محمد عبد الحكم دياب
من المصريين في الخارج من أبلى بلاء حسنا من أجل الثورة، وقبل بالثمن المدفوع لذلك، ولم يكن ذلك قاصرا على جماعة أو تيار بعينه، إنما جمع فئات وقوى عدة، وكان قلق حسني مبارك من هؤلاء لا يقل عن سخطه على نظرائهم في الداخل، وكانت مشاهد حصار السفارات المصرية تنديدا بالحكم البائد وتأييدا للحراك الوطني المناهض للحكم. كانت هذه المشاهد لا تتوقف؛ رغم ضراوة الملاحقات التي طالتهم سواء في مواطنهم الجديدة أو حين تطأ قدم أي منهم مطارا أو ميناء مصريا، وحتى المنظمات والجمعيات الأهلية التي شكلتها مكاتب الأمن بالسفارات المصرية خاصة سفارة لندن، التي احتلت المركز الأول في تفريخ أخطر المنظمات الأمنية؛ المكونة من بلطجية ومرشدين تفننوا في إيذاء خصوم الطغمة الحاكمة، وهذه المنظمات والجمعيات قامت بأدوار مشينة انطلقت من لندن وامتدت لباقي بلاد أوروبا. ولم يكن ذلك كافيا لتمتد أصابع جمال مبارك ولجنة سياساته إلى ‘غرفة التجارة المصرية البريطانية’، التي يجب فتح ملفها وكشف دورها في تطبيع العلاقات مع المنظمات والشركات الصهيونية، وتهريب أموال المسؤولين الرسميين والحزبيين وغسلها نيابة عنهم. وفي فترة اندلاع ثورة 25 يناير قامت المنظمات والجمعيات الأهلية الأمنية بتهديد مؤيدي الثورة وأنصارها، وبعد خلع حسني مبارك ركبت موجة الثورة وشاهدناها في صدارة اجتماع ‘حزب المصريين الأحرار’ الذي عقد مؤخرا في العاصمة البريطانية؛ وكانت جنبا إلى جنب مع نجيب ساويرس راعي الحزب وضيوفه.
هذه مقدمة بدت ضرورية تثبت أن المصريين في الخارج يعكسون حال أقرانهم في الداخل.. فيهم الصالح والطالح، ومنهم الوطني الغيور، وربيب الطغمة الفاسدة بكل ما تحمل من شرور. وبدت هذه المقدمة ضرورية كذلك ونحن بصدد عرض قضية حق مصريي المهجر في التصويت في الانتخابات التشريعية وهي ليست جديدة، وكثيرا ما تكون مبرر تشكيك فيهم بهدف عزلهم نفسيا وفصم عراهم مع امتدادهم في الداخل، ومنعا لهم من حق المشاركة السياسية بالتصويت أو التمثيل أو تقلد المناصب العليا التشريعية والسياسية، وهو أبرز أنواع التمييز التي يرفضها البناء الديمقراطي. لم يختلف الوضع قبل ثورة 25 يناير عما بعدها، وتتحاشى السلطات فتح هذا الملف. وما فيه من إشكاليات نتجت عن الإقامة الطويلة، وعن حقوق كفلتها قوانين البلاد المضيفة؛ خاصة ما يتعلق بازدواج الجنسية غير المجرّمة في القانون المصري. فقانون الهجرة ورعاية المصريين في الخارج ينص في مادته الأولى في باب الأحكام العامة لقانون الهجرة ورعاية المصريين في الخارج رقم 111 لسنة 1983: ‘للمصريين فرادى أو جماعات حق الهجرة الدائمة أو الموقوتة الى الخارج، وسواء أكان الغرض من هذه الهجرة مما يقتضى الإقامة الدائمة أو الموقوتة فى الخارج وفقا لأحكام هذا القانون وغيره من القوانين المعمول بها ويظلون محتفظين بجنسيتهم المصرية طبقا لأحكام القانون الخاص بالجنسية المصرية ولا يترتب على هجرتهم الدائمة أو الموقوتة الإخلال بحقوقهم الدستورية أو القانونية التي يتمتعون بها بوصفهم مصريين طالما ظلوا محتفظين بجنسيتهم المصرية’، والمعنى هنا واضح بأن إزدواج الجنسية لا ينقص من حقوقهم كمواطنين والشرط واضح هو: ‘طالما ظلوا محتفظين بجنسيتهم المصرية’. وهم بذلك مواطنون كاملو الأهلية، وليس من حق أحد أن يحرمهم من أي حق من حقوقهم. وأول ورقة في هذا الملف هي ورقة العودة إلى الأصول، وفيها نجد أن ظاهرة الهجرة جديدة على المصريين، وجاء في السبعينات من زينها في عيون الشباب، ثم تبعه من جعلها اضطرارا تحت وطأة الحياة، وبين الغواية والاضطرار خرج المصريون إلى بلاد الله الواسعة، كل ينشد ما يبتغيه. ومع بداية الألفية الثالثة زاد التشكيك في ولاء المغتربين، وزاد الحرص على استغلالهم موردا ثابتا يمد خزينة الدولة بالمال لا تستغني عنه، وكل ذلك اقترن بإهمال شديد من جانب السلطات الرسمية. ومن الممكن أن نؤرخ للغواية بأنها انطلقت فور أن وضعت حرب 1973 أوزارها، وعادت ‘أخبار اليوم’ إلى دورها الذي تأسست له منذ عام 1944، وعزفت على وتر الهجرة وخروج الشباب، وبعد أن كان الاهتمام منصبا على البناء والانتاج والتقدم والتنمية والاكتفاء؛ صار ‘الخروج الكبير’ هدفا يفرغ مصر من كفاءاتها ومهارات أبنائها وعقولها، وبعد أن كان الخروج مؤقتا؛ لبعثة أو لعمل محدد المدة أو لاكتساب مهارة أو لتزود من علم أصبح بعد كل ذلك هدفا في ذاته، وبدأ نزيف العقول والكفاءات واستمر، وتحول المصريون إلى أيدي عاملة رخيصة؛ انحفضت مهارتها وكفاءتها وقيمتها بمرور الأيام. وكانت كتابات علي ومصطفى أمين قد نسجت قصصا وحكايات عن شباب غسلوا الأطباق وخدموا في الحانات والمزارع والمنازل الأوربية والأمريكية، ثم تحولوا بين يوم وليلة إلى أثرياء وأباطرة، وهذا الوهم كان بداية تطلع الشباب إلى خارج الحدود بحثا عن حلم قد لا يتحقق، وفي الغالب يتحول إلى كابوس.
وكلما زادت الغواية قلت فرص العمل، وضاقت سبل الحياة، وعم الفساد، وتوحش الحكام، وأصبح البلد الجاذب أكبر مركز طارد، ودفع زلزال زيارة السادات للقدس المحتلة أعدادا ضخمة من الكتاب والصحافيين والمفكرين والسياسيين إلى المنفى العربي والغربي؛ كان بعضه اختياريا وبعضه الآخر إجباريا. وتغيرت الطبائع، وثبت أن خروج المصريين كان أقله رغبة وأكثره اضطرارا؛ أنتهى برحلات الموت في ظلمات البحر فيذهب الشباب طعاما يوميا لأسماكه. وتقع المسؤولية لهذا الواقع الأليم على كاهل أولي الأمر. ومع ذلك استمر القابضون على جمر الوطن في إصرارهم على استعادته من مغتصبيه، وممن أغلقوا أبوابه في وجه أبنائه وألقوا بهم في جحيم الغربة والنفي. وجاءت الثورة.. ونعلم أنها دائما منصفة وليست ظالمة، لكنها بدت هذه المرة معطلة، وقدمت وعدا هزيلا من أجل منح ‘شعب الخارج’ حق التصويت في الانتخابات التشريعية، مع استمرار سلب حقه في المسؤولية السياسية، وهو ما يعني عدم اكتمال مواطنته، والمواطنة الناقصة ميراث من الحكم البائد. وكان أحط ما فيه هو التشكيك في إنتماء مصريي الخارج، ولم يحل ذلك دون عمله على إفسادهم واستغلال ضعف البعض وقلة حيلته أو طمعه وأنانيته، وأخضعهم لابتزاز أجهزة الأمن فحولتهم إلى بلطجية ومرشدين يلاحقون الوطنيين ويطاردونهم. وكان الأغرب أن عائلة مبارك هي التي وقفت وراء حملة التشكيك في مصريي الخارج وجنسيتهم المزدوجة، مع أن كل الشواهد تقول بأن أفرادها بحملون جنسيات غير مصرية لا يصرحون بها، وأذكر ما كتبت قبيل انتخابات الرئاسة في 2005 بصحيفة ‘العربي’ القاهرية مترجما عن تقرير صحافي بريطاني قديم نشرته صحيفة ‘ويسترن ميل’ بمقاطعة ويلز، في يوم الخميس 8/10/1981: بعد يومين فقط من اغتيال السادات، وكان عنوانه ‘الأقارب في انتظار أخبار عن نائب الرئيس’. يذكر التقرير أن سوزان مبارك ابنة طبيب مصري وأم ممرضة بريطانية؛ التقيا وتزوجا خلال فترة تدريب الطبيب صلاح ثابت في مستشفى كارديف قبل الحرب العالمية الثانية، وأنجب الزوجان سوزان وطوني (الاسم البريطاني لمنير ثابت)، والتقت سوزان بدورها وهي طالبة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بحسني مبارك الطيار الشاب بالقوات الجوية وتزوجا سنة 1959، وأنجبا طفلين يحملان اسمين إنكليزيين هما ‘آلِن’ و’جيمي’، وأطلق الأخوال على الرجل الذى وقع عليه الاختيار ليكون رئيسا لمصر اسم ‘جورج’، وهذا وارد بالنص في التقرير الصحافي. وعلقْت وقتها بالقول أن التقرير يكشف علاقة ملتبسة لعائلة مبارك بقضية الجنسية المزدوجة، وتجنب مجلس الشعب قبيل انتخابات 2005 الخوض في مناقشة شروط الترشيح للرئاسة، إلا أن حسني مبارك تدخل للنص على عدم ازدواج الجنسية فيمن يترشح للرئاسة! واستطردت بالقول ‘وعلى الرغم من قناعتنا بأن شرط عدم ازدواج الجنسية فيه تعسف كبير’. ودستور 1971 كان لا يسمح بازدواج الجنسية، ثم أباحها، سنة 1975، بدعوى تشجيع الهجرة للخارج ورعاية المهاجرين المصريين، وتخويلهم حق الاحتفاظ بجنسيتهم إلى جانب جنسية المهجر. ومع هذا الحق غير المانع حظر المشرع على هؤلاء تولى المناصب السياسية ذات الخطر على مصر، على حد وصفه، وعلى رأسها منصب رئيس الجمهورية، وهذا الحظر في حقيقته قرار بالعزل السياسي على ‘شعب الخارج’ المقدر بالملايين دون جرم مرتكب أو أهلية مفقودة. وتم تجاهل ما جاء فى ذلك التقرير، ولم يشهره أحد في وجه حسنى مبارك ويسأله عن اسم ‘جورج’ المعروف به في عائلته البريطانية. وما يحمله من شبهة ازدواج الجنسية، وعن ابنه آلِن أي علاء وعن جيمى الذى هو جمال، اللذين يحملان الجنسية البريطانية، التى انتقلت إلى والدتهما من أمها البريطانية، وهو ما يمنح الأنجال حق حمل جنسية الأم (سوزان). وسألت ماذا يمنع من أن يكون اسم ‘جورج’ قد أطلق عليه بسب جنسية زوجته وولديه؟ وذلك يستوجب التأكد من خلوه من هذا المانع، الذى جعله المشرع مانعا من موانع الترشيح، وطالبت بأن يتم ذلك قبل إجراء انتخابات 2005، مهما كانت مخالفة رأينا لذلك، فهو مانع ملزم حتى إشعار آخر. وحق المواطنة لا يستقيم بحق إبداء الرأي الانتخابي وحده، فالحرمان من حق المشاركة وشغل المناصب يؤكد التمييز بين مواطن وآخر، ومن يتسق مع نفسه عليه رفض أي تمييز ورفض الوعد بحق التصويت ما استمرت المواطنة ناقصة، وكنا نظنها اكتملت بالثورة التي انتظرناها عقودا.. ما زال التشكيك والطعن قائما بعد هذا العمر الطويل والثمن المدفوع!!’ كاتب من مصر يقيم في لندن