صلاح بن عيادتتحول الثورة التونسية التي لا تزال في مرحلة ما من مراحلها في أحيان كثيرة إلى ما يشبه العمل الفرجوي في الشارع. عمل وكأنّه خاضع لسيناريو مسبق، يديره مخرج غير محدد. عادة ما تتخذ التغطية الصحافية بتنويعاتها طابعا جادّا مع هذا الشيء الجديد على الشوارع، فتستسلم لمجرد وصف انطباعي لما تراه يحدث بحذافيره. هذا ونحن شعوب لم نعش هذه اللحظة من قبل وإيمانا منا بجدوى الاطلاع على ما كتب الكتاب على ثوراتهم وهي أوروبية خاصة جدّت في أواخر القرن العشرين منها ثورة أيار ( مايو) 68 والتي لا يتردد البعض بمقارنتها بثورة كانون الثاني ( يناير) 2011 التونسيّة، أقول بالاطلاع على ذاك المكتوب نجد أن نصوصا وكتبا قد اتخذت منهاج الغالب الأغلب لما يكتب اليوم هنا وهناك من تونس وحتى المثقفين العرب. حتى أن المغربي الطاهر بن جلون على سبيل المثال قد تبرع لغاليمار بقراءة روائية تحت عنوان ‘ بالنار’ يسرد فيها حياة البوعزيزي التي بدأت بعد موته. وعلى انطباعية العنوان الواضحة مما ينبئ بكلاسيكيّتها، فإننا سنحترم أنفسنا دون الخوض فيها حتى تتسنى لنا قراءتها مع أن ما تصدره الصحف من تلخيص لهذه الرواية يبدو وكأنها إعادة وفية لحكاية البائع المتجول الذي قلب النظام ومن ثم الأنظمة. من الكتاب الفرنسيين الخائضين لثورة ستينيات القرن الماضي فيرونيك بيتّولو V’ronique Piolo المولودة سنة 1960 ـ سنلاحظ من ناحية حداثة المكتوب وصمود الثورة تلك كمادة ما زال الكتاب يعودون للاغتراف منها من ناحية أخرى ـ كتبت، وهي الشاعرة وناقدة الفن، نصّا متحرّكا كما يسميه البعض تحت عنوان ‘ الثورة في الجيب’ وقد يكون المقصود من ذلك كتب ‘ الجيب’ الصغيرة الحجم لكنه كتاب يحمل عنوانا فرعيا لافتا استقينا منه المادة هنا هو ‘ أول نص غير ملتزم عن الثورة الفرنسية’، كتاب متحرك لأنه الكتروني قد تتصفحه على هاتفك الجوّال.
في الخضمّ الثوري الصارم لا يكاد شيء آخر يجلب انتباه التونسي اليوم ـ من حقهم طبعا ـ لكن من حقنا أن نكتب نصا غير جدي ـ كما نسميه عن هذه الثورة التي شقينا من أجلها، نصّا أرجو من القارئ أن يحذر الحكم المتسرع من عنوانه في خضم الجدّية الغالبة، نصاً لن يقرأه إلى آخره إلا القارئ الذي يكمل المادة إلى آخرها كعادته ثمّ يضغط على زرّ ‘ أحب’ أو ‘ لا أحب’، الزر الذي لا يوجد إلى الآن طبعا. بالمناسبة هذا نصّ ترسليّ يكتب قبالة صراخ المطالبين بالإسقاط أو بالحقوق أو باللاشيء أحيانا.
النص الغير الجدّي:
لأوّل مرّة يعجبني الهواء يا حبيبتي. صرت أفكّر في الغوص في البحر الخفيف، صرت أقبّل القافية من شفتيها غير عابئ بما عليها. البوعزيزي على البحر ‘ البسيط’ يحرق جسدا مليئا بالرّغبة، الدليل عيناه المملوءتان بالشهوة في صورته الرديئة تلك التي التقطت ذات عرس فقد كان يصفّق بحرارة لراقصة عارية البطن ربما أو فقط كان يرى جميلة من جميلات ‘ بني هلال’ المتمركزات بسيدي بوزيد. أقول ‘ البسيط’ أمامك يا حبيبتي فأنا لن أقوى على قولها إلا أمامك بعدما تحوّل ‘ البوعزيزي’ إلى ولي صالح عربيّا، وأيقونة ايكزوتيكية أوروبيّا ) روايات فرنسية عنه مثلا ستبدو أنها نوع من الركوب الخارجي على الثورة المحليّة(، كما تحول إلى قوّة مقنعة أوقفت مجلس الشيوخ الأمريكيين دقيقة احترام لنا وهو الذي يقف بصعوبة للأشياء.
لا تذكري ذلك لأحد يا حبيبتي… قد يباح دمي بعد تقرير الثورة أني ‘ مضادّ ـ ثورة’. لا تقولي شيئا إن يسألونك عنّي أو عن مكاني. لا تدلّيهم على منزلي الذي من قشّ والذي يقع أدنى الما ـ بعد حداثة. حسنا قولي لهم قد جرحت حنجرته من الصّراخ. وهو يؤمن بـ ‘ ارحل’ وبـ ‘ اجتثاث’ من أخطأ، قولي لهم أنه يضع عشتارا ثوريّة في بيته ويعبدها كل صباح.
قولي لهم أنه يسقي شعر وجهه كي يدخل الحياة الجديدة بلحية فانكوخية ـ نسبة للرسّام ‘ فان كوخ’ ـ لحية حمراء براقة وطيّعة تقول ما يقولون وتميل حيث يميلون. وعلى درجة حمرتها تكون درجته عند أكبر خيمة في الاعتصام.
قولي أنه ممّن ‘ عمل الثورة’. وأنه ركض في نفس اتجاه الراكضين لا ضدّهم، أنه شتم تمام الشتم ‘ البوليس’ و’ المتبولس’ وقد آمن منذ الأول بعبارات ‘ المخلوع’ و’ المخدوع’ و’ الفساد المالي’ و’ تقصّي الحقائق’.. إيّاك أن تنبسي ببنت شفة عمّا قلته لك عن الحقائق تلك.
أتذكرين عندما قلت أن لا حقيقة يمكن تقصّيها ونحن نفكّر أن نمضي إلى البحر بعد شهور من حرماننا منه للخبطة ما بعد الثورة؟. ألم أسألك إن كان البحر ثائرا كما البرّ؟ إن كانت الموجات المائيّة تشبه الموجات البشريّة في الشارع الغاصّ بكلّ شيء؟ لا تذكري ذلك حرصا عليّ وقد وهبتك نصف ما فيّ.
لا تقولي أنه لا يعتبر السيّد ‘ البوعزيزي’ شرارة لـ ‘ الفورة’. فلا وجود لصدفة قد أصبحت آلهة في أيام معدودة، هكذا قلت لك. ولا وجود لمباغتة أنبتت نباتا لأن النبات من أبناء الوعي يا حبيبتي، الوعي وقد حبلت به أرض ولادة يا ولادة. لا تقولي شيئا عن امتناعي الواضح عن جعل فاء الفورة المذكورة أعلاه ‘ ثاء’ فقد تخسرين النصف المخصص لك مني وقد أخسر النصف الآخر نهائيّا، وقد لا أجد غرابين دليلين لنبش قطعة أرض من أجل النصفين.
تخيلنا البحر ونحن مع اعتصامات الناس جميعا. ولم نعتصم من أجل الذهاب إلى البحر كعشيقين زوجتهما موجة راسخة لا دين لها ولا عرق ولا لون واضحاً. لا تقولي أنه احتمى من خوفه بضفيرتي حتى لا يتهمني الجيش الوطنيّ بالوثنيّة. وإني أذكر حين قلت لي ذات ‘ جمعة غضب’ هل عليّ أن أخبّئ ثغري الورديّ فلا تراه؟. قلت لا تفعلي لأن الموجة جميلة وهي عارية ولا ندري أيّ غطاء يمكن أن يحرس جمال الموجة القادمة إلينا؟.
لأوّل مرّة يعجبني الهواء يا حبيبتي.
لأول مرّة أفتح نافذتي وأنا على ثقة من أن الطيور ستطير بديمقراطية مع اختلاف جذريّ في زقزقتها.
وأن الطيور المهاجرة تلك ستعود بكل ألوانها. ما كنت أحسب يا حبيبتي أن الطيور تلك ستكتفي بألوانها حزبا وحيدا أوحد. وما كنت أتوقّع أن طيورا ضاجّة ستهاجر في غير موعدها دون أن تتفطن أشرطة الأخبار الفوريّة لذلك.
أحببتك ذات يوم ولم أكترث لأسماء الأيّام ففي وجهك أسماؤها ورموزها. وفي وجهك اختزنت ثورتي. وكدّست الأسابيع الصارخة والشاطحة لوحدها. لكن الجمعة كانت تمر مجرد المرور، ليس كما الآن ـ يا حبيبتي ـ إذ أجد نفسي كلّ جمعة مدفوعا إلى أن أخبّئ حبّك تحت ثياب تفوح برائحة ‘ طريق الحرير’ وبشيء من ‘ ميدان التحرير’. لا تقولي أننا نخطط إلى تهريب ثورتنا من موضة الضجيج. أننا قررنا إبعادها عن فقه الاستعراض لنبذرها في حديقتنا الصغيرة وندسها شقيقة بين شقائق النعمان، فرخ بطّ قبيح ستمتدّ عنقه يوما وينكشف جماله يوما.
لا تقولي أننا كتبنا بيانات ووزّعناها على الأمواج. بيانات عن استنكارنا لعرض الثورات للبيع في المزادات العلنية والسرّية.
لا تقولي أننا فارقنا نهائيا ما تقول الأفواه في الاعتصام، الأفواه المتحولة إلى اسطوانات أفلتت وأطنبت في الدوران، تركنا كل ذلك وتشردنا في متابعة الأيادي المتمايلة كالغصون في الهواء. اليد العربية من تحررت يا حبيبتي. اليد العربية وقد فارقت الجيوب المتأزمة.
لا تقولي أني شممت الأيادي المندسّة، أني لعنت ملامح الأيادي الباحثة عن حرارتك في الحشود وأنّي هرّبتك من دهاء لمسها إلى حماقة أصابعي التي لن تكفّ اضطرابها أمامك كما أي ثورة.
لا تقولي أني بين الثورتين. لا تقولي أني عدت إلى الكواليس لاكتشاف حقيقة ماكياج المسرحيات السّائلة سيلان الماء. لا تقولي أنيّ ما زلت أحتمي بك كما أن لا شيء سقط، لا تقولي أني وجهت نقدا لاذعا للجملة الشهيرة ‘ الشعب يريد إسقاط النظام’ وأني قلت لن أبدّل فاء الفورة ثاء حتى يخرج الشعب من دائرة ضمير الغائب ‘ يريد’ إلى دائرة ضمير المتكلم ‘ نريد’. نعم كنا نقول يا حبيبتي للموج المكشوف، الناجي من النقابات والبلوزات ‘ نحن نريد إسقاط النظام’. شاعر تونسي[email protected]