الدور القاتل: (بخصوص الفيلم الإسباني ‘الزنزانة 211’)

حجم الخط
0

عبد اللطيف البازي

يندرج فيلم ‘الزنزانة 211’ ( 2010) للمخرج الإسباني دانييل مونزون Daniel Monzon ضمن ما يمكن تسميته بسينما السجون (من منكم يتذكر فيلم ‘الفراشةPapillon ‘(1973) للمخرج Franklin J. Schaner أو فيلم ‘الخط الأخضر La Ligne verte’ (1999) للمخرج Frank Darabont .(هو عمل يأخذ بتلابيبك ويجعلك تلهث من البداية إلى النهاية لتضمنه عدة توابل ومؤثرات فنية وتقنية ولاستناده على خلفية فكرية لا تعلن عن نفسها بسهولة، ذلك أنه يسائل، بذكاء وبشكل موارب، مفهوم الصدفة ودورها في توجيه حيواتنا وفي جعلنا نسلك سبلا ما كانت تخطر لنا على بال. يحكي الفيلم قصة الموظف خوان الذي التحق ذات مساء بمقر عمله الجديد بأحد السجون الإسبانية وتعرف على زملائه واستمع إلى شروحات حول تفاصيل مسؤولياته، غير أنه أحس بدوار مفاجئ فقصد الزنزانة 211 الفارغة ليرتاح فيها إلى أن يستعيد قواه. وفي تلك اللحظات بالذات اندلع تمرد عنيف قاده سجناء كانوا يطالبون بتحسين أوضاع اعتقالهم، وكان على رأس التمرد زعيم ذو جاذبية خاصة جعلته يتحكم في أتباعه بسهولة وجعلت هؤلاء الأتباع يستمتعون بتنفيذ أوامره. وكان أن اضطر ذلك الموظف، الذي تلقى تكوينا ليصبح مراقبا ضمن مؤسسة للضبط الاجتماعي، إلى أن يتخذ هيئة سجين ويتماهى مع هذا الدور لينقذ حياته آملا أن يسترجع وضعه الأصلي حينما تهدأ الأوضاع.’ويبدو أن كان مقنعا إلى درجة جعلت باقي المعتقلين يعتبرونه بطلا وصار له تأثير كبير في تسيير دفة الأحداث. لكن هذا الدور المؤقت دام أكثر من المتوقع وسيتبين لنا فيما بعد أنه دور قاتل ومدمر لحياة خوان وحياة أسرته. والسجن هو بالطبع مرادف للانغلاق وللانسحاق لذا فالشخصيات تتحرك ضمن فضاء ضيق ومضغوط مما جعل أداءها يشبه الأداء المسرحي خاصة مع وجود كاميرات مبثوثة تراقب الحركات والسكنات، وإن كان هؤلاء المعتقلون شرعوا في التحكم فيها وفي توظيفها لصالحهم عبر ‘إخراج’ مشاهد تعتمد على الحركة المتواصلة وعلى عدد كبير من الكومبارسات ذوي الأداء المقنع جدا لإيصال رسائل معينة إلى إدارة السجن وإلى الرأي العام متعلقة بمطالبهم وصمودهم. ولقد اعتمد الفيلم بشكل أساسي على تقنية التشويق لشد انتباه المتلقين خاصة مع سيادة التوتر والتغير المتتالي لموازين القوى ما بين الإدارة والمعتقلين وما بين المعتقلين أنفسهم، ثم مع تتابع جرائم القتل والانتقام وتصفية الحسابات مما قوى حالة الترقب لدى المتلقين الذين سيتساءلون طوال الوقت إن كان باقي المعتقلين سيتفطنون إلى أن خوان هو سجين مزيف وأن رهاناته تختلف عن رهاناتهم، بالإضافة إلى ذلك، حرص المخرج على عرض تفاصيل حميمة لقصة الحب التي تجمع بين خوان وزوجته إلينا الوديعة الحامل في شهرها السادس، وهي القصة التي كانت بمثابة رابط بين عالم السجن المحدود والعالم الخارجي الرحب، إلى جانب رابط ثان مثله معتقلون سياسيون ينتمون إلى منظمة إيتا الانفصالية تم احتجازهم من طرف المتمردين كرهائن للضغط على إدارة السجن، مما أتاح لنا الفرصة لنستمع إلى بعض الآراء والسجالات بخصوص قضية بلاد الباسك الشائكة. هذه المستويات المتداخلة جعلت من هذا الفيلم، الحائز على جائزة غويا Goya لأحسن فيلم إسباني لسنة 2010، عملا ذا بناءات عدة ومستويات متباينة يستجيب كل مستوى منها لفضول وانتظارات شريحة معينة من المتلقين: فهنالك مستوى الحركة والشجارات التي لا تتوقف والمؤامرات والتجسس والتوجس وهو مستوى موجه للجمهور الذي تجذبه تلك الأجواء، ومستوى ثان فكري يدعو إلى التأمل فيما يقع واعتبار أن السجن هو عالم مصغر قد يكشف لنا عما يعتمل في النفس البشرية من تجاذبات صحية أو عدوانية، ومستوى ثالث رومانسي تمثله علاقة خوان بزوجته الشابة. وتعدد المستويات هذا هو على الأرجح أحد أسباب نجاح الفيلم جماهيريا ونقديا. وكما كان متوقعا، انفجر الوضع داخل السجن وعمل رجال أمن متدربون على القضاء على التمرد، وسيتدخل الموت بحدة في أكثر من مرة ومن سياق بعد أن تدخل في بداية الفيلم، حينما انتحر سجين لأسباب غامضة بالزنزانة رقم 211 ، وهذا ما يفسر أنها كانت فارغة لحظة اندلاع الاحتجاجات. وسنعاين مقتل إلينا ببوابة السجن على يد موظف متعنت سيذبحه خوان انتقاما لزوجته، قبل أن يقتل هو الآخر رفقة العديد من السجناء على يد فرقة التدخل الاستثنائي مما يجعلنا نتساءل مرة ثانية: ما تأثير الصدف في حياتنا؟ وهل حياتنا هي عبارة عن سقوط متتال لقطع لعبة الدومينو لا يمكن البتة إيقافه بعد السقوط الحاسم للقطعة الأولى؟ وستظل الأسئلة معلقة وسيصلنا في المشهد الأخير صوت أحد المحققين فيما وقع من أحداث ومآس ٍ وهو يستفسر: هل هنالك من سؤال إضافي؟ ذلك أنه من المؤكد أن المتلقي في هذه النوعية من الأفلام يكون دون أن يشعر في وضعية تلصص، تلصص مشروع ومقبول لأن الوضعية التي يضيئها هذا الفيلم تحديدا هي وضعية حدية ليس من المتأتى ولا من المفترض ولا من المرغوب فيه أن يعيشها الجميع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية