انطباع عن ديوان شعري: مشهد مؤقت للغراب الذي جاء به الأغراب

حجم الخط
0

حسن النواب

لا ادري لماذا اشعر بالحرج عندما اقرر الكتابة عن منجز ابداعي لصديق او عن مبدع يشرف على صفحة ثقافية انشر نتاجاتي فيها، ومكمن الحرج ربما يعود الى اقاويل لا احبذ ان تصل الى مسامعي من اناس يتزينون بثوب الثقافة ويحسبون بهتانا على متن ناصية الإبداع وهم في الحقيقة لا في العير ولا في النفير. وربما ايضا حتى لا يظن ذلك الصديق او المشرف على صفحة ثقافية ان يَراعي يحاول تجميل صورته الإبداعية والتي هي في واقع الثقافة لا تحتاج الى لطخات حبر من قلمي المتواضع، ولذا اجد ان ابداع الصديق الذي يصلني يدعني في حيرة من امري فثمة رغبة عنيفة للكتابة عن منجزه الإبداعي تقف مانعا امامها تلك التأويلات التي تشب في رأسي عندما اشرع في الكتابة عنه. ولا أخفي القارىء ان هناك اكثر من انطباع كتبته عن منجز ابداعي لصديق وقد احتفظت بتلك المقالات في ملف واتمنى العودة اليها مستقبلا، اليوم احاول نسف تلك التساؤلات المقيتة التي كانت تعترض نشر تدوين قلمي عن ابداعات الأصدقاء بعد ان وصلني وفي صباح ماطر على بريد البيت ديوان شعر للصديق حميد سعيد كان قد نشره في ‘دار أزمنة’ عام 2008 ولم اكن قد سمعت به من قبل. وحين تصفحت اوراقه اكتشفت ان مجمل القصائد التي ضمها الديوان كنت قد قرأتها منذ امد طويل على الصفحات الثقافية من جريدة ‘القدس العربي’، والحقيقة ان معظم قصائد الديوان انما احتفظ بها بملف خاص على الكمبيوتر وكنت قد كتبت عن بعضها انطباعات في ساعة صحو وعن القصائد الأخرى في لحظة نشوة، ولما اردت ان اضع تلك الكتابات في كفة ميزان لا يميل وجدت ان ما كتبته في لحظة الغياب والنشوة كان اكثر عمقا ووجعا من ذلك الذي كتبته ساعة صحو، وهذا لا يعني البتة ان قدرة التدوين عندي تبدو اكثر صفاء في ساعة الغياب، فقد اخبرتكم سابقا ان لحظة الكتابة عن صديق هي امتحان حقيقي لنزاهة جنوني وحساسية ضميري ازاء المنجز، وليس بالضرورة ان تكون احكامي او وجهة نظري صحيحة ومكتملة البيان، بقدر ما احرص على ان ابرهن على ان الإبداع عندما يتشكل بوسعه ان يطرق ابواب الطرشان قبل ان يلج الى طقوس الذين يبصرون الإبداع بعيون مظلمة. وديوان الصديق حميد سعيد ‘مشهد مختلف’، وهذا هو عنوانه، ذكرني على الفور بمجموعة شعرية سابقة له كانت بعنوان ‘فوضى بغير أوانها’ .. وقد اصدرها بتوقيت حرج ومقصود حين اصبحت الثقافة العراقية في ‘حانة ومانة’ بعد قرار ابن الرئيس ان يكون عرابا للثقافة العراقية في حينها حتى قلب ثقافة البلاد عاليها سافلها، وها هو الشاعر البابلي حميد سعيد يعود مرة اخرى بتوقيت مقصود ايضا ليصدر مجموعته الشعرية ‘مشهد مختلف’ ونحن نرى معه ان ارض السواد تستباح من غزاة بلا رحمة لإزاحة ديكتاتور عن انفاس الشعب، ولا احد من الشعراء يعترض عندما يرى الشعب بوسعه ان يتنفس حرية كان محروما منها لعشرات السنين، ولكن ما من شاعر ايضا يرتضي ان يرى تراب وطنه يداس بمسرفات الغزاة، ولذا جاء عنوان الشاعر حميد سعيد بديوانه واخزا ولكن بهدوء.. اجل انه مشهد مختلف لم يألفه الناس من قبل.. وان الاحتلال كنا نسمعه من اجدادنا وآبائنا عندما غرس مخالبه السود في طين البلاد ابان دخول الإنكليز الى بغداد بقيادة الجنرال مود.. لقد تكرر المشهد التراجيدي كرة اخرى ولكن الشاعر هذه المرة كان شاهدا عليه لا مستمعا اليه مثلما كان من قبل.. وحين نطالع قصيدته المعنونة ‘ما يشبه الخراب’ .. بل هو الخراب والتي كانت مفتتح الديوان وقد اهداها الى زوجه وابنته وابنه بإيحاء ينشده ايضا.. كما لو انه يقول لهم ان ما سمعته من جدكم عن احتلال الإنكليز من قبل فإن الاحتلال العصري!! الذي يحدث الآن احرص على ان تسمعوه مني ولكن بشكل قصيدة، على الرغم من ان عائلته قد شهدت تفاصيل هذا الغزو للبلاد مثلما رآه.. لكنه اراد ان يؤكد لهم ان القصيدة التي كتبها ستكون شاهدة على ذلك الأسى.. يقول حميد سعيد:

كما ترى في صورة قديمة.. ما كنت شاهدته من قبل.. هل اعرف هذه الوجوه.. هل مررت من هنا.. وواضح من المقطع اعلاه ان الشاعر في ذهول عما حدث.. لكنه في الواقع لم يكن رأى هذا الاحتلال كيف يكون شكله من قبل انما سمعه في صورة قديمة على لسان جده او ابيه او قرأ عنه في الكتب.. وها هو يراه الآن.. لا يريد الشاعر ان يصدق فهذا تراب وطنه قد دنس من الغزاة.. ويعود الشاعر مستنجدا بشهقات ذبيحة عندما يقول:

دم على المسلة الاولى.. على الملحمة الاولى.. على القبابدم على المتن.. على هوامش الكتابدم على الثياب.. دم على التراب.. دم على حدائق الله.. على الجوري والصندل والنعناع.. ويبدو ان الشاعر قد تواشج دون ان يدري مع قصيدة قديمة لصديقه سامي مهدي تتكرر بسطورها مفردة دم من بدايتها حتى خاتمتها.. لكن حميد سعيد وان كانت سورة الغضب والتأثر قد تمكنت منه بسطور من القصيدة بيد ان فطنة موهبته وحساسية الشعر اللتين يتحلى بهما تعودان مرة اخرى لقيادة جموح قصيدته بصورة باهرة وموجعة حد ايقاظ النار في نخاع الروح لنا ولزوجه ام بادية حين يخاطبها باسمها كما لو انه شاعر انبثق من المعلقات قائلا:

لا تعجبي من كل هذا يا نفيل.. كل هذا من خصال الوطن المباحتسألني.. ان كان هذا الصخب الوحشي.. يغدو بعد حين وطنا؟!

وينضج البرحي في اوانهيعتذر القاتل للقتيل.. والقتيل للقاتل!! يأمن الناس على احزانهم.. يا انت.. يا حمالة الأوجاع.. علمي الأطفال.. ان في بلادنا غرابجاء به الأغرابوحين نصل الى قصيدته ‘رسالة اعتذار الى ابي جعفر المنصور’ .. تستقبلك جزالة اللغة وبلاغة الكلام وسبر معناها العميق بموسيقى شجية مجبولة بالتصوف والتبتيل كما لو انها قادمة من آيات في كتاب الله.. والشاعر حميد سعيد هذه منطقته الشعرية المفضلة التي بوسعه ان يسخرها كما يشاء مثل ساحر محترف وكما يريد جنونه ونزواته التي تكشّفت لنا دون استحياء هذه المرة، وقد جمع التناقضات الإنسانية في بوتقة شعر ساطعة بالرؤى والأمطار.. يقول حميد:

اورثتنا حلما جميلاايها الحلم الجميلمذ جاء عبد الله يحملها الى الضفتين.. شمسا ًتتبغدد الأقمار.. خرج النواسيون من اسرارها الأولىمذ كان عبد الله.. اطلق في ملاحمها الوعولتتعلم الأنهار من لألاء فضتهاوتصهل في مواسمها الخيولتلك ابواب ثمانية.. تزاحم عند سدرتها الفصولمن اي باب.. تخرج الدنيا.. وتدخل كل اغنية بتوللقد عمدت الى عرض هذا المقطع بتصرف شخصي قد يختل به الوزن الشعري، لكني سعيت الى تسليط الضوء على مقدرة الشاعر وبراعته في قيادة زمام المفردات الى ناصية الشعر دون عناء او تكلف.. وتبقى المتناقضات الإنسانية في هذه القصيدة مكمن شعر يضج بالفكاهة السوداء ويمكن ان تراها بجلاء من خلال هذا المقطع الشعري.. يتعايش الخلعاء والفقهاء فيهاحيث تلعب في حدائقها.. العصافير الشقية والصقوريتحاور الثمل المشاكس في جواز الشك والإيمانوالشيخ الوقورلا يتعب الثمل المشاكس.. من متاهات الخمارولا يضيق بمكره.. الشيخ الوقور اما قصيدة مقامات بغدادية فبقدر ما تجمع هذه القصيدة من موروث وفلكلور بغدادي بين دفتيها بقدر ما تفصح ايضا عن ولع الشاعر بوطنه (بغداده) تحديدا.. اذ يقول:

القوالون.. يغتصبون عفاف المعنىوالطبالون.. يذلون شموخ الحزن الطالع من لحن الرستيا خلق.. أفيكم من شاف حبيبي؟.. يا ناسافيكم من يعرفه؟.. يا انتم.. يا من سألوا عن حبيبي؟

ان حبيبي.. غر وقليل وفاء وكما هو واضح ان الشاعر حميد سعيد ترجم اغنية عراقية شائعة ضاربة بالوجدان الى لغة عربية فصيحة.. لكنه نجح في زرعها في متن النص الذي يحمل المقامات البغدادية.

وكل ما اخشاه ان الغر والقليل الوفاء الذي يقصده الشاعر في القصيدة اكون انا. وهذا يعني ان الظلم صار يتجول في حديقة جنون الشاعر حميد سعيد ايضا وهذا ما استبعده حتى يوم الدين. ولأني ادرك ان الصفحة لا يمكن ان تستوعب جميع انطباعاتي عن هذا الديوان.. آملا العودة إلى الكتابة عن قصائده المتبقية في فرصة اخرى قبل ان تمتد النار الى اللغة البيضاء، ويقيني ان الشيخ الوقور لا يضيق ابدا من مكر الثمل المشاكس ما دام الشاعر يقول:

هل كنت تدرك.. ان في الطين العراقي.. استفاق الطيب؟. ‘مشهد مختلف’ ـ ديوان شعر للشاعر حميد سعيد ـ دار أزمنة’ شاعر من العراق يقيم في استراليا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية