حسين سليمان ما يحدث في الشرق العربي من ثورات في الشوارع لإسقاط الأنظمة يجب أن يمتد إلى ثورات أخرى، ثورات تشفي النفوس مما تحمله من عيوب وأمراض سارية. وهذه العيوب قد أصابت الجميع بغض النظر عن مكانهم ومكانتهم إن كانوا أدباء أو فنانين أو تجارا أو سياسيين أو أناسا بسطاء.. ومن هنا فإنني لا أستغرب مواقف فنانين، أسعدونا في السابق بأعمالهم التقدمية والنضالية، ترى مواقفهم مليئة بالعار والخزي من اتهام المظاهرات بأنها مؤامرات على سلامة وأمن الوطن. والسؤال هو لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من انحدار وتدنّ ٍ وعجز، مع أننا كنا في خمسينيات القرن الماضي منتشين بسعادة عظمى جاءت من الخلاص من الاستعمار- وكان الخلاص في وقت واحد تقريبا في شتى بقاع العالم العربي، منتشين بالحرية وبالأمل والتقدم وكأن الازدهار العربي تجلى أمام البصائر وأنه سيكون في يوم غد وسيتم بقليل من العمل والنضال؟
في الواقع لم يحدث لنا أي تدنّ ٍ ولا انحدار لأننا كنا بالأصل هناك، وحين طردنا المستعمر من بلانا، طردنا فقط الشكل الخارجي منه ولم نطرد معه الخراب الذي في داخلنا بل اكتفينا بالظاهر الذي هو نتيجة أعمال النفس العميقة وروح الخافية ترفع ( الظاهر) نحو السطح، والمبدأ للثورة هو ثورة لإصلاح ما يجري في الأعماق. وهكذا فقد حررنا السطح ونظفنا الغطاء الخارجي لسرير الوطن من دون أن ننظف ونطهر ما تحته كليا. في تلك الأثناء جاءتنا أفكار القومية والحرية والنشيد نحو الوحدة الشاملة منقولة من أوروبا على يد ساطع الحصري وانطوان سعادة.. وفي الواقع ( ربما) لم نكن مؤهلين نفسيا لها لأننا ما زلنا غير مدنيين، نعمهُ في البداوة والعشائرية وقد تحولت الأنظمة الحزبية التي تبنت أفكارهما واستولت على الحكم فيما بعد إلى انظمة عشائرية ايضا رغم مقولاتها ومبادئها التي تنفي ذلك. أورد على ذلك مثلا جزئيا أخبرني به أحد معارفي الحزبيين ( حزب البعث السوري) متبجحا وهو ضابط في الجيش السوري كان قد استلم للتو منصبا مخابراتيا رفيعا في سورية وسبب استلامه للمنصب كما قال هو إجابته على الأسئلة التي وجهت له ومنها: ‘إن جاء إليك اثنان لديهما مشكلة، احدهما حزبي والآخر ابن عشيرتك فمع من ستكون؟’ فأجاب: ‘لن أكون مع الحزبي بل مع ابن العشيرة.’ وهذا ما جعلني أصاب بدهشة بالغة ولم أصدق وقتها ما نقله لي، ذلك لأنه لم يقل: ‘سأكون مع الحق’، أو لم يقل: ‘سأنظر في المشكلة وأتعاطف مع الحزبي لأن مشروعه هو مشروع الوطن’. وهكذا فنحن أمام نفس يحملها هذا الضابط بل كل ضباط الامن والمسؤولين العرب. لن يقف أحد منهم مع الحق بل مع الإثنية والولاء. انتصرت الآن الثورة في تونس ومصر، لكنها لم تنتصر بعد، فما زالت في مراحلها الأولى، ويجب الانتباه إلى أن انتصار الثورة ليس بإسقاط النظام فقط، بل بإسقاط المؤسسة التي صنعته، وبإعادة تشكيل الإنسان الذي شوهه النظام وشوهته المرحلة البائدة، والنظر في كل المساوئ الأخرى والمتشعبة والتي ما زالت متمكنة ويجب البحث عنها وجثها من جذورها ولهذا يراد وقت طويل للانتصار والتحول. *إحدى الصور التي تحضرني الآن هي صورة انتخاب الرئيس السابق الأسد الأب، قال لي زميلي في كلية الهندسة وقتها، أن صناديق الانتخابات مقامة داخل الكلية ويشرف عليها الاتحاد الوطني لطلبة سورية، وذهبنا للإدلاء بصوتنا الحر كما خيل لنا. كان هناك على الصندوق مساعد ضابط يراقب بطاقات النعم واللا التي يسقطها المنتخب في صندوق الانتخاب. سبقني زميلي ووضع كلمة ‘لا’ على بطاقة الانتخاب وحين هم بإسقاطها في الصندوق، أوقفه الضابط ونظر في ورقته بهدوء ثم رفع رأسه والشرر يتطاير من عينيه ثم صفعه على وجهه مما جعل الزميل يتمايل ثم يسقط على الأرض، ووجه الضابط كلامه لنا قائلا: ( شوفو ولوُ ابن الشرمو.. حاطط ‘لا’.. تعا قوم يا كلب وحط ‘نعم’). وهكذا وضعنا ‘نعم للقائد’. كان هناك حائط طويل بالقرب من كلية الهندسة يسور مدرسة يسوعية تحاول الظهور بمظهر أوروبي من نظام ونظافة، كتب على طول جدارها ‘نعم للقائد’ وعددت كلمة ‘نعم’ فكانت أكثر من مئة ‘نعم’ عليه.. هذا الجدار الذي كان نظيفا…. نعم للقائد… نعم للقائد إلى أن أمسى الداخل الإنساني – الذي يقرأ هذه الكلمات – مصابا بالعته والمرض وكان يجب الإنتباه إلى ذلك: إن كانت الجدران نفسها تقول نعم فلماذا نحن نقول لا!
ولا أنسى أبدا صورة الرئيس التي أصبحت في داخلي كأنها نموذج بدئي – فلو جمعت كل الصور لكانت أوسع من فضاء، وغطت مدنا كاملة – تظهر فيها صورة الأسد الأب بالابيض والاسود حتى راحت مخيلتي تحيل كل صورة فيها أسود الى جانب ابيض، تحيله الى صورة الرئيس. وهنا حدث لي أنني لم استطع التخلص حتى الآن من هذه المشاعر حتى بعد هجرتي من سورية، ولو أننا في دولة مدنية لقاضيت النظام على هذا التشوه النفسي والروحي. في مدن امريكا وفي طرقاتها الواسعة هناك شارة U Turn وهي تدل على السماح بالالتفاف والدوارن بالسيارة من حيث جئت، وهي لوحات رسمت بالابيض والاسود، وكلما أرى هذه الشارة من بعيد يغوص قلبي وتحيلني الشارة نحو الصورة القديمة للرئيس الأب واشبهها دوما به وأقول، مازلت أعيش تلك الأيام السوداء التي لن تنجلي عن داخلي ما عشتُ من حياة[email protected]