الريشة والأسفار’ للشاعرة الجزائرية لويزة ناظور

حجم الخط
0

باريس ـ الطيب ولد العروسي صدر للإعلامية والشاعرة الجزائرية لويزة ناظور ديوان شعر بعنوان ‘ الريشة والأسفار’ في باريس، عن منشورات ‘ لارماتان’ ، يتكون من ثلاث عشرة قصيدة مترجمة إلى اللغة الفرنسية من قبل المؤلفة نفسها، مصحوبة بلوحات فنية تجسد جمالية القصائد كمشاهد ولوحات وجودية للفنان كمال يحياوي.

وكتب الشاعر والفنان اللبناني مارسيل خليفة تصديرا للديوان، حيث يقول عن الشاعرة أنها ‘ طفلة مشاغبة تبوح بأسرارها، تعزف كلاما عذبا أمام المساء وترى عوالم كاملة على ضوء شمعة خافتة ثم تحملها رياح الجنوب إلى المنفى الشمالي’ ( ص.9 من الديوان). والحال، أن الشاعرة تعالج هموما ذاتية لها علاقة بحياتها وحياة المحيطين بها، مثلما فعلت في قصيدتها ‘ أبت’، تلك الرسالة المفعمة التي وجهتها إلى روح والدها الذي فقدته وهي في الغربة، متذكرة أيام صباها وطفولتها ومكانة هذا الأب الحنون الذي كان دائما سندا وشجرة تظلها وتحميها من عوائد الزمان وغدره، حيث تقول: ‘ غسّلوك ووضعوك في النعشوكنت كالمضطجعأو كملاك ينام في المهدأو كالرضيعوسّـدوك رمسكوعادوا من دونك يا أبت.’. وإذا تأملنا مليا، فإننا نتساءل عن علاقة القصائد بالرسوم التي تزين الديوان؟ فالجواب عن هذا السؤال يمكن استخلاصه بعد قراءتنا لهذا الديوان، حيث نجد أن الشاعرة تتطرق في الكثير من قصائدها إلى الريشة والموسيقى والفرشاة، ومن ثم كانت الكلمات ألوانا والجمل رسوما في جدار القصيدة، أي تكمل بعضها بعضا وتمنح للقارئ فرصة أن ينساب مع الجمل والكلمات في رحلة شيقة ورشيقة، يتوحد فيها المبنى والمعنى، كي تمنح القارئ فرصة استبطان الأحاسيس، أحاسيس الوجود الفياضة والمتدفقة دون انقطاع. أما إذا طرحنا معنى لهذا التداخل وعن أهدافه وجدواه وانسيابه؟ نتساءل هل يعد الشعر خطيئة يحملها الشاعر على الرغم منه، هذا علما بأن الشاعرة توجهت نحو الموسيقى والكتابة؟ ويأتي الجواب على هذه الأسئلة في العنوان المثبت على الديوان ‘ الريشة والأسفار’، حيث نرى أن الكتابة والسفر والخطيئة يسيرون أو يتعايشون جنبا إلى جنب في ثنايا الديوان، كما يقول ‘ جون لوي براديل’ الذي كتب تقديما للوحات أكد فيها أنه ‘ من القصيدة إلى الفن التشكيلي يتركب جسد واحد يتشبث بنبض العالم ليتحدى الصمت بصمت أكثر وقعاً وصدى ويتحدى الليل بليل أكثر إشراقا’. وفي هذا السفر المضني والشاق في الكلمات، نجد أيضا أنهت تتطرق إلى مواضيع موازية لها تتمحور حول الموت، الغياب، الغربة، التي تعتبر شكلا من أشكال السفر في المجهول والصمت غير المنتظر، كما نرى في قصيدتها ‘ ريشة وقتيل’، مما يحيل إلى كتابة تحارب الموت وتحيا به، حيث الحياة والموت شقيقان صنوان، يتغذى كل واحد منهما على الآخر في دورة غير منتهية. والواقع أنهما موضوعان يتكرران بكثرة في الديوان، كما نرى أيضا استعمالا ً مزدوجاً للكتابة والرسم اللذين يسيران معا وجنبا إلى جنب في الكثير من القصائد، وهناك دلالات أيضا كثيرة للسفر المتمثلة في القطار الذي يعبّر عن الرحيل والتنقل بحثا عن محطات جديدة، لكن الشاعرة سرعان ما تعاود السفر من جديد، بحيث لا يستقر لها مهاد، كما هو حالها مع ميترو الأنفاق الباريسي، حينما تقول في قصيدتها:’ صباح الخير باريسويبتلعني المتروكل صباح.. يسري بي ككريةفي عروق المدينة’أو عندما تذكر الطائرة، تلك الوسيلة التي تسمح لها بالتنقل بين العواصم والمدن والقارات، أو عندما تتذكر الشاعرة أناساً قد ذهبوا مثلما فعلت في قصيدة ‘ سأعتذر منك عما فعلت’ حيث نجد تناصاً وتقاطعاً مع ديوان محمود درويش، ‘ لماذا تركت الحصان وحيدا؟’ حينما تقول الشاعرة:’ يا محموديا درويشلا أظنك قد متوأنت تحيا بين القلب والقلبوفي عقر الفؤاد’ وهو ما يبين الاهتمام بالشاعر وبالقضية الفلسطينية من جهة، ومن جهة أخرى التأكيد على الكتابة كشيء مطلق الوجود، حيث تؤكد على الخوض في غمارها وفي ثناياها الجميلة كسفر وحلم مطلق. بالإضافة، نلمس تناصا بين قصيدة ‘ سأعود بين السطور’ وبين بعض الأعمال الروائية لغادة السمان، وبالتحديد روايتها ‘ أعلنت عليك الحب’، وهذا التناص يؤرخ لهذا الذهاب والإياب، والكلمات عند الشاعرة هي بمثابة سفر دائم:’ لا عليك’لا تكلف نفسك هذا العناءفما هي إلا رواية سيغيب بطلهاعن باقي الصفحاتوما هي إلا مسألة أيام حتى وإن طالتتكلف نفسك هذا العنا’كما تطرقت الشاعرة إلى التقابل بين المدينة والقرية والبحر والبادية من خلال الشوارع الممتلئة بالناس، والأخرى المتمثلة في الخيمة، كما نرى في قصيدتها ‘ وخيمتاه”أين أجد السفينة؟’وخيمتاهأين أنت؟ وأناأناأين أنا’ وهنا تتحدث أيضا عن البحث عن الذات داخل هذه العوالم بحثا عن راحة واستقرار، غير أنه يكاد أن يكون السفر والتنقل مستقرها ومأواها، بحيث يصبح السفر بمعناه المجازي قلقا وجوديا ورمزيا في رحلة إثبات الذات عبر الكتابة والتأمل. هذا بالإضافة إلى تكرار كلمة أمي الحاضرة الغائبة، وهي كناية عن الوطن المتمثل في الجزائر بخاصة والعالم العربي بعامة، والجدير ذكره أن لويزة ناظور شاعرة جزائرية، وإعلامية وعاملة في مجال الترجمة، ولدت وترعرعت في فرنسا حيث تقيم، كما أنها عاشت لفترة طويلة في الجزائر، بحيث تمثل جسر عبور يربط بين الضفتين، باريس والعالم العربي. وهي تقول في ذلك ‘ ولدت في فرنسا بصرخة جزائرية’، تعاطت الشعر – رغم أنها خريجة كلية التجارة – منذ نعومة أظفارها حتى تشكّل عندها عالمها الخاص مصحوباً بوعي شعري جميل تنبثق جذوره من ‘ عوالم الكلمات وينحتها من حجر المعاني الصلدة’ وهي تعبر في ديوانها ‘ الريشة والأسفار’ عن رحلتها بين الصور والأحاسيس الإنسانية التي تجتاحها كشاعرة مرهفة. لويزة ناظور شاعرة جزائرية مقيمة في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية