دمشق ـ «القدس العربي» ـ رشا الصالح: مجددا تفتح قرية أم الطنافس السورية أبوابها لاستقبال ضحكات أبنائها و متابعيها من كافة أنحاء العالم البصري والثقافي، في زمن يصعب عليهم الضحك ،حيثما الألم استبدل بالضحكة، آخذة السخرية البناءة مفتاحا لها والتي أجيد سابقا استخدامها صوتا وصورة في ضيعة ضايعة وخربة، ولكن هذه المرة ليس تلفزيونيا ،إنما بمجموعة قصصية جديدة لمؤلفها الكاتب د ممدوح حمادة تحمل اسمها (أم الطنافس) لتصدر عن دار ابعاد في دمشق والذي خص «القدس العربي» بالحوار التالي:
*ماهو السر في إصدار مجموعتك القصصية (أم الطنافس) في هذا التوقيت، وخاصة بعد النجاح الذي طال العمل التلفزيوني الكوميدي ضيعة ضايعة والشهرة التي لحقت بالقرية نفسها ؟
*لا يوجد أي سر على الإطلاق، بالنسبة لاسم القرية (ام الطنافس) فهو لمن يتابع أعمالي موجود فيها جميعا، ونصادفه كلما حضر ذكر القرية، وبالنسبة للمجموعة القصصية فهي ليست عملية تحويل أحداث المسلسل من الشكل البصري الى الشكل الأدبي، وإنما مجموعة قصصية منفصلة تراكمت قصصها على مدى سنين بعضها تم تحويله إلى الشاشة وشاهدناه في اعمال مختلفة (بقعة ضوء- عالمكشوف- شو هالحكي – ضيعة ضايعة والخربة) وبعضها لم يتم تحويله إلى الشاشة، ويوحد هذه القصص الموضوع الريفي، فكلها تجري أحداثها في الريف أو ان أبطالها ينتمون الى الريف.
*ما الفرق بين الكوميديا الساخرة وكوميديا الموقف، وهل ما قدمته بأعمالك كبقعة ضوء وخربة مثلا يقوم على كوميديا الموقف؟
*بشكل عام هناك لبس في التعامل مع المصطلحات في عالمنا العربي، فكوميديا الموقف هي بحسب التصنيف تلك التي تعتمد في إثارة رد الفعل الكوميدي على موقف، لا على حركة عشوائية ولا على حوار يعتمد الهنات في النطق أو ما شابه، رغم إن الحركة والحوار عنصران من هذه الكوميديا. كما أن الموقف يمكن خلقه بالحوار أو بالحركة، ولكن عندنا غالبا ما يقصدون بكوميديا الموقف تلك التي تحتوي على موقف سياسي، وهذا غير صحيح بطبيعة الحال، والسخرية هي نوع أدبي يحتمل الموقف ويمكن أن يقتصر بأدوات تعبيره أحيانا على الحوار أو الحركة فقط، باختصار فإن الحديث عن الأنواع الفنية والأدبية موضوع ملتبس، واعتقد انه بحاجة ماسة لكي يخصه النقاد باهتمامهم أكثر مما هو الآن، أما بالنسبة لأعمالي فإنني دائما أحرص على وجود الموقف والسخرية معا في ثناياها، وما يجمع بين الأعمال التي كتبتها هو موقفي ورؤيتي للحياة بشكل عام، ويحكمها ميلي نحو السخرية، ترتفع وتيرتها هنا وتنخفض هناك تبعا لعوامل كثيرة تؤثر بها.
* ماهي الشرائح الجماهيرية التي تتوجه بنقدك الساخر لها عبر الكوميديا؟ وهل تظن انه ممكن إيصال الهدف ذاته والمقولة ذاتها لو اتجهت إلى الكتابة الدرامية المعروفة وخاصة في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية للمرحلة الراهنة؟
*أنا دائما أسعى لتكون هناك رسائل موجهة إلى شرائح مختلفة، ولكنني مع ذلك اكتشف دائما ان هناك شرائح لم أتمكن من الوصول اليها، بشكل عام أسعى لكي تكون رسالتي الأساسية واضحة ومقروءة لبسطاء الناس، وفي نفس الوقت تحمل في طياتها رسالة أخرى مواربة يلاحظها شديد الملاحظة فقط، وككل كاتب فان هدفي دائما هو أوسع الشرائح ،أي الناس العاديين الذين هم مثلي ويفهمونني كما افهمهم. اما بالنسبة لسؤالك ان كانت بقية الانواع الدرامية تستطيع ان تقوم بنفس المهمة بنفس الشكل الذي تقوم به السخرية فإن جوابي هو بالنفي بكل تأكيد، لأن السخرية تحتوي على طاقة تحريضية لا تحتوي عليها الأنواع الأخرى، ولو قمت بإجراء مراجعة تاريخية بسيطة لما أنتج فنيا منذ عشرين عاما، ستكتشفين ان اعمالا كلفت ميزانيات ضخمة واحتوت على تقنيات معقدة وصورت في عدة بلدان والى آخره من البهرجة الإنتاجية، ستكتشفين انه هذه الأعمال اندثرت وفي حال عرضت مرة أخرى على الشاشة فإنها لن تستدعي لدى المشاهد أكثر من الضجر، بينما ستجدينه يتابع بشغف وللمرة العاشرة عملا كوميديا أنتج بنفس الفترة بميزانية وتقنيات متواضعة، لا شك ان للسخرية قوة مضاعفة، طبعا هنا لا بد من الإشارة أن الحديث يدور عن الأعمال التي تصنف بشكل حقيقي كأعمال ساخرة، لا كل ما يطلق عليه أصحابه هذه التسمية.
*في الرقابة و عوائقها التي قد تحد من النص أين كنت ككاتب منها و كيف تعاملت معها للحفاظ على الخط الدرامي وعلى الشخصيات وبنائها المحكم بإتقان؟
*في الحقيقة لم أفكر يوما بموضوع الرقابة وانا اكتب، واعتقد ان الرقابة اختراع منذ بدايته غبي، فالرقابة هي الجهة الخاسرة في أي صراع تخوضه مع الكاتب لأن العمل الذي تمنعه الرقابة يحقق هدفه بقوة مضاعفة، حيث أنه يسترعي انتباه الجمهور بقوة اكبر ويجعل تداوله أوسع، وكم من الأمثلة على انتاجات ابداعية تافهة صنعتها مقصات الرقابة التي لو تركتها تخرج للناس لما شعر بها احد، ولكن في الكثير من البلدان العربية فان الرقابة أشبه بالعصي في العجلات وتمنع الكثير من الأعمال من الظهور الى الجمهور وهنا تكمن خطورتها، والحديث هنا عن الرقابة الرسمية بطبيعة الحال، اما الرقابة الأخطر فهي الرقابة الشعبية التي ليست لها ضوابط وقواعد واضحة والتي لا يعرف الشخص كيف تنفجر في وجهه.
*هل تستطيع الكوميديا إصلاح ما أفسدته النفوس وما خربته الايديولوجيات عبر العقود؟
*الكوميديا هي جزء من اللوحة تستطيع القيام بما هو منوط بها في هذه اللوحة، والتغيير الجذري لا يأتي الا عبر نقلات وانعطافات جذرية والإصلاح عملية تربوية طويلة الكوميديا احدى ادواته.
*هل ما شاهدناه في كل من ضيعة ضايعة وخربة و الإسقاطات الحقيقية لحال الأزمة في سوريا، كانت كافية لتجسيدها كاملة في ظل المتغيرات الكثيرة والحرب التي تمر بها البلاد ؟ وهل تعتبر أن ماحصل أحدث تحولات دراماتيكية بالأعمال الفنية كافة واخذ بها الى حيز جديد لم تكن قد تطرقت له سابقا؟
*الحياة كما قال احد الفلاسفة شجرة خضراء، ولذلك فهي دائما تطرح ثمارا جديدة حلوة او مرة ناضجة أو عجراء وهي دائما تفرض تغيراتها على كل شيء بما ذلك الابداع، وبالتأكيد ما كان ينطبق على ما قبل الحرب لا ينطبق عليها او على ما بعدها، لا شك ان هواجسنا تعدلت وسننتقل شئنا ام ابينا الى حيز جديد، فعندما نخاطب إنسان الحرب لا يمكن ان نغفل عن ذكرها في رسائلنا.
*اعتمدت على الكوميديا التي يفهما المشاهد من بين السطور؟ ماهو احتياج هذا النوع من الفنون إخراجيا لإظهاره كصورة مطابقة للمعنى والهدف؟
*أهم ما يمكن أن يفعله الإخراج لكي تصل رسالة النص هو ألا يقوم المخرج بالاعتداء على النص، وان يهتم بالإخراج، وهذا ما يقوم به المخرج المبدع الذي يترك ما للنص للنص وما للإخراج للإخراج، وفي الحقيقة لدينا شريحة من المخرجين مصابة بتضخم في الانا يخفي خلفه ضحالة ثقافية مثيرة للضحك، يقومون بالاعتداء السافر على النص وغالبا ما يفسدونه، وقد تعاملت مع اثنين من هذا النموذج، ولهذا فانا حريص على التعامل دائما مع المخرج الذي تربطني به علاقة تفاهم متبادل بحيث انه اذا كان لديه ملاحظات على النص يطلب مني انا ان اقوم بمعالجتها، لا ان يفعل ذلك هو بدون الرجوع الي.
*ما السبب في التحول لكتابة السيناريو وخاصة بعد إصدار كتابيك سابقا «فن الكاريكاتير من جدران الكهوف إلى أعمدة الصحافة» والكاريكاتير في الصحافة الدورية» وهل استفدت من فن الكاريكاتير في توصيف شخصياتك الكوميدية؟
*بالنسبة للكتابين اللذين ذكرتهما هما حصيلة عمل أكاديمي شغل فترة من حياتي، وقد انتقلت إلى مرحلة أخرى منها، ومشكلة الكتاب ان الكاتب عندنا، نوعا عن باقي عباد الله يتكلف على كتابه أكثر مما يجني منه، فهذين الكتابين طبعتهما على حسابي الشخصي وبالتقسيط ولم اجن منهما ثمارا سوى المعنوية منها، حيث شعرت بالارتياح لأنني ساهمت في سد ثغرة صغيرة في المكتبة العربية، أما السيناريو فهو مهنة مأجورة توفر لصاحبها ولمن هو مسؤول عنهم استمرارية الحياة، ولهذا فقد كان من الضروري ان اعمل لكي اعيش، ولأن الصحافة التي كنت اطمح للعمل بها اوصدت ابوابها في وجهي ذلك الوقت، فقد كان السيناريو الذي تنحصر علاقتي فيه مع القطاع الخاص هو الطريق الوحيد المفتوح حينها امامي وهكذا تورطت، اما الكاريكاتير ففي الحقيقة انا لست رسام كاريكاتير محترف ومحاولاتي الكاريكاتيرية مصدرها كما مصدر كتاباتي هو ميلي الى السخرية، السخرية التي هي في الأساس نوع أدبي قبل ولادة الكاريكاتير بالاف السنين، فعندما قال ابن الرومي واصفا صاحب الأنف الطويل (ان كان انفك هكذا فالفيل عندك افطس) لم يكن قد سمع بفن الكاريكاتير، ورغم حبي للكاريكاتير الا انني اعتقد ان الأدب اقدر على صناعة الشخصية الكوميدية من فن الكاريكاتير، لأن الكاريكاتير يقدم لك مواصفات الشخصية من الخارج ويدعمها بمفارقة، اما الشخصية الكوميدية الأدبية فهي كيان عضوي يتعرف القارئ عبره على الشخصية من الداخل والخارج، على تاريخها وحزنها وفرحها ويعيش معها، انها اكثر حياة وحيوية من الشخصية الكاريكاتيرية العابرة.
*أين تقع السينما في هواجسك وأولياتك، هل من مشروع محتمل في هذا السياق ؟
*لقد كانت بداية دخولي إلى عالم السيناريو عبر نص كتب لفلم سينمائي، ولكن لأسباب انتاجية لم يكتب له الخروج الى الشاشة، ولدي عدة نصوص لأفلام سينمائية، ولكن الأمر لا يتوقف علي، فالسينما منتَج يحتاج إلى تمويل وهذا أمر لا سلطة لي فيه. غير أنني ساكون سعيدا لو تسنى لي تقديم شيء في السينما.