هل تضبط تركيا استحقاقاتها على وقع الحسم الانتخابي للعدالة والتنمية؟

حجم الخط
0

شكري الصيفي

تندرج الانتخابات التركية الأخيرة ضمن’مسار داخلي يشوبه الصراع وسياق إقليمي ترسمه الثورات العربية، حدثان يتفاعل احدهما مع الآخر بعد موقف تركيا الواضح من النظام السوري وموقفها من الحرب في ليبيا. مواقف وتحولات تسم الداخل التركي وتعيد صياغة معالمه على وقع هذه الثورات المتتالية فاتحة فصلا جديدا بعد تسع سنوات من تسلم حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي الحكم في تركيا. من هذا المنطلق تبدو الانتخابات التركية مرتبطة بتطورات المحيط العربي الذي يمثل في أبجديات منظري هذا الحزب جزءا رئيسيا من عمقه الاستراتيجي.

نصر انتخابي.. لم يكتملجاءت هذه الانتخابات في سياق محلي اتجه سريعا نحو تأكيد حسمها لصالح حزب العدالة والتنمية بحوالي 50 بالمئة مما يسمح له بتشكيل الحكومة لكنه لن يتمكن من تعديل الدستور. بينما حل في المرتبة الثانية’حزب الشعب الجمهوري’أكبر أحزاب المعارضة العلمانية بـما يقارب 26 بالمئة من الأصوات من بعده’حزب الحركة القومية’بـأكثر من 13 بالمئة وهو ما يمكنه من دخول البرلمان. بينما حقق المرشحون المستقلون من الأكراد اختراقا ملحوظا بفوزهم بثلاثين مقعدا.

العدالة والتنمية الذي حصد 326 مقعدا من أصل 550 لكنه لم يحظ بغالبية الثلثين أي 367 مقعدا التي كان يأملها لتعديل الدستور وإقرار نظام رئاسي، من دون الحاجة إلى التشاور مع المعارضة، كما لم يحصل على 330 مقعدا اللازمة لإجراء استفتاء شعبي لتعديله. وكان الحزب يشغل 331 مقعدا في البرلمان السابق، رغم كونه لم يحصل سابقا إلا على 47 بالمائة. ويعود انخفاض عدد مقاعد العدالة والتنمية عن الدورة السابقة إلى إعادة توزيع مقاعد البرلمان على المحافظات التركية حسب تعداد سكان كل محافظة، وتقليص عدد المقاعد في محافظات وزيادتها في أخرى. وبدت المعركة الحقيقية لهذا الحزب تحقيق فوز كاسح يؤمن له العدد الكافي من النواب في البرلمان كي يتمكن من إقرار دستور جديد يعد له أردوغان من داخل البرلمان دون الحاجة إلى استفتاء جماهيري كما حصل أثناء إقرار التعديلات الدستورية الأخيرة وهو ما لم يتمكن العدالة والتنمية من تنفيذه. بشكل عام ما لوحظ خلال هذه الانتخابات تركيز المعركة الأساسية لحزب العدالة والتنمية على جبهتين: جبهة الدوائر الكبرى مع حزب الشعب الجمهوري في مدينتي إسطنبول وأنقرة حيث كانت المعركة فيهما صعبة مع منافسين أقوياء من قبل حزب الشعب الجمهوري الذي أحدث انطلاقة قوية في الفترة الأخيرة. بينما كانت المعركة الانتخابية المصيرية في المناطق الجنوبية الشرقية ولاسيما ديار بكر معقل الحركة الكردية، التي سبق أن حققت فوزا كبيرا في الانتخابات البلدية عام 2009 وسط ازدياد دور العامل الثقافي القومي الكردي في تحديد اتجاهات التصويت هناك. يضاف إلى هذا الأمر ترهل قيادات حزب العدالة والتنمية، وحدة مواقف أردوغان في مواجهة منافسه كمال كيلجدار أوغلو الذي يتسم بالهدوء. على الرغم من هذه التحديات الماثلة أمام أردوغان وحزبه إلا أن ثمة أوراقا بيده لتكون هذه الانتخابات مرحلة مفصلية حول مستقبل إسلاميي تركيا الذين برغم الانتقادات الموجهة لهم فإنهم يبقوا النموذج الأقرب للغرب ولعدد من التيارات الخارجة من عباءة الإخوان المسلمين في المنطقة العربية.

عوامل نجاح العدالة والتنميةيعتمد هذا الحزب المحافظ والديمقراطي كما يصفه زعيمه، على عدد من العوامل المساندة منها الاقتصاد الذي اخرج تركيا من أزمة اقتصادية خانقة بعد ان كانت تعيش على وقع وصفات صندوق النقد الدولي، وحقق طفرة اقتصادية خفضت من معدلات التضخم والديون والبطالة مقابل زيادة في الدخل والنمو، وكل ذلك جعل تركيا في قائمة الدول الكبرى اقتصاديا. كما حقق الحزب عددا من الإنجازات السياسية والإصلاحات الداخلية، لعل أهمها التعديلات الدستورية التي تم إقرارها في ايلول/سبتمبر الماضي، وقد أعطت هذه الإصلاحات دفعا سياسيا كما حققت حالة من التعايش النسبي بين الإسلاميين المحافظين والعلمانيين والجيش بعد عقود من الصراع والعنف والقطيعة السياسية. خارجيا استطاعت تركيا في هذه الفترة من خلال سياستها الخارجية ما سمته بالعمق الاستراتيجي الذي يستهدف التواصل مع المناطق الجغراسياسية المحيطة بتركيا، ونتج عن ذلك تطور كبير في العلاقات مع الدول العربية ودول آسيا الوسطى وإيران وروسيا والصين، وصولا إلى تعزيز مكانتها الإستراتيجية في السياستين الأمريكية والأوروبية، كل ذلك جعل من تركيا لاعبا إقليميا رئيسيا في المنطقة. مجمل هذه العوامل تدفع حزب العدالة والتنمية بعد فوزه بالانتخابات إلى الرهان مستقبلا على صياغة دستور جديد، ترى فيه قيادات هذا الحزب استشرافا وانتقالا بالبلاد إلى مرحلة جديدة. وذلك على الرغم من الانتقادات الموجهة لأردوغان، الذي يعتبر أول رئيس حكومة وحزب في تركيا يصمد لثلاث ولايات كاملة. بل يتطلع إلى قيادة البلاد بعد أن يعطيه الدستور الجديد صلاحيات رئاسية قوية على الطريقة الأمريكية كما أبرز ذلك في الكثير من اللقاءات الصحفية. ويرى عدد من المراقبين والمتخصصين في قياسات الرأي العام واستطلاعات الرأي في تركيا إن العامل الأساسي لارتفاع شعبية العدالة والتنمية هو كاريزما أردوغان، الذي أصبح رمزا للمرحلة بعد أن نجح في تكريس صورته بوصفه الرجل الذي قاد البلاد بقوة خلال المرحلة الماضية، كما ان أردوغان جعل من هذه المعركة الانتخابية المحسومة قاعدة لتأكيد تصوره لتركيا الجديدة كما يراها.

واعتبارا لهذا المعطى فإن نتائج الانتخابات كانت بمثابة تصويت ليس على شعبية حزب العدالة والتنمية فقط بل على سياسة أردوغان حاضرا ومستقبلا. بعد ان سارع الى تجديد أكثر من نصف من نواب حزبه استعدادا للمرحلة المقبلة مراهنا على الفئات الشابة في صياغة برامجه المستقبلية. لكن تطلعات اردوغان ورفاقه اصطدمت فعليا بحضور حزب الحركة القومية، حيث لم ينجح حزب العدالة والتنمية في الانفراد، إلى جانب حزب الشعب الجمهوري بالبرلمان، برغم ترشيح العدالة والتنمية لمجموعة من المرشحين القوميين في بعض الدوائر الانتخابية بغية الاستحواذ على أصوات القوميين.

تحديات المستقبليمثل نجاح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات تسجيلا لانتصار جديد على القوى التقليدية وبشكل خاص المؤسسة العسكرية التي تضطلع بدور أساسي في الصراع السياسي. لكن تطلعات اردوغان لإطلاق إستراتيجيته الجديدة تقف أمامها الكثير من التحديات الداخلية أهمها القضية الكردية التي ازدادت تقاطعاتها خاصة بعد أن نجح حزب العمال الكردستاني في بناء جناح سياسي مؤثر. يضاف إلى ذلك تمكن الأكراد’من تحقيق مكاسب مهمة في هذه الانتخابات البرلمانية على غرار الانتخابات البلدية عام 2009، نجاح سيزيد من الصعوبات التي يواجهها العدالة والتنمية في طرق التعامل مع القضية الكردية في ظل عدم توصلهم لوضع تصور واضح لهذه القضية المعقدة. كما تضاف إلى قضية الأكراد مسألة الأقليات الدينية والمذهبية كالعلويين الذين يبلغ حوالي 15 مليون والتي تطالب بتمثيل ثقافي وديني واعتراف سياسي. والأرثذوكس المسيحيون الذين يطالبون بالاعتراف بمسكونية بطريركية الروم الأرثوذكس في إسطنبول لتكون مركزا دينيا عالميا. وإذا كانت مطالبات العلويين تبقى محدودة فإن المطالب الأرثوذكسية تلتبس بعاملي الدين والتاريخ كما يدعمها الغرب. داخليا لا يبدو من السهل على القوى المناوئة للدالة والتنمية القبول بتركيا كما يريدها أردوغان، فلهذه القوى أجنداتها وعناصر قوتها، فحزب الشعب الجمهوري الوريث التاريخي لحزب أتاتورك وحد صفوفه وبات ينتهج سياسة واقعية جديدة تجاوزت الشعارات العلمانية السابقة المرتكزة على الإرث الأتاتوركي، كما أن قائده الجديد كمال كيلجدار أوغلو استطاع أن ينجح في رفع شعبية الحزب في الفترة الأخيرة اعتمادا على رؤية جديدة. كما أن القوى الكردية التي تنافس حزب أردوغان على أصوات مناطق الجنوب والشرق تحشد كل إمكاناتها في مواجهة تمدد العدالة والتنمية هناك. خارجيا يشير معظم المراقبين السياسيين الى وجود ترابط ما بين الانتخابات التركية والثورات العربية برغم التباعد النسبي، تقارب يلحظه المتابع للسياسات التركية وبشكل خاص خطاب أردوغان حول الثورات العربية التي استحوذت في الفترة الماضية على أهم مضامين خطابه الانتخابي، فأردوغان الذي دعا مبارك إلى الرحيل وتوسط أخيرا في رحيل القذافي، كما تتالى دعواته للأسد ونظامه إلى الإصلاح حينا والتهديد حينا آخر، يبدو المستفيد الأكبر سياسيا ومعنويا من هذه الثورات. ولعل ما يثير الكثير من الأسئلة خاصة منه الملف السوري بعد احتضان تركيا مؤتمر أنطاليا للمعارضة السورية واستقبال تركيا للاجئين السوريين. بالإضافة إلى اعتبار تركيا في عهد العدالة والتنمية محجا للتيار الإخواني والإسلاميين العرب لاستقراء تجربة إسلامي تركيا بل لربما لاستنساخها بعد إنشاء الإخوان لحزب مشابه وظهور حزب تونسي ذو توجه إسلامي بنفس هذا الاسم. ولعل ما يبدو من خلال خطاب أردوغان وحزبه تطور سعى من خلاله إلى توظيف الثورات العربية في الاستحقاقات الانتخابية الشعبية في الداخل التركي. وكذلك استغلاله رسميا من خلال إبراز تركيا كداعمة للتغيير والديمقراطية، لكن حدود هذا الخطاب تبقى نتائجها غير واضحة على المدى المنظور. لكن من المؤكد أن فوز حزب العدالة والتنمية الأخير لئن لم يكن كاسحا، فانه يمثل بداية مرحلة جديدة لتركيا العلمانية بقيادة حزب إصلاحية تتطلع إلى ارث إمبراطوري عثماني، تطلعات تحمل الكثير من المفارقات. فهي من ناحية تحمل مؤشرات على صعود أردوغان وحزبه. ومن ناحية أخرى قد تصطدم بتحديات داخلية وإقليمية ودولية قد تحيل المشروع الاوردوغاني إلى سراب سياسوي.’ كاتب من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية