لندن ـ ‘القدس العربي’: مشهد براين هاو، امام البرلمان بلوحاته وحبله من الملصقات المعارضة للحرب والشاجبة للحرب الامريكية ـ البريطانية على العراق وغيره لم يكن ليغادر نظر اي زائر لساحة البرلمان البريطاني.
وقصة براين هاو الذي توفي يوم الاحد في احد مستشفيات المانيا حيث كان يتلقى علاجا من سرطان الرئة هي قصة الحصار الدولي على العراق، فقد بدأ حملته امام البرلمان، عندما اقام في حزيران (يونيو) 2001 خيمة وظل جالسا محتجا في الساحة على الحصار الذي كان يقتل 200 طفل عراقي يوميا. وظل جالسا على كرسي صغير لاشهر وايام يصوم عن الطعام ويصلي. وتحول براين الى رمز حيث اقبل الكثيرون على خيمته وقام فنانون بتصويره وهو في معتكفه العام، فيما ظل حراس الساحة والبرلمان يزعجونه ويحاولون اقتلاع مخيم الاحتجاج الذي اقامه، ولم تفلح احتجاجاته وصلواته ولا مظاهرة مليونية تعتبر الاكبر في التاريخ، ومرت به وهو في مجلسه لوقف كل من جورج بوش وتوني بلير عن غزو العراق عام 2003. وعندها لبس براين قميصا كتب عليه ‘العراق: مليونا قتيل واربعة ملايين لاجيء’. وتحول براين الذي كان يعمل نجارا في بداية حياته الى رمز للمدينة وللساحة، وصورة عن الرجل المبدئي الذي ظل مصمما على موقفه رغم الريح والمطر والحر وتصرفات الحرس، وما اعطاه في رحلته التي استمرت عشرة اعوام مخيما في نفس المكان هو تعاطف الرأي العام معه والذي ظل معارضا للحرب على العراق وويلاتها.
وفي عام 2007 صوت المشاهدون للقناة الرابعة، براين كاهم شخصية سياسية بريطانية ملهمة ومثيرة للاعجاب وذلك في الجائزة السنوية التي تنظمها القناة. ولم ينس محبو الرجل المبدئي حياته وكفاحه حيث اجتمعوا يوم الاحد امام ساحة البرلمان وحاولوا وضع لوحات كرتونية وملصقات تتذكر الرجل وكفاحه لكن امن الساحة والبرلمان سرعان ما تصدوا لهم وحدثت مواجهات معهم. كان هاو يقول دائما لاصدقائه انه باق للابد في المكان.
واضاف قائلا ان احدا لم يكن ليعرف ان يستمر هاو في المكان هذه المدة الطويلة مشيرا الى ان النواب سيفرحون ويشربون الانخاب على رحيله. فقد كان مخيمه مثار غضب الوزراء الذين اعتبروه غير مريح للنظر كما استهدفه مسؤولو مجلس ويستمنستر المحلي، وسلطة بلدية لندن الكبرى. ولا يعرف ماذا سيحدث مخيمه الذي اقامه والامر يعتمد على نائبته بربارة تاكر. وكانت اقامته في المخيم سببا في مرضه ومتاعبه الصحية، كما تكريسه للموقف والمبدأ ابعده عن اولاده السبعة.
ويرى أصدقاء الراحل ان ما كان يقوله هاو لم تتم تغطيته بشكل جيد من الاعلام الرسمي. ويعتقد المصور مارك والينغر، الفنان الفائز بجائزة تيرنر في معرض قام على لوحات هاو المعارضة للحرب، ان اهم انجازات هاو هي انه لم يحتج فقط على الحرب ولكنه وثق فظائع الحصار والحرب على العراق، واثر اليورانيوم المنضب على الولادات المشوهة في العراق، كما انه كشف عن اكاذيب بوش وبلير حيث ظلت كذبة الحرب ومبرراتها حاضرة حتى الان في الصور والملصقات والتعليقات. واعتبر بريان هاو معركته رحلة شهادة رجل مسيحي مؤمن على ما يحدث في العالم من مأس. ويقول والينغر ان ما اغضبه اكثر هو موت الاطفال الابرياء بسبب الحصار، اكثر من تفاهة واكاذيب الساسة.
ولد برايان وهو في منطقة باركينغ ـ ايسكس عام 1949 وهو الابن الخامس – كان توأما، ثم انتقل الى مقاطعة كينت، وفيها تعرف على مبادئ دينه وانخرط في اعمال الكنيسة في سن الحادية عشرة قبل ان ينضم للجيش، وحاول الانتحار في سن السادسة عشرة بعد مشاهدته فظائع الحرب في المانيا التي خدم فيها، ثم عمل في بناء القوارب قبل ان ينضم للبحرية حيث كان يتلقى اربعة جنيهات في الاسبوع. واثناء عمله في البحرية مر من قناة السويس وزار الاهرامات وحط مع السفن في موانئ الشرق الاوسط والهند. وعاد بعد رحلاته ليدرس التبشير في مدرسة دينية في نوتنغهام لمدة ستة اشهر قبل ان يتركها ويتفرغ لنشر السلام في العالم على طريقته. وكانت اول محطة له في ايرلندا الشمالية حيث حمل معه غيتاره واخذ يغني في الشوارع ويوزع الحلوى والبالونات على الصغار، ورجع من المغامرة ليعمل في ايسكس كنجار غير متفرغ واعمال اخرى وتزوج في هذه الفترة. وتأثر براين هاو بافلام المخرج الوثائقي المعارضة للحرب، والعولمة ولهذا سافر الى كمبوديا حيث شاهد هناك فظائع بول بوت وحقول الموت وقضى 3 اشهر فيها. وعندما بدأ حملته لمعارضة الحرب وبنى مخيمه في الساحة القريبة من البرلمان دخل في تعقيدات قانونية حيث حاول مجلس المنطقة اجبارعلى اخلاء المكان لانه يعوق حركة العامة لكن المحكمة العليا رفضت دعوى المجلس. وفي عام 2003 اعتبر بلير هاو على انه رمز لبريطانيا وحرية التعبير فيها، ولكنه في عام 2005 كان يحاول يائسا للتخلص منه. وظلت اقامته في المكان معارك مستمرة مع القانون والشرطة، حيث سمحت له محكمة بالاستمرار في مخيمه طالما لم ترتفع اليافطات اعلى من 3 امتار، ومع مرور الوقت واستمرار المعارك اصبح هاو علامة على المكان، وتحول لرمز دولي حيث استضافته ‘سي ان ان’ ومحطات تلفزيونية مكسيكية. وفي عام 2007 قام الفنان مارك والينغر، باعادة تجميع وبناء اللوحات التي صادرتها الشرطة من هاو وشكلها في معرض بعنوان ‘وضع بريطانيا’، ونال الفنان جائزة تيرنر المعروفة. وكان شائعات قد تحدثت عن تفكير هاو الترشح لعمدية لندن عام 2008 ولم تكن صحيحة، في الثاني من حزيران (يونيو) الحالي حضر رجال شرطة إليه وسألوه الى متى ستبقى هنا، فأجاب للابد.