الحنين الى الاوطان

حجم الخط
0

الحنين إلى الأوطان لا يقتصر على عوام الناس أو خواصهم، بل انه شعور وشغف يصيب ذوي الدماء النقية من المخلصين الذين تركوا أثرا وذكريات وتجليات في أوطانهم ليحولوا هذه الى ذكريات في أماكن أخرى قد لا تشابه بيئاتهم الجديدة والتقاليد التي أتقن وحفظ، وجاء ظرف قسري أرغمه على ترك تلك الذكريات كان لا بد له أن يتركها ليواجه معتركا وصراعا دخيلا عليه اسمه الحنين، ولعل من أجمل صور الحنين التي وصلتنا من شجو ولوعة واسى ما كتبه شعراء المهجر في القرن الماضي عندما كان الوطن العربي تحت سيطرة المستعمرين، من عثمانيين وانكليز وغيرهم. وكيف يأخذهم الحنين إلى الوطن ويطوح بهم على شكل زفرات وتنهدات يلوذون بها عن أعين الناس حرقة ودمعا غزيرا ينساب انسياب مياه دجلة والفرات وهما يرويان بساتين ديالى والبصرة والانبار والموصل، يتطلعون إلى يوم الخلاص لتصل بهم السفن الى مرافئ الأمان ترسو وهي محملة بالعائدين إلى ربوع الأوطان، محملين بأشواق وأحلام العودة التي كانت تضاجع خيالاتهم وتطوح بهم يمينا وشمالا، تتقدمهم آمال عريضة لبناء وطن علم الدنيا الحرف والقانون والموسيقى وإتمام رسالة بدأها الآباء والأجداد، وغصة تنغص عليهم سكناتهم وحركاتهم، انهم لم يفلحوا في الحفاظ على ثرى تراب الآباء والأجداد. وهنا لا بد أن نعرف معنى الحنين، فالمفردة أصبحت أكثر المفردات انتشارا لدى ملايين الناس ممن اضطرتهم الظروف للهجرة إلى خارج البلاد، ولكننا لا بد أن نعيش ما يدور في خلجات الصدور وكوامن النفوس علنا نخفف عنهم معاناتهم الى حين انفراج الموقف، ولا بد أن نعرِّف الحنين تعريفا قد يختلف عن التعاريف المألوفة، هو ضيق أو عجز ناجم عن فصل من بيئة منزلية محددة وغالبا ما تصحبه مشاعر شوق وقلق واكتئاب وحزن، وهذه الأعراض عادة تكون بين معتدلة وحادة وغالبا ما تحدث عند مفارقة الوطن، فعندما يسافر الطالب ويبتعد عن العائلة ويسكن في بيئةٍ أو بيئات غير مألوفة أو سياقات ثقافية غير معروفة هنا تتمدد لديه نوازع المقارنة بين ما يرى وما فقد.

وقد يشتد الشوق والحنين إلى مراتع الطفولة ومدارج الصبا وقد تصل مشاعر الحنين إلى درجة اليأس والاكتئاب تنتهي إلى منحنى تصعب السيطرة عليه، وقد ينتهي بالشخص الى أفكار سوداوية تؤدي بالنهاية إلى يأسٍ وقنوطٍ شديدين تنهار عنده كل الدفاعات وتزرع في تفكيره كره الحياة واليأس من تداعياتها فيعطي لتفكيره وثوابته إجازة تودي به إلى الانتحار ومهاوي الاستسلام، ولكن الامرالمسلَّم به ان الحنين للوطن يكون لدى الأطفال بشكل اكبر وأسرع، وقد يصابون باضطرابات التكيف تدفعه إلى أن يكون عبوس الوجه ساهم التفكير لا يلوي على شيء، ومن التجارب المعروفة ان الدواء المتحصل من نبات ارض الأوطان اكثر توافقا مع الأجسام، وعلى هذا الوصف قال أبوقراط: العليل يشفى بعقاقير أرضه من سواها فان الطبيعة تنزع إلى غذائها، وقال في السياق عينه جالينوس تبرُّح العليل بنسيم أرضه كما تتروح الأرض بالمطر، وبحنين الإبل ضربت العرب الأمثال فقيل حنين فلان إلى فلان كحنين الإبل، ويقال أيضا حنين فلان إلى فلان كحنين الإلف للإلف، وقد ذكُر الشوق وعظمته بقوله تعالى (وما لنا لا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وابنائنا) فجعل سبحانه وتعالى القتال ثأرا للجلاء عن الأوطان. وروي عن كعب بن مالك الصحابي وصفه وحشة المدينة لغيبة النبي صلى الله عليه وسلم فقال، نكرت البلاد فما هي البلاد التي نعرف وتنكرت الناس فما هم الناس الذين نعرف وعلى هذا الوصف والرصف قال الشاعر: فما الناس بالناس الذين عهدتهم ولا الدار التي كنت اعرف قد يكون المنزل هو الموطن والأهل والديار، التي غالبا ما يقرنها الشعراء بالمرأة والحبيبة والأم، فمن منا لا يحن الى موضع ولادته، سواء أكان في قرية ام مدينة سيّان عندنا في الاعتزاز والذكرى والتأمل. وقد وصف أبو تمام ذلك خير وصف: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحـبيب الأول كم منزل فى الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزلفإفراط الحنين إلى الأوطان ولهيب الشوق قد يجعلان المرء كريشة في مهب ريح عاصف تطويها أحاسيس مرهفة ونوازع قد لا تطفئها إلا أن يشم تُراب الوطن عندها ينقلب عنده الحنين الى تعلق بأديم الارض التي خلق منها ادم ابو البشر، ومن هنا جاء الارتباط بالأرض والتعلق بالاصل وقد تكون العودة قريبة إلى الوطن فنعفِّر وجوهنا بترابه الطاهر حبا واشتياقا، ونروّي ضمأ سنين وعطشا صاديا يريد ان يبل ريقه بقطرات من ماء دجلة والفرات يا حسن يوم تؤوب فينا السفن نشم قبل الغروب ريح الوطن.

عبيد حسين سعيد[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية