جان ماري شايفرترجمة: سعيد بن الهانيخصصت المجلة الأدبية الفرنسية Magazine Li’RAIRE عدد 16آذار/مارس 2009 عددا خاصا حول الجمال الروحي أو الحسي برؤية عدد من النقاد والمؤلفين، أبرزهم جان ماري شايفر JEAN MARIE SCHAEFFER الباحث في المعهد الوطني للبحث والعلوم بفرنسا CNRS. متخصص في الجمالية الفلسفية ونظرية الفنون. يدعو في أعماله إلى التحليل الفلسفي لجمالية الفنون، كما يقترح التخلي عن سلطة الإنسان والعودة إلى الطبيعة. صاحب عدة مؤلفات: 1l image Pr’caire Seuil /1987 /2 /QU EST CE QU UN GENRE LITT’RAIRE ‘SEUIL /19873/L ART DE L ge MODERNE GALLIMARD /19924/ ADIEU A L ESTH’TIQUE PUF /20005/LA FIN DE L EXCEPTION HUMAINE GALLIMARD /ESSAIS /2007 كلنا مفعم بتجربة الجميل، هذا الشعور المتعذر فهمه. كما يقول ماكسيم روفير. مفهوم يتجدد في كل حقبة تاريخية: بدءا من الجمالية الكلاسيكية وصولا إلى الجمالية الرقمية. يعود شايفر في مقاله إلى مساءلة أزمة الفن المعاصر، من خلال العودة إلى منجزات كانط وفحص خلفياتها النظرية المؤطرة لمفهوم علم الجمال. كيف ستكون العلاقة بالعمل الفني؟ ماهي أسس ومرتكزات علم الجمال؟ وماهي مبررات شايفر التي تدعو للعودة إلى الجمالية الكانطية؟
النص المترجم يعتبر منذ عدة سنوات كتاب ‘نقد ملكة الحكم’، أو بالأحرى جزأه الأول ‘نقد ملكة الحكم الجمالي’ موضوع اهتمام متجدد. يطابق هذا الإهتمام عودة ثانية لموضوع: الجمالية L ESTH’TIQUE. يبدو أن هذا الإهتمام مرتبط بالوضعية الراهنية للفنون، وخاصة الفنون التشكيلية. وضعية، لم نتوقف عن تكرارها بالإجماع في كل مكان ستنتهي إلى الملل. ستتشكل أزمة عميقة في الفن المعاصر. في الواقع، إن الأزمة الحقيقية هي أزمة (إذا وضعنا جانبا أزمة سوق الفن المرتبط بالمضاربات وليس بجودة أو غياب جودة الأعمال الفنية المبيعة) خطاب الشرعية الذي صاحب تطور الفن الحديث. لقد وجه بدون شك، هذا الخطاب بقدر لا يمكن إهماله التطور نفسه للفن، بطريقة زعزعت أزمته قليلا الممارسات الفنية أيضا. لكن لا يجب الخلط بين السبب والنتيجة. من المشكوك فيه إذن أن الأزمة موضوع السؤال يمكن أن تحل بعودة باردة إلى ما كنا نعتقد أنه كان ‘التراث العظيم’ قبل حقبة الحداثة. إننا بالأحرى بحاجة إلى تأمل نقدي (إذا أمكن ليس عاطفيا) حول الطريقة التي ندرك بها علاقتنا بالفن، بمعنى علاقتنا بالأعمال الفنية سواء كانت معاصرة، حديثة.. أو أشياء أخرى. ذلك كان عزم كانط عندما نشر كتابه نقد ملكة الحكم، في سنة 1790. أعلن مايلي: ‘من ثم… أنتهي من إنجاز عملي النقدي’. مضيفا: ‘سوف أمربسرعة إلى العقيدة، كي أربح إذا أمكن بحسب سني، وقتا يمكن أن يكون في صالح هذا العمل. من السهولة أنه لن يكون في العقيدة هناك جزءا خاصا من أجل ملكة الحكم، مادامت بالنسبة لهذه الأخيرة النقد مكانه النظرية….'(1) هكذا تتم الإشارة إلى مدخل لعبة خصوصية النقد الثالث: بينما على كتاب نقد العقل الخالص أن يعد الأرضية لميتافيزيقا الطبيعة وسيجد كتاب نقد العقل العملي امتداده في ميتافيزيقا الأخلاق، سيصل التحليل النقدي لملكة الحكم المتأمل إلى البرهنة على استحالة كل عقيدة ميتافيزيقية في المجالين اللذين تقتسمهما ملكة الحكم المتأمل، بل الحكم الجمالي (نقد الذوق) والحكم الغائي (سؤال غائية الطبيعة). كي نقول ذلك بمصطلحات معاصرة: مادام علم الجمال (الجمالية) تخصصا علميا وصفيا، فلن يكون سوى ميطاـ جمالية ـ تحليل الحكم الجمالي ـ وليس عقيدة موضوعية للجميل ـ وتحديدا لشروط موضوعية كونية غيرية (بين الذات والموضوع) ممكن أن تجعل من العمل الفني جميلا. تحديد، إذا كان ممكنا، سيسمح باختزال الحكم الجمالي في أساس وصفي. تنبثق هذه النتيجة مباشرة من التحليل الكانطي لحكم الذوق. ومن ثم، سينتج عن ذلك أن الأمر لا يتعلق بحكم موضوع ما، ولكنه حكم يحيل الموضوع (حفل طبيعي أو عمل فني) إلى جواب عاطفي (لذة أو نفور) يولده عند المتلقي الذي يتناوله في إطار الموقف الجمالي، بمعنى تأمل شكلي غير مغرض.
على أساس الإحساس باللذة أو النفور وقد أحدثه نشاط ذهني لازم (بمعنى لايستهدف نتيجة ما، مثلا معرفة موضوع، ولكنه يبحث عن إعادة توجيهه الخاص كنشاط تصويري ممتع)، بهذا العنوان المزدوج لا يعتبر الحكم الجمالي حكما معرفيا: يحيل على جواب الذات وليس الموضوع الذي يحدث هذا الجواب; إنه حكم مؤسس على الشعور SENTIMENT وليس على إدراك مفهومي. نتيجتان تستحقان الإهتمام. أولا، لا يعتبر كل إدراك للعمل الفني تلقيا جماليا: يجب تبني موقف نوعي، يكون تأملا نزيها (ليس في خدمة لا الغائية المعرفية، ولا الغائية العملية، مثلا الأخلاقية). يمكن إذن للعمل الفني أن يقوم بوظائف أخرى غير جمالية ويمكننا تقويمه شرعيا باسم هذه الوظائف: ببساطة لن يتعلق الأمر بحكم جمالي.
عكس ذلك، يمكن لموضوع ما(شيئا ـ صنيعا أو موضوعا طبيعيا) أن يتم تشكيله من موضوع التقويم الجمالي عنذئذ تتبنى الذات موقفا للإنتباه الجمالي (جيرار جينيت) اتجاهه. ثانيا، إذا ترجم التقويم الجمالي إحساس الذات المتلقية ولم يكن له كمرجع الخصائص الموضوعية للموضوع المتأمل، فإن كل نظرية فنية تزعم أنها وصفية مع تحديد حقلها الغيري باسم نموذج مثالي فني فإنها تقوم باستدلال خاطئ بشكل لا إرادي (ما نسميه اليوم خطأ النزعة المقولية). لايمنع التحليل الكانطي قطعا تطور نظرية الفن بمعنى خطاب معرفي حول الفنون. إنه يقترح ببساطة تمييزهذه العلاقة المعرفية (كذلك العلاقة العملية) عن العلاقة الجمالية بالمعنى الخاص. حيث يكمن الهدف في نشاط تصويري ممتع وبمنطق يمنع كل تحديد موضوعي، بل كل تعريف لجوهر الفن كمجموعة أعمال تملأ هذا الفن المثالي أو ذاك المسلم به كمعطى موضوعي (لا تنتسب القيمة إلى الموضوعات، بل إنها تنتسب الى الذوات التي تصنع منها التجربة). طبعا، نقوم بتوضيع لذتنا في الحكم الجمالي (نقول ‘x جميل’ بدلا من ‘x يمتعني’)، لكن هذا التوضيع يعتبر منطقيا (أو بالأحرى ‘الموضوعي’ كما يقول سانتايانا santayana (و لاشرعيا. (بقي مع ذلك أن نشرح هذا النزوع نحو التوضيع ـ وسنرى كيف سيحاول كانط أن ينجز ذلك) . حاولت أن أبين في موضع آخر أن تراث النظرية العلمي قد انتشر بسرعة في عالم الفن، إلى درجة مارست فيها تأثيرا مركزيا على التصوير الذاتي لعالم الفنون منذ الرومانسية إلى نهاية النزعة الحداثية. بهذه الواقعة، فإن الحكم الجمالي المدرك كنمط من الحكم المستقل المرتبط بتجربة نوعية للعمل قد تم تجاهله في غالب الأحيان: من المفروض أن تقوم علاقتنا بالأعمال الفنية ليس فقط على حكم الذوق الخاص دائما (فرد يثمن عملا ما في إطار تجربة نوعية)، ولكن على نظرية جوهرانية eentialiste للفن، تعرفه بواسطة وظيفته الأنطولوجية والإفتتانية، فضلا عن نظريته التاريخية لتطوره الذي يتنبأ له بالوصول في الكشف الذاتي لجوهره (ومن ثم، نجد مثلا النبرة الإسكاتولوجية في معظم بيانات الطليعيين، وميل لاختزال الفن إلى مكوناته النهائية، وهوس ‘الجدول الأخير’ إلخ.). لعدة أسباب مركبة، فإن خطاب الشرعية المؤسس على النظرية العلمية للفن هو في طور الغرق. وفي نفس الوقت فإننا نعيد اكتشاف باندهاش أن علاقتنا بالفن هي دائما وأولا علاقة شخصية بين فرد متفرد وعمل متفرد، ولايمكن لأية شرعية عامة أن تقيد أو تجبر هذه العلاقة، مخافة هدمها. بعبارة أخرى، كل شيء يمر كما لو أن أزمة خطاب الشرعية النظرية للفن الحديث قد سمحت بإعادة اكتشاف هذه الحقيقة العادية مع ذلك، من وجهة نظر قيمة الفن الجمالية، فإنه يعتبر موضوع تقويم شخصي، من هنا يعتبر كل شخص قاض بنفسه وعلى نفسه (يجب توفر الشجاعة كذلك على التشبث بحكمه الخاص، وبلذته أو نفوره الخاصين) ومن ثم، دعت الضرورة العودة إلى الجمالية الكانطية التي تسمح بالتفكير في خصوصية العلاقة الجمالية. ومع ذلك، فإن اختزال الجمالية الكانطية في تأكيد ذاتية حكم الذوق، يعني تحريفها. بالفعل، تكمن نقطة حاسمة في تحليل كانط ربط أطروحة ذاتية الحكم الجمالي بطموحها الشرعي نحو الكوني والشرعية: إن حكم الذوق هو بدون شك حكم ذاتي، لكنه ذاتيا حكم كوني و ضروري. يعتقد كانط أن هذا الطموح (الذي يفترض وجوده) شرعي، مادامت اللذة الجمالية الخالصة تكمن في تجربة غائية بدون غاية محددة، لذة يستحثها الإنسجام بين الخيال والفهم، انسجام يتحقق بمناسبة تأمل الموضوع الجمالي. بما أن هذا الإنسجام ينتج عن اللعب الحر لملكاتنا (الخيال ليس مكرها بواسطة الفهم العقلي، كما هو الشأن في حالة القصد المعرفي) ويتم إحداثه بواسطة شكل الموضوع (وليس بواسطة مادة الإحساس الخاص)، يمكنني شرعيا أن أفترض أنه قابل للتواصل كونيا، بشرط أن تكون علاقة ملكات فعل التعرف (خيال وفهم عقلي) هي نفسها موجودة عند كل الناس. ومن ثم، يجب أن تكون هذه العلاقة هي نفسها، وإلا لن تكون ممكنة أية معرفة بيذواتية intresubjective (ومن ثم فإنها ليس فقط ممكنة بل حقيقية): يمكنني إذن أن أطمح إلى كونية حكمي. تفسر هذه الكونية الذاتية أيضا ميلنا إلى ‘توضيع’ الحكم الجمالي. ما دمت كمعطى قادرا على أن أطمح شرعيا إلى أن يقتسم معي شعوري العالم كله شرعيا، فإنني أميل بواسطة ‘إسقاط’ معين، إلى أن أترجمه في شكل خصائص غيرية (بين الذات والموضوع). يقال بعد ذلك، بما أنه لن يتم تأسيس أي حكم جمالي مفهوميا، سوف لن أكون قادرا على إعطاء أسباب عقلية برهانية لهذه الكونية: سوف لن تكون إذن إلا مجرد نسخة. ومن جهة أخرى، ستكون دائما شرطية: لن يكون الطموح شرعيا إلا إذا كان الحكم حكما جماليا خالصا، وسوف لن أبرهن أبدا بأن حكما x الذي أعلنه هو فعلا حكما خالصا.
بواسطة هذه القابلية للتواصل الكونية المباشرة التي يتمتع بها الشعور الجمالي، تصل النظرية الكانطية بالفعل إلى إيطوبيا جمالية. إيطوبيا بخلفية تيولوجية، يتم ذلك بواسطة أطروحة الغائية التي تكون بدون غاية نوعية: يظهر لنا الموضوع ‘الجميل’ كما لو أنه يخضع لغائية ما، أوأنه صنع ليمتعنا. بينما في عالم الظواهر، تعتبر فكرة الغائية غير قابلة للإدراك: تحيلنا تجربتها إذن إلى فكرة عالم مفهوم الشيء (في ذاته أو كما يبدو للعقل المحض في الفلسفة الكانطية)Noum’nal ، ما فوق المحسوس، لايمكن بدون شك لأي إحساس معرفي أن يصل إليه ن ولكنه يعطينا إ شارة عبر التجربة الجمالية المقنعة. لايصلح ذلك إلا بالنسبة لميدان الجمال الطبيعي. تختلف الوضعية بالنسبة للميدان الفني، مادمنا في مواجهة موضوع قصدي. ومن ثم، تبرز صعوبة الحكم الذوقي الخالص (بمعنى الغير محدد بواسطة المفاهيم) في الميدان الفني. من هنا تتدخل نظرية العبقرية: يمكن أن تجرب الغائية بدون هدف نوعي في المجال الفني، بشرط أن يظهر لنا العمل كما لو كان عملا للطبيعة ـ وهو ما يشكل خاصية العمل الفني العبقري. إن التعارض بين كانط والتراث النظري للفن ليس إذن تعارضا مطلقا: ستصل نظرية العبقرية بعد تهييج من طرف الرومانسية إلى الإيطوبيا الفنية المتعلقة بحدس فكري للكائن.
لقد تم اعتبار أطروحة الكونية الذاتية للحكم الجمالي في غالب الأحيان كإنجاز عظيم للجمالية الكانطية. نمنح لها قيمة أكبر باعتبارالمهمة الموكولة إليها: إنقاذنا من النزعة النسبية الجمالية. إنجاز حالات قليلة للنسبية الفعلية المتعلقة بالتقويمات الجمالية، حيث الشهادات الدالة على ذلك عديدة. تعتبر إحالة هذه اللاتوافقات كما كان يفعل كانط، إلى فساد أحكامنا الذوقية الذي قد يجعل ذلك مجرد تحصيل حاصل، ومن ثم، فقد تم تحديد الحكم الذوقي الخاص في مدخل اللعبة وكأنه يتضمن انخراطا كونيا: هكذا كانت الحالة، كل عدم اتفاق لايمكن أن يحيل إلا على حكم غير خالص والعكس صحيح. أنا مقتنع بأن كل جمالية لا تقبل نسبية التقويم الجمالي لا يمكنها إلا أن تذهب في الطريق الخطأ: وهكذا لم نكن لنخرج من إيطوبيا الفن إلا لنسقط مرة أخرى في الإيطوبيا الجمالية. لكن الشيء الأصعب لم يكن أبدا مؤكدا، وسأرى بشكل إرادي علامة مشجعة بالنسبة لمستقبل التأمل الجمالي بفعل أن بعث الجمالية الكانطية يذهب بمصاحبة زوجية مع التلقي المتأخر (من الأفضل أن يأتي متأخرا من أن لا يأتي أبدا) للجمالية التحليلية الأنجلو ـ أمريكية، التي تظهر كخلف حقيقي ومستمر للمشروع الكانطي، بدون أن تقود مع ذلك إيطوبياها الجمالية.(1) PR’FACE. TRAD ;FR ,ALEXIS PHILLONENCO , ‘d VRIN 1984ترجمة وتقديم: سعيد بن الهاني[email protected]