هؤلاء الحكام لا يحترمون القيم والمبادئ التي تشكل تقاليد مجتمعاتنا العربية ولا يتعظون باحداث التاريخ ولا يقبلون بأي اصلاحات أو نقد بناء من أناس يرون أنهم على حافة السقوط، على الرغم من أن الذين يشيرون الى الاصلاحات عادة ما يبدون الرأي بخجل أو بالرمز خوف البطش والابعاد والتجويع. وغالبا ما تكون أصواتهم خافتة وبالتالي تعلو عليها أصوات الأزلام والمنافقين المرغوبين لدى الحكام، (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم – صدق الله العظيم) وجدير بنا أن نقدم أمثلة على تصرف الحكام العرب في هذا الزمان الذي لم تعد فيه خفايا أو أسرار بسبب التطور التكنولوجي والعلمي، ذلك أن كل شيء مرئي ومسموع مكشوف من الأجواء العليا ومن تحت الأرض وفوقها، ومع ذلك فالواحد منهم عندما يتبوأ منصبه اما بانقلاب عسكري أو انتخابات مزورة أو توريث مفروض يقوم على الفور بثلاثة أمور، أولها، ايكال كل المناصب لاخوته وأبنائه وبناته وأقاربه لأنه في الأصل كان قد وصل الكرسي بالتآمر وهكذا، فهو يتوجس خيفة من اي انسان ولا يثق في أحد وثانيا، نهب المال العام وجمع غيره بالاستغلال والرشوة والعمولات ثالثا، بسجن وقهر وقتل كل صاحب رأي أو فكر يبدي اي نقد ولو بالسر أو الاشارة مستخدما آلاف الحجج كالقول ان هذا أو هؤلاء خونة متآمرون وعملاء لقوى أجنبية وهي تهم سهلة وحاضرة، فالعمالة لابد أن تكون لاسرائيل أو أمريكا وغيرهما، وأخيرا وجد هؤلاء الحكام الفزاعة التي يعتقدون أنهم بها يتلقون التأييد والمساعدة من الغرب، كالقول بأنهم اذا ما أسقطوا فان ‘القاعدة’ ستسيطر على البلاد وهذا ما استند اليه القذافي الذي لم يترك معرة الا ونسبها الى الثوار، وبعده علي عبدالله صالح وقبلهما بن علي وحسني مبارك، واذا هو اي الحاكم العربي لا يمكنه أن يفكر ولو في المنام في التنحي عن الحكم حتى بعد عقود من دوسه على رقاب الناس لأنه اذا ما قبض عليه سيحاكم واذا هرب سيتابع ولن يفلت من القصاص والقضاء العادل، وبالتالي لابد أن يقاتل ويستخدم كل الطرق ليبقى جالسا على الكرسي قابضا على رقاب الناس من دون رحمة ولا شفقة، ولهذا الحاكم أو ذاك أبواق تصلي باسمه وتدعو له من خلال الاذاعات المرئية والصحف الصفراء التي يستأجرها بمال الشعب والغريب أو المستغرب انهم يستعملون نفس الأسلوب ونفس المصطلحات، يقولون عن المعارضين أو المتظاهرين أنهم عملاء وخونة ومرتزقة وعن وسائل الاعلام التي تنقل الأخبار التي لا تعجبهم أنها ممولة من المخابرات واسرائيل، ومن يتحدث بغير النفاق ولا عن خصالهم ومناقبهم المجيدة فانه كاذب وعميل وهو يخدم اسرائيل الخ. هؤلاء الحكام العرب لا يملكون الشجاعة كقيمة ولا العقل كميزة وسجية، يعرفون فقط البوليس والقتل بكل وسائل القتل والتدمير والسجون التي يشرف عليها أناس (اذا أمكن أن يقال انهم أناس وبشر) لأنهم يملكون من الكراهية والحقد ما لا يمكن تقديره، وشعارات هؤلاء الحكام ونزواتهم البقاء والبقاء ولو على جماجم كل الناس الذين قدر لهم أن يكونوا تحت حكمهم فلا يطيقون سماع كلمة عدل وحرية أو ديمقراطية، فلا صحافة حرة ولا قانون يحترم ولا دستور يحدد العلاقات بين الحاكمين والمحكومين، بين هذا الحاكم ورعيته، ولو بدأنا من بن علي في تونس ونلحق به حسني مبارك في مصر ثم القذافي في ليبيا وعلي عبدالله في اليمن وبشار في سورية والبشير في السودان وبوتفليقه في الجزائر، من دون أن نتحدث على الأقل موقتا عن السلاطين والملوك والأمراء بسبب معروف ومكرر، وهو أن الاولين يقولون انهم ثوار وانهم جاءوا ليحققوا الحرية والوحدة الخ الشعارات، هؤلاء جميعا استخدموا جميع وسائل القمع والقتل والتعذيب والتغييب وانتهاك الحرمات ضد شعوبهم ان صح أنهم منها وهم جميعا ذوو غرائز موغلة في البدائية، وهذا أحدهم فشلت معه جميع مساعي الوساطة للخروج وترك شعبه يقرر لنفسه نراه اليوم (4 حزيران/يونيو2011) يخرح رأسه مشويا ووجهه مشوها وأطرافه دامية؟ وهؤلاء الحكام في خطبهم بمناسبات الاحتفالات التي يقومون بها الكثير من الحديث عن النضال وتحرير فلسطين ومعاداة الامبريالية في حين أنهم يقهرون شعوبهم وكل انسان يعرف أن المقهور والخائف لا يمكنه أن يحارب أو يحرر وطنا، بل بالعكس فهو اذا وجد الفرصة يحرر نفسه من حكامه الطغاة وهو ما نشهده الآن في كل بلادنا العربية، ان ثورات الشباب تقلب الكراسي على رؤوس حكام أوغلوا في الظلم وسرقة المال العام وتأخير البلدان تعليميا واقتصاديا وصحيا وثقافيا الخ، ولعل أحسن من عبر عن سلوك هؤلاء الطغاة ابوالقاسم الشابي كعادته في تطويع اللغة العربية للدلالة على الحق والحرية، فقال، (صوت المستغلين خافت وسمع طغاة الأرض أطرش أضخم وفي صيحة الشعب المسخر زعزع تخر لها شمم العروش وتهدم ولعلعة الحق الغصوب لها صدى: ودمدمة الحرب الضروس لها فم اذا ألتف حول الحق قوم فانه يصرم أحداث الزمان ويبرم.
د. عبد الوهاب محمد الزنتاني