صورة الناقد لا تشبه تماما صورة الشاعر، لان استراتيجية التسمية ستكون مختلفة، وان ادوات لعبهما ستفضي الى اشكال مفارقة، وربما سيذهبان باتجاهين مختلفين، اذ يمارس الناقد طقوس لعبته بكل كشوفاتها وانزياحاتها وتناصاتها عبر وظيفة المرقاب، وعبر التلصص، وعبر الاشتباك…والشاعر يمارس اللعبة عبر الانغمار السري بعرّي اللغة او بشهوة تقشيرها، يسوح في عوالمها مسكونا بالاستعارات التي لا تحتاج الى المرقاب قدر ما تحتاج الى غواية النص.
سأستعيد هنا صورة الناقد محمد صابر عبيد بوصفه صاحب المرقاب، والرائي الذي يضع الوجود في افق اللغة، ويصطنع له مجموعة من السيرورات التي تجعله خاضعا لفعل القراءة…وسأترك صورة الشاعر الذي يهجس قلقا تحت قميصه، بوصفه صاحب الاخطاء، وصانع الغوايات التي لا يطمئن اليها الناقد كثيرا، اذ يكون الناقد هنا هو الحكيم والعارف والطلسمي….
محمد صابر عبيد يصطنع لوظيفة هذا الناقد مجالا متفوقا من (اللعب الثقافي) اذا صحت التسمية، ومن (المعرفة السرية) التي يؤسس من خلالها لبنيات اشتغالاته مسارات، وخرائط، وطقوسل وافكارا تسبغ على الوظيفة الثقافية للنقد سلطة نسقية حاكمة، فضلا عن حيازة الكثير من الاجراءات التي تتجاوز ماهو ادبي، الى ما يشابه مجاورات اللغة، حيث احتفائية الازياء والالوان، والمعرفة، والتحليل والتشكيل، وبما يضع (الصناعة النقدية) في جوهر الفرجة، وفي سياق الفعل الكلياني للثقافة، اي اخراجها من السياق الى النص، ومن التاريخ الى اللاتاريخ، حيث الانشغال ببوطيقيا الانقطاع المعرفي، الذي يشعرّن النص الثقافي/ النقدي، بوصفه نصا للوجود المتحول، وحيث وظيفة تجريد التاريخ من مهيمنة المقدس والابوة لصالح ابراز وظيفة الفرجة بوصفها المادة النصوصية الجامعة والكاشفة، وبما يمنح الناقد بوصفه (قارئا متعاليا) طاقة توليدية، تكون فيها رؤيته للنص النقدي متعالقة بتلك وظيفته الجامعة…
تميز الاشتغال النقدي لمحمد صابر عبيد منذ سنوات بهاجس المراقبة، اي البحث في اللغوي/ اللساني عن ماهو مضمر، ذلك الذي يحيل الى التأويلي والسيميائي ذي المجرى الاستعمالي. هذا البحث تحول على مدى تراكم الخبرة الى قصدية، والى معرفة لها منظومتها الاشتغالية، ولها اجراءاتها، اذ تحول فيها هاجس المراقبة الى هاجس للسؤال، السؤال الانطولوجي وليس التاريخي، وهذا ما اكسب وظيفة الناقد مهارة التصيّد في فضاء من التعويم التاريخي والاجتماعي والسياسي، وجدية ان ينتقل الناقد الى وظيفة صانع المتعة، اي صانع لعبة فك الطلاس، وتاويل النصوص وفهرسة المدونات، وتصميم الازياء، والالوان، وطبعا هذه الوظائف ليست ادبية مجردة، بقدر ماهي انغمار قصدي في الوظيفة الفينومونولجية، تلك التي تصف النص والفكرة والمعنى عبر مرقاب الوعي، الوعي الذي يتقنّع بلبوس الرمزي والاجتماعي والسيميائي والمزاجي، وبما يجعل النص النقدي بوصفه نص المرقاب اكثر قدرة على بلوغ سرائر الانساق الكامنة، وعلى استكناه مايجاور اعتباطية المركب اللغوي في دلالته ومدوله..
هذا التوصيف يضع النص النقدي عند محمد صابر عبيد بمثابة ترسيمة جامعة للرقابة والسؤال، ويجعله اكثر قدرة ايضا على ان يحبك مشروعه النقدي بمهارة (الرائي) الذي يملك وعي ما تستدعيه الترسيمة لفعل الكتابة، لذا يخضعها الى مجساته، والى رؤياه، والى ادوات بحثه، اذ يكون فعل الكتابة خلاصا كما قال هو في كتابته عن الشاعر محمد القيسي، والنقد هنا هو جوهر الكتابة، وجوهر الوظيفة الدائمة لمجاورة للنص، التي لها مكونها الاجرائي، وسياقها المنهجي، مثلما لها خطابها التداولي الذي يخصع النص الى مقارباته التعبيرية والدلالية..
ما بين النص والخطاب تكتسب اجرائية محمد صابر عبيد بعدها التأسيسي، اذ يسحب النص الى الفضاء اللذوي للقراءة، والتحليل، لينحلّ عن مهيمنات سياقه التأليفي الى سياق ما يصطنعه (القارىء العمدة) الذي يقترحه رفاتير في موجهات قرائته الفاعلة التي تحكم قواعد اللعبة/ القراءة، حدّ انها تبدو وكأنها استنطاق للنص، تلك التي تعمد الى نزعه من التاريخ الى الذات، او من المتن اللساني الى المبنى الهرمونطيقي، او من النسق الى الذات كما يسميها د. عمر مهيبل..
هذه الخصوصية تبدو لي أنها عتبة انفتاح، وتوسيع وظائفي، لانها ستكون توليدية في مشغل محمد صابر عبيد، اذ فيه من القصدية الظاهراتية، ما فيه من القيمة التعبيرية التي تكشف عن المستويات البنائية والجمالية، والتي تضع وظيفة الناقد بوصفها وظيفة موجهة، امام مقترح توصيفي ينطوي على شيء من المفارقة، مثلما يكون باعثا للتموضع عبر استعادة دائمة لوظيفة المرقاب باتجاه الكشف غير البريء، اقصد القراءة غير البريئة- القراءة الخارجة عن السياق، والقريبة من الذات الغاوية والمغوية- وباتجاه وضع النص تحت سطوة نسق متحول، اي نسق الوظيفة النقدية بوصفها فعلا ثقافيا وليس ادبيا معنيا بالتوصلات البلاغية والاستعارية والصرفية وحتى النحوية بشكل عام، وهذا ما يعني الكشف عن سلسلة خبيئة من النسقيات المضمرة، باتجاه ان يكون النص النقدي هو نص متعال في اجناسيته، لانه نص تقترحه القراءة بوصفها فعلا متحولا، تلك التي تحيل النص الى فعل الخطاب، وتحيل وثائقه التاريخية الى اجراءات تنوش لبكثير من توليدات المتخيل السردي، حيث يكتسب التمثل لهوية السرد اكثر من تمثله لهوية التاريخ والوثيقة..
محمد صابر عبيد من الناقد الادبي الى الناقد الثقافي.
وصف التحول عند الناقد قد يفوق اي وصف اخر، لانه يعني تغيير جهازه المفهومي وادواته ونظرته للعالم ولاستعمالات اللغة واجناسياتها..واحسب ان نظرة محمد صابر عبيد كما اقترحها، لا تعني انه قد اخلّ بوظيفة الناقد الادبي تماما، وانه بدأ لا يطمئن الى معطفه الذي ارتداه في الدرس الاكاديمي والدرس التاريخين، بقدر ما انه ادرك حيوية اعادة انتاج صورة الناقد، الناقد الذي كرسته تقاليد عربية وعراقية صارمة، وضعته في سياق التعاطي مع تاريخية النصوص، او مع انظمتها البلاغية، ومعاييرها الوصفية والسياقية الحاكمة..
هذا الاخلال هو فعل معرفي خالص، لانه انتقال حيوي الى وظيفة القارىء، وهي عملية ضرورية لادامة المشغل النقدي الثقافي، فضلا عن ان عملية الفصل بين النقدي الادبي والنقدي الثقافي ستظل غير قاطعة، او حتى هي ليست لعبة في الطرد المتبادل او التفريغ الفحولي والانثوي كما توهم بعضها عبد الله الغذامي، اذ اعتقد انها محاولة في انضاج فعل القطيعة المعرفية، وفي التمكين من التكامل او حتى التمثل لما يشبه (كليانية) وظيفة الناقد الذي يجاور ويتجاوز، ويتخلص من وظيفة الناقد التابع للنص الى وظيفة المراقب للنص، الكاشف لحمولاته الرمزية والنفسية والاجتماعية والدلالية، وتجاوز رهاب الاتفاق المعياري..هذا الانزياح الوظائفي هو جوهر عملية النقد الثقافي.. تلك الوظيفة التي تعيد عملية فحص النص في ظل وجوده في الاستعمال في ظل اشتغاله كنص تواصلي واتصالي، وكنص يستعير وظائف جاكوبسن، مثلما يستعير وظائف فلاديمير بروب، اذ يعني ذلك تحويلا في مفهوم الفاعلية باتجاه تحقيق غايته، او خلق شروط تلقي او تفاعل مناسبة مع تلك الغاية…
لبوس الناقد المتحول هي ابرز ملامح مشغل محمد صابر عبيد الجديد، اقصد مفهوم التحول الرهين بالخبرة، والقائم على اساس المعرفة بمعطيات التولد والافول في سياق الفعالية النقدية، اذ تكون هذه الفعالية تعبيرا عن كمية التوتر الثقافي الذي يعيشه في ظل اصطدامات يومية وتعليمية ومناهجية، وفي ظل اعادة انتاج مغايرة لوظائف قارة في مشاغل العقل الثقافي بدءا من السنيات دو سوسير الى مشاغل مابعد البنيوية والى قصديات الظاهراتية وانتهاء بتوظيف التوتر الثقافي ـ التوتر النقدي ـ عبر اعادة قراءة مفهومي المطابقة والاختلاف في التاريخ وفي الشعرية ودفعها باتجاه المزيد من التجدد الدلالي كما يسمها بول ريكور…
محمد صابر عبيد… الناقد الجمالي
في كتابه (المغامرة الجمالية للنص الادبي- دراسة موسوعية) ياخذنا الناقد محمد صابر عبيد الى المنطقة الشاسعة للمغامرة النصية، تلك التي تؤكد فعالية القراءة اولا، وفعالية التأسيس ثانيا، وفعالية ما يتبدى في الكتابة ثالثا، اذ يصنع هذا الثالوث اطارا ثقافيا في التعاطي مع النصوص المشغول عليها بعيدا عن اجناسياتها، لان القراءة فعل كشف، وتعرّف، وتوليد، مثلما هو التأسيس فعل تقعيد وتوظيف للمنهج والدرس في انضاج مستويات فحص الناقد للنص، ولتعزيز الوعي بالقيمة الجمالية في النص، بوصف هذه القيمة مادة ثقافية، ومادة للذة، وخطابا توليديا للتواصل، فضلا عن تعاطيه مع الكتابة بوصفها اشكالية مفهومية كما يسميها جاك دريدا، والتي تعني في الجوهر انتظاما اجرائيا لفعل النظرية والمنهج، وتكريسا لفعل النص الرائي الذي هو اساسا المنطقة الرئيسية لاشتغالات محمد صابر عبيد..
جمع التحولات في مشغل الناقد يفضي بنا الى مجموعة من التصورات التي تؤشر لنا طبيعة الانتظام االمنهجي الذي يعمل في سياقه، وكذلك طبيعة (الاثر المفتوح) بتعبير امبرتو ايكو الذي يتركه ليثير حوله وفيه الاسئلة، فالنقد الجمالي هو اشتغال على هذا الاثر، بوصف الاثر هو الاصل، وهو النص، وان المتعة والفرجة التي طالما تحدث عنها بارت تكمن في تعالي فعل القراءة، لانها تنتهي دائما عند الجمالي، بوصف ان الكتابة هي رسالة الى شخص نتوهم انتظاره، او هي سرير نتوهم مساكنته عبر جسد غاو، لذا يجد محمد صابر عبيد في النص/ الرسالة، والنص السرير افقا ثقافيا مسكونا بالحركة، ودافعا للمزيد من الاستغوار، ومثيرا باتجاه (تفجير) مناطق الاستلاب اللساني التي كثيرا ما اخضعتها البلاغة الى احكام قارة، وتمظهرت كثير عبر مظاهر الاستبداد(الادبي) بوصفه جزءا من نسق مهيمن له علاقة بالمقدس والاخباري والمروي عنه..
سعة الاشتغال الجمالي عند محمد صابر عبيد تكشف عن سعة الثقافي، لانها يتبادلان سرائر لعبة الكشف، ويتعاضدان بالوفرة التي يحوزها الفعل القراءة بكل تقاناته، واجراءاته، اذ يوجهها باتجاه المزيد من المقاربة، والمزيد من التوليد، والتعدي الى اعادة الوجود في النص، النص المفكر فيه، بوصفه الجمالي التعبيري، والجمالي المؤول، وصولا الى الجمالي الدافع للتفكير والحائز على عناصره الحيوية..
فضاءات الكتاب الموسوعي هي فضاءات مقاربة لغابة من النصوص الشعرية والسردية، ولتجارب عربية وعراقية، لكنها تلتقي جميعا عند ما تصنعه الرؤيا، اقصد رؤيا الناقد المحتشد بفعالية القارىء، والى ما تبيحه اجراءات السؤال النقدي من بواعث، واثارات وبما يؤكده على جدية الناقد في شرعنة العمل على تأسيس تقاليد ثقافية للنقد، تقاليد يعززها الوعي/ وعي القراءة بتوليدات النظرية والوعي بالمنهج، اذ لاتعني النظرية والمنهج شيئا ان لم تتعزز بفاعلية هذه القراءة، تلك التي توسع مساحة الحركات والعلامات، في انساقها وفي استعمالاتها، وفي الكشف عن المجاورات النصوصية التي تفتح افقا لتلمسات النقد الثقافي…
محمد صابر عبيد …الناقد الرائي..
قد يعني الرائي ببساطة حيازته الفائقة للرؤيا، الرؤيا في سياق الاستعمال، وهذا يعني توتير وظيفة تلك الرؤيا لكي تكون لعبة في الكشف، ولعبة في التعرية، وفي اللذة، وفي الافصاح عن فعالية غريزة القراءة لان تكون منتظمة في فعالية مجاهرة بالوعي القصدي..لذا لا اجد تمظهرا لنصوصية محمد صابر عبيد الجديدة خارج اجرائيات هذا الوعي المتسائل والشكوكي، بوصفه وعيا شقيا بما ينتج وما يكشف وما يولّد..
واحسب ان قراءة محمد صابر عبيد لـ(شفرة ادونيس) يمكن ان تكون استجلابا لفعل الرؤيا، اذ تكون محاولة في مواجهة التاريخ والنص، باعتبار ان ادونيس ينزع الى فعل المواجهة عبر الوعي الحاد والمضاد الذي تدعو اليه الرؤيا المتعالية، والمتجاوزة للسياق، والمتجوهرة في فكرة (المتحول) وليس الثابت الذي يخضعه ادونيس دائما الى القراءة والفحص والمراجعة والنقد.. التاريخ هنا هو صنو مضاد للنص، والنص هنا هو الكينونة المتحولة، المقروءة بأثر وجودها في النص، وحيث يكون النقد هنا هو تعبير عن الفعل الشكوكي، الذي تقوم به الذات الواعية والرائية، الذات التي تستعيد العالم عبر اللغة، وتستعيد الوعي عبر القراءة، وتستعيد السؤال عبر الحرية..
كل هذه الاستعادات تضع محمد صابر عبيد امام شساعة العالم الذي يدونه بوصفه نصوصا، وبوصف العملية النقدية هي فعالية رؤيا وتحويل وتوليد، ومواجهة اشكالية للتاريخ الذي نستعيده مقروءا عبر الشفرات، تلك الشفرات التي تتجوهر فيها الانساق المضمرة، الانساق الحاكمة لفعالية الكتابة، تلك التي تهندس مشغل محمد صابر عبيد النقدي، وتوجه مساراته وتنوع اشتغالاته، باتجاه المزيد من الكشوفات والاجراءات التي تبدأ من اعادة انتاج بنية الجملة، على المستوى النحوي والادبي الى المستوى الثقافي المعني بالبحث عن المحايثة والمجاورة، والتي تخص السيمياء والانثربولوجيا والهرمونطيقا..ليس بوصفها مجالات منهجية وحتى تقانات كثيرا ما يتم اللجوء اليها، بل هي مجموعة من الاجراءات التي تكرس فعل النقد في فضاء المجاورة، وفي تعزيز هوية الناقد الاجرائي، الناقد الرائي باعتباره يملك وظيفة الرؤيا، وخرائط المعرفي الذي يهندس الوجود على اساس انه استعمالات لغوية، مثلما هو تداولات ثقافية تتسع للتغاير والمفارقة والاشباع والاستيعاب….
علي حسن الفواز