رسم كاريكاتوري عن ثورة

حجم الخط
0

د. أوشي شهام ـ كراوسجرى عرض دراما الكوتج، التي أسرت وسائل الاعلام في الاسبوع الماضي باعتبارها مثالا للقوة السياسية الكامنة في الشبكة الاجتماعية (الفيسبوك). بيد أن ‘نجاح’ الاحتجاج خاصة يحتاج الى فحص عن الدعوى التي تقول انه أخذت تنشأ عندنا ‘سياسة خيالية’ جديدة وديمقراطية بواسطة فاعلية تعتمد على الشبكة.

إن فكرة المواطنة الفعالة مصدرها اليونان القديمة. فقد جعل أرسطو المواطنة الفعالة تُماهي طبيعة الانسان. والوضع في أيامنا يختلف. فالنظم الضخمة الاجتماعية، وعلى رأسها الدول الحديثة، تجعل الانسان سلبيا. اختفت الديمقراطية المباشرة التي عملت في العالم اليوناني لصالح نظام ممثلين يُسطح شخصية المواطن الفعال ويضائل صوته الى درجة قصاصة في صندوق اقتراع. إن السوق اليونانية أخلت مكانها لميدان الكتروني كان ذا اتجاه واحد حتى السنين الاخيرة: من الاستوديو الى المشاهد.

يسهل اذا أن نفهم حماسة الخبراء على اختلافهم لدخول شبكة الانترنت التي تعتمد على مضامين المتصفحين في ميدان الاستهلاك والسياسة. فها هو ذا كما يقولون لنا ميدان السوق يعود بنسخته الوهمية ويمنح صوت المواطن الفعل من جديد. فالاعلانات والرسائل تُحدث انتظامات جديدة وجماعات سياسية، بل إن الجماهير في نهاية الامر تخرج من بيوتها وتطالب بحقوقها في العالم ‘الحقيقي’. يصعب إنكار قوة الشبكات الاجتماعية والامكان الكامن فيها لزيادة قوة مليارات البشر. غير أن توقعات السياسة والديمقراطية الوهمية مبالغ فيها وسابقة لأوانها. إن التماس الذي سينجح في الادماج بين الامكانات التقنية والنشاط السياسي الحقيقي ما يزال غير موجود ونشك في أن يوجد.

ينبغي ألا نستخف بالاسقاط المتوقع لمستبدين مثل معمر القذافي أو بشار الاسد بواسطة حركة بدأت طريقها بالفيسبوك. لكن نجاح الثورة الوهمية سيُقاس بالنظام الحقيقي الذي سيحل محل المستبدين المُسقطين وبقدرة تلك الجماهير على الاستمرار في تحسين أوضاعها على نحو مفتوح حر بالأدوات الوهمية.

يبدو أكثر من كل شيء أن وسائل الاعلام الجماهيرية عشقت أسطورة الفيسبوك، الذي يُغير نظم الحكم، الجديدة. هذا العشق يستمد من نرجسية خبراء انترنت على اختلافهم يُلقون على العالم الوهمي فنتازيا سياسية غير ناضجة. برهنت الثورات في العالم العربي على أن الوسط الجديد يستطيع أن يضعف نظام الحكم بل أن يسقطه لكنه غير قادر على انشاء بديل ايجابي وهذا هو الامتحان الحقيقي للتغيير السياسي.

بل إن ‘ثورة الكوتج’ ليست فيها قوة الثورات في العالم العربي. فهي رسم كاريكاتوري لسياسة فعالة. وهي تُذكر أكثر مما تُذكر بسلوك اجتماعي أو استهلاكي، باقتراع هاتفي في برامج تسلية ـ فهي احتجاج غير ملزم يتم بلا انتباه عن حماسة سطحية. وهو موجه على موضوع غامض ولا ينجح في انشاء نقاش ذي شأن. ورغم أن ‘احتجاج’ متصفحي الفيسبوك صادق فهو لا يلزمهم بأي عمل.

إن موضوعا ضئيل الشأن خاصة مثل معركة على سعر جبن تثبت عدم نضج السياسة الوهمية. نشك في أن يكون أحد من مئات آلاف مستعملي الفيسبوك الاسرائيليين ذا وعي سياسي استهلاكي عميق بقدر كاف لانشاء احتجاج أشمل، يتعلق بالاجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي أفضت الى رفع الأسعار. من اجل إحداث هذا الاحتجاج ينبغي الاتفاق على برنامج عمل والحصول على معلومات موثوق بها ومركبة والائتلاف تحت هدف واحد ويُحتاج في الأساس الى اقتراح نظام جديد. واذا جئنا للبحث عن نظام كهذا في ثورة الفيسبوك فان نظرنا يضيع بين مليارات التعليقات والصور العائلية وضغطات ‘أعجبني’. هآرتس 20/6/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية