نادرا ما كانت المحاكم تنصب للحكم على الاثرياء او الاغنياء او الوزراء.. نتحدث بالطبع في امصارنا العربية، اذ نادرا ما كان القضاء يحرّر الاغبياء والفقراء والمظلومين ومعارضي الحاكم او السلطان، وبالتالي كان العربي يشعر بان القضاء مهما قيل فيه من نزاهة وعدالة وحكمة وتبصر فانه لا يعادل عدالة السماء، حتى ان الاستفهام: كم عدد المظلومين القابعين في السجون؟ لا يزال يراوح مكانه في عقول العرب.. ورغم علمنا بان عدالة السماء لا تغيب شمسها مهما طال الظلم كان التصريح الدفين قد خرج اخيرا من غياهب الصمت، من افواه الحكماء: ‘سبحانه يمهل ولا يهمل’ وبما ان الحقيقة الناصعة تتقيد من بعيد وقريب بالحجة، وحججهم في ذلك عديد الوقائع وكثير المواقف، فالاقبية والسجون لا تخلو من أفعال ترهيب وأعمال ترغيب وتعذيب يندى لها جبين الجنين، وحتى الموت المستراب يقع له الصواب الحكيم والعدل المبين من عليائه المصان في لمح بصر الهول، والقلب يعتصر ممّا يجري ومما يصير ومما يسري في عروق السجانين وحكام الوطن العربي الحزين ومن لم تصبه ادوات التعذيب المهين يعش ابد الدهر مصدوما مهوسا مكلوما من قرقرة ابواب الحديد ومن تهيؤات سياط الجلادين.
والحال الآن ان السحر انقلب على الساحر واصبح الحاكم على باب المحكمة ينتظر محاكمة عادلة، وعلمنا ان القضاء كان ولا يزال عادلا ومستقلا، فهل ستكون الاحكام على من فعل ما يندى له الضمير بشعبه وبافراد شعبه وبمعارضي حكمه وباصحاب الاقلام الجريئة التي نقدت أفعال حكمه وحكمت على أفعاله المشينة بديمقراطية الكلمة وحرية التعبير.. أحكاما عادلة بالمعنى الصحيح للقضاء المستقل؟
أظن ان الوقت حان لان يقول القضاء كلمته في كل من أخطأ في حق الوطن والمواطنة والوطنية، وكل من دنس قداسة الحرية والعدالة والنظام والامان والوطنية.. أظن ان الوقت قد حان ليساوي القضاء بين المخطئ الغني والمخطئ الفقير والمارق الحاكم والمارق المحكوم.. والسؤال الخطير الذي يطرح نفسه: اما آن الاوان للقضاء ليرفع سيف القسطاس فوق رؤوس الجميع.. والى متى سيبقى المذنب هاربا من العدالة وعلمي ان عدالة القضاء من عدالة السماء؟
محمد بوفارس – تونس