مع الغرب ضد أبناء الوطن ماذا يريد الغرب في المقابل؟ أليس من المنطق أن يُدرك هؤلاء مدى الدمار الذي لحق بالبلاد والعباد؟’ أستاذ جامعي ليبي مقيم في بريطانيا