نصر شمالي
تعصف بالعرب عموماً فصول جديدة، نوعية متطورة، من فصول الحرب المصيرية المفتوحة ضدّهم منذ أكثر من قرن. لقد تصاعدت هذه الحرب في العقد الأخير باحتلال العراق، لتبلغ اليوم حداً من الضخامة والاتساع والتعقيد جعل الكثيرين ينصرفون تماماً عما حدث في بدايات هذه الفصول الحربية الجديدة، ويستغرقون في وقائعها الراهنة الآنية، أو في محطّتها الحالية غير الأخيرة، فكأنما استيعاب فصولها مجتمعة فوق طاقة أذهانهم، وكأنما التعامل مع هذه الفصول المتكاملة فوق مقدرة أدواتهم.
والحال أن ما يحدث الآن في سورية أو ليبيا أو اليمن لا ينفصل أبداً عمّا حدث ويحدث في فلسطين أو لبنان أو العراق، وفي السودان أو الصومال، وفي أفغانستان أو باكستان، غير أنّ البعض ينشغل تماماً بكل حدث مستجد، فينسى الحرب في العراق لانشغاله بحرب لبنان، وينسى انتفاضة تونس أو مصر لانشغاله بانتفاضة ليبيا أو اليمن أو سورية.. وهكذا، الأمر الذي يذكرنا بتلك الحكاية التي تقول انّ رجلاً اعترضه اللصوص وانفردوا به، وانتزعوا بداية ساعة يده فراح يناضل لاستردادها، ثم انتزعوا محفظة نقوده فراح يناضل لاسترداد المحفظة ونسي الساعة، وعندما انتزعوا معطفه راح يناضل من أجل معطفه فقط ونسي المحفظة والساعة، أمّا عندما انتزعوا سرواله فقد راح يقاتل لاسترداده ناسياً كلّ ما عداه.. الخ.
في مواجهة المستجدّات الراهنة لهذه الحرب الرهيبة الهائلة، المعقدة أشدّ التعقيد، يبدو البعض من المخلصين، الأكثر حساسية والأشدّ قلقاً، الذي لا يملك أسلحة للمواجهة غير دماغه ولسانه وقلمه، وكأنه عرضة لقشعريرة حمّى تلفّ لسانه وتكبّل قلمه، أو للإصابة بالجلطة الدماغية دفعة واحدة! وكيف لا يكون حال هذا البعض كذلك وهو يرى العراق وقد تحوّل إلى ما يشبه ذكرى قديمة، كأنما تجاوزته الوقائع والأحداث المعاشة! كأنما جرى التسليم بمآله الخاص البائس، وجرى تجاوز هذا المآل، والانصراف إلى المستجدّات، على الرغم من تواصل دويّ الانفجارات ومصرع العشرات والمئات يومياً في المدن العراقية.
إنّ ما يفترض هو أنّ العرب عموماً لم ينسوا بداية عمليات احتلال العراق، وتلك التهديدات الأمريكية لعدد من العواصم العربية ‘المتخلّفة والمستبدّة’ حسب الوصف الأمريكي، وأولها القاهرة والرياض ودمشق، حيث تعهّد القادة الأمريكيون بأنهم ما أن يستكملوا احتلال العراق وضبطه (خلال أسابيع!) حتى ينتقلوا على الفور إلى السيطرة المباشرة على العواصم المذكورة وتغيير حكوماتها، لقد حدث هذا في العام 2003، أمّا في العام 2006 فقد تغيّر الخطاب، حيث راح الرئيس الأمريكي يحذّر من أنّ تصاعد العمليات ضدّ قواته المحتلة في العراق يمكن أن يفضي إلى فراغ في المنطقة يشغله الأصوليون الذين يريدون الإطاحة بالأنظمة العربية الحاكمة بعد دحر الأمريكيين في العراق (إذاعة لندن 6/10/ 2006). في ما بعد تحوّلت الأنظمة العربية ‘المستبدّة والمتخلّفة’ من أنظمة ينبغي إسقاطها في نيسان/إبريل 2003، إلى أنظمة ينبغي حمايتها والمحافظة عليها والتعاون معها في تشرين الأول/أكتوبر 2006، وذلك نتيجة صمود وفعالية المقاومة العراقية العظيمة، التي جرى لاحقاً اختراقها وحرفها عن مسارها بمساعدة الأنظمة المستبدّة والمتخلفة، وبمساعدة تحالف الخيانة والانتهازية والجهل في العراق، فكان أن دعا الرئيس الأمريكي حينئذ حكومات جامعة الدول العربية إلى اجتماع تعالج فيه خطر تدخل إيران في العراق أولاً، وليس خطر الاحتلال الأمريكي للعراق أولاً، فكان ذلك بالفعل، ولا يزال موقف المستبدّين/ المتخلّفين من العراق كذلك حتى يومنا هذا، حيث مشكلة العراق من وجهة نظرهم تقتصر على النفوذ الإيراني الذي ينبغي دحره لصالح النفوذ الأمريكي.
كان الأمريكيون، الذين انتكس مشروعهم الإقليمي/الدولي في العراق، قد انصرفوا بطاقاتهم الرئيسة إلى إنقاذ أهدافهم ومشاريعهم في العراق حصراً، وذلك بالنجاح في تشكيل حكومة عراقية تابعة، يساندها جهاز أمني عراقي مزوّد بأسلحة خفيفة، وتقوم بمهام القمع والقتل نيابة عنـــهم، بينما هم يعملون على أربعة محاور: المحور الأول هو وضع اليدّ على النفط العراقي بمنابعه ومجاريه وأسواقه. والثاني هو تحويل العراق إلى قاعدة عسكرية تستقرّ فيها القوات الأمريكية. والثالث هو إطلاق يد القوى العراقية التابعة والشركات الخاصة الأجنبية في الجسم العراقي تنهكه وتفسّخه وتحوّله إلى نفايات. والرابع هو الانطلاق من القاعدة العراقية، ومحاولة السيطرة على دول المنطقة بطرق أخرى.
لقد أصبح رصيد الأمريكيين الأهمّ، على صعيد المنطقة العربية عموماً، هو استقرار وجودهم العسكري ـ السياسي ـ الاقتصادي في العراق، والتسليم بهذا الوجود من قبل الأطراف الإقليمية، وتجاوزه إلى المستجدّات العربية، كما لو أنّه أصبح وضعاً طبيعياً بحكم الأمر الواقع كأنّما هو كذلك منذ مئات السنين. ومن المضحكات المبكيات أنّ الأمريكيين يتحدّثون أحياناً (كذباً طبعاً) عن استعدادهم للانسحاب قريباً، فتسارع الحكومة العراقية إلى الحديث عن ضرورة بقائهم، وهذه اللعبة تتكرّر اليوم في ليبيا، حيث يجري عمداً تأخير حسم الوضع لصالح الوضع الجديد، وحيث يتطاول عمداً زمن العمليات الأطلسية الحربية، ريثما تكتمل السيطرة الأطلسية الأمريكية، وينتهي توزيع الحصص من الغنيمة الليبية على الأطراف الدولية.
إنّ انصراف كلّ من الانتفاضات الشعبية العربية إلى مشكلتها الخاصة المباشرة، في دويلتها الخاصة المحدّدة، والانشغال التام بالجانب الشكلي السطحي والفرعي الثانوي لمأساتها على فظاعته، وعدم التركيز على جذر المأساة التاريخية الوجودية، إلى درجة تجاوز مآل العراق في خطابها وأدائها، يعني أنّ أخطاراً عظيمة تحيق بهذه الانتفاضات مهما كانت طاهرة ومخلصة وشجاعة، ويعني أنّها جميعها عرضة للاحتواء كما حدث في ليبيا، وكما يخطّط لليمن وسورية، فمن لا يرى تشابك فصول المأساة العربية وتكاملها لا يرى قضيته على حقيقتها، ومن يتجاوز مآل العراق يمكن أن يجد نفسه مستقبلاً وقد تجاوز مآل بلده، فمثلما لا يمكن لصنعاء، مثلاً، أن تعمل بمعزل عن تعز أو الحديدة، كذلك فإنّ اليمن (أو مصر أو تونس أو سورية أو ليبيا) لا يمكن أن تعمل بمعزل عن العراق وعن فلسطين، ولعلّ هذه الانتفاضات، على الأرجح، سوف تتلافى الوقوع في الأخطار المحدقة، بقيام جامعة عربية شعبية تجعل النضال مشتركاً مجدياً، والمآل واحداً محموداً.’ كاتب سوري