‘ما كانش يتعز’

حجم الخط
0

كفى الزعبي بصراحة…بكل صراحة، أشعر أن عقلي يعاني في هذا الأيام من حالات ‘تعليق’ ـ أقصد هي الحالة ذاتها التي تصيب الكمبيوتر حينما يتوقف عن العمل نتيجة إدخال أوامر كثيرة إليه في الوقت نفسه. أشعر أن عقلي بات ‘يعلق’ وأن إعادة تفعيله وتنشيط قدرته على العمل تقتضي إطفاءه وإعادة تشغيله…وهذا ما دأبت على فعله كثيرا في الأيام الماضية: فبدل نشرات الأخبار، رجعت أشاهد الأفلام على الـ ‘إم بي سي 2 ‘، وبدل قراءة الصحف بدأت أفتح ـ وسأعترف أنني لم أفعل ذلك منذ أشهر، منذ بدء الثورات العربية ـ الكتب…وكلما اعتقدت أن عقلي استعاد شيئا من حيويته وأنه بات ـ ولو إلى درجة ما ـ قادرا على فهم الأمور …عدت أسمع الأخبار وأقرأ الصحف، ويا للكارثة، فما يلبث أن ‘يعلّق’ من جديد…كل هذا صار يحدث لي تحديدا بعد اندلاع الثورة السورية، وتحديدا على خلفية الانقسامات الحادة التي حدثت في أوساط المثقفين العرب في قراءتهم لهذه الثورة. ففيما يخص الثورة التونسية والمصرية كانت الأمور تجري بسلاسة كانسياب الماء، بل كان هذا الانسياب يبعث على الفرح والمتعة، ذاك أن فهم ما يجري كان ينسجم تماما مع ‘داتا’ المعلومات التي نسخت في أذهاننا وتعلمناها كأسس بديهية لفهم حركة التاريخ: أنها ثورة الضرورة التاريخية، التي انفجرت حينما نضجت الظروف، ووصل الصراع إلى أوجه وأصبح من المستحيل حل التناقضات الجوهرية القائمة في المجتمع، إلا بنسف النظم القائمة وبناء أخرى، جديدة، تقوم على العدالة والديمقراطية. لقد حدثت الثورة وردت بحدوثها هذا أبلغ رد على جميع المثقفين الثوريين، الذين كانوا حتى تلك اللحظة يتساءلون، ويتناقشون، ويتجادلون عن أسباب عدم حدوثها، خصوصا وأن الظروف كلها متوفرة: قمع واستبداد وجوع وفقر ناهيكم عن الهزائم. كانت مفاجأة سارة حقا. أنا شخصيا، زغردت ـ مع أنني لا أجيد الزغردة ـ وأنا اسمع خبر تخلي حسني مبارك عن الحكم. بعد ذلك سال لعابنا جميعا على النصر والحرية، حتى أن المثقفين الأردنيين ـ الذين دأبوا على الاعتصام أمام السفارة المصرية قبل سقوط مبارك، تعبيرا عن دعمهم للثورة ـ صاروا يتساءلون عن السفارة القادمة التي سيعتصمون أمامها…وصار لا بد لهم من معرفة جميع مواقع السفارات العربية في عمان كي لا يباغتهم سقوط الطغاة . لغاية تلك الأيام، كانت الأشياء تبدو مثل معادلات رياضية في غاية السهولة لا يختلف على حلها اثنان. لكن هذه المعادلات ما لبثت أن قفزت من مستوى البديهيات (1+1= 2 ) إلى مستوى معادلات بمجاهيل (س وص وع وغ ، وربما كل أحرف الأبجدية)، معادلات يصعب حلها بنظرة واحدة أو قراءة واحدة… إنها معادلات الثورة السورية. فجأة بدا الحديث عن الضرورة التاريخية، وعن التناقضات الطبقية، وعن انعدام كرامة المواطن، والفساد والقمع والقتل، أصبح كل ذلك في نظر الكثيرين بمثابة أسباب تافهة أمام ما هو أعمق وأخطر: ما يهدد وجود الأمة، ووحدة أراضيها. حينما أصغي لهذه القراءات التي تدّعي أنها تمسك بمصابيح ذكية وثاقبة تضيء بها مساحات مظلمة لا يراها المغفلون، مساحات تقبع خلف الدماء والجوع والقمع، أتوقف متأملة وأنا أقول لنفسي: ربما هم محقون، فمن السذاجة بمكان افتراض حسن نية الأطراف الأخرى ـ الخارجية – الشريكة من قريب أو بعيد في الصراع، أو تلك التي تريد أن تنتزع لها مكانا في الصراع. هذا الخطاب يجعل من الثورات العربية ليس إلا مدخلا ً آخر لتحقيق مخطط قديم، يهدف إلى صنع شرق أوسط جديد. أجل، يبدو الكلام منطقيا، فمن السذاجة بمكان افتراض أن عدم تمتع المواطن العربي بالحرية والديمقراطية يقضّ مضجع أمريكا والغرب. ومن الغباء أيضا افتراض أن إسرائيل تقف ـ وستظل واقفة ـ مكتوفة الأيدي تراقب كيف تنهار الأنظمة التي طالما كانت صديقة لها…ومن السذاجة التصديق أن تركيا مشغولة بكرامة المواطن العربي فقط بسبب حسن نيتها وطيبتها، وان إيران لا تملك أية مصالح في العراق، وأن روسيا، وأن الصين…وأن اليابان وأن جزر الهلو لولو… كل هذه الحيثيات مفهومة ومنطقية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما العمل إذن؟ كيف يمكن للمواطن العربي أن يخرج من دائرة أسره وسجنه وجوعه وتخلفه؟ كيف يمكن له ذلك، إن كان ـ وسيظل ـ ليس سوى موضوع لمؤامرات الآخرين وصراعاتهم؟ فحتى ـ حسب منطق هؤلاء المثقفين ـ عندما يخرج إلى الشارع ويثور، ويطالب بحريته بل ويموت من أجل هذه الحرية، فإنه يفعل ذلك ‘بوعي أو بلا وعي منه ‘تحقيقا لمخطط خارجي، ودماؤه لن تخدم لا حريته و لا تحرره، بل تخدم الأعداء…ولا أحد غير الأعداء. أيضا ما العمل؟ ماذا يقترح هؤلاء المثقفون على المواطن العربي، والسوري تحديدا، ليفعله؟ هل يعود إلى شعار: (الله …سورية… بشار وبس)؟ أم ماذا؟ أنا أسأل لأنني فعلا أبحث عن إجابة! ذاك أن الاستمرار بالثورة، سيقود إلى مخاطر ستعيدنا إلى الوراء عقودا أخرى ـ كما يقولون ـ بينما العودة إلى الخنوع والرضا بالذل والقمع والفساد تبدو بظني ـ وإن بعض الظن إثم ـ صعبة وغير واقعية…أما الثورة بشروطها المثالية التي يطالب المثقفون الشعب السوري بتحقيقها، أي الثورة ضد الخارج قبل الداخل، الثورة التي يخرج فيها الملايين ويكتسحون الشوارع، ويرفعون فيها شعارات يسارية ووطنية تستجيب لأحلام النخب، فاسمحوا لي أن أرد وبالعامية المصرية: ‘ما كانش يتعز’…فهذا هو الواقع العربي: أولا هو واقع إسلامي يقيّم أخلاق الفرد بعدد الصلوات التي يؤديها في النهار، شعوب تصلي وتصوم وتؤمن غالبيتها أن الحل يكمن في الإسلام. وثانيا فإنه، بسبب الاستعمار وأسباب أخرى كثيرة، فإن هذه الشعوب تميل إلى التمسك بالمرجعيات الطائفية والقبلية والإقليمية في لحظات توترها. وثالثا، هي شعوب باتت مأزومة بسبب تراكم هزائمها وذلها وجوعها.. ورابعا هي شعوب لا تملك اسلحة تحارب بها أنظمتها أو الخارج، وتنتصر (هذا اذا ما استثنينا خناجر وبنادق الشعب اليمني، غير ذلك لا أظن أن المواطنين اليمنيين يملكون الدبابات والقنابل) وهي شعوب لا تملك أحزابا قوية تقودها وتضع لها برامج سياسية وترسم لها مسارات الثورة… وخامسا هناك أنظمة مجرمة تدافع عن نفسها ـ ولا شيء غير نفسها ـ بمنطق : إما أنا وإما الشعب، مما يجعل من كل متظاهر (سوري) مشروعاً انتحارياً يخرج إلى الشارع وهو يدرك أنه قد لن يعود إلى بيته بل إلى القبر. ومع ذلك فإننا نشهد تزايد عدد الانتحاريين (المتظاهرين) في كل جمعة. وبالمناسبة يغض البعض أنظاره عن هذه الحقيقة ويشكك بالثورة لأنه لا يرى الملايين تكتسح الشوارع. ما الذي يقترحه المثقفون الذين لا يكفون يحذرون من مخاطر التقسيم والمؤامرات الخارجية؟ أيضا أنا أسأل لأنني أتوق لمعرفة الإجابة. وهل بوسعنا أن نصنع التاريخ فقط ونحن نتفرج عليه من بعيد ونشير بأيدينا، أن هذا الفعل صحيح وهذا الفعل غبي؟ وهل ـ وهو السؤال الأهم ـ يصغي التاريخ لنا؟ يبدو لي أن هذا التاريخ يمضي حسب قوانينه الداخلية هو، سواء أعجبنا مساره أم لم يعجبنا، وما يحدد المسار الذي يمضي به هو أطراف الصراع العديدة وليست رغباتنا وقراءتنا وأحكامنا: الأنظمة، والقوى الخارجية صاحبة المصالح والأجندات، والشعوب. أجل الشعوب التي يحاول البعض نفي دورها، أو تشويهه أو التقليل من شأنه في أفضل الأحوال. وهنا برأيي يكمن جوهر ضبابية الرؤية لدى الكثيرين، حينما لا ينسجم ما يحدث في الواقع مع تصوراتهم عن هذا الواقع، فيلجؤون إلى ليّ عنق الحقائق كي تصلح لوضعها في أطر تحليلاتهم. ما يقوله لنا الواقع الآن، أن الشعوب العربية، قررت أن تشغل مكانها الذي ظل شاغرا لزمن طويل في هذا الصراع بما هي عليه في واقع الحال: بمكوّنات بناها الثقافية والدينية والاقتصادية والاجتماعية. من أين لنا أيها الأعزاء مواصفات أخرى؟ من أين لنا بشعب يستجيب لرغباتنا وأحلامنا ويصنع ثورة اشتراكية؟ شعب خال من أمراض التخلف؟ شعب يملك برنامجا سياسيا ورؤية عميقة للتاريخ تفوق رؤية ماركس ذاته؟ شعب قادر على إفراز نخب تفهمه وتقوده؟ شعب يملك أسلحة فتّاكة تقضي على الأنظمة والأعداء بنهار واحد، وتبهرنا بانتصارات سريعة تشفي الغليل والأحلام. فعلا ‘ما كانش يتعز’ و ‘العين بصيرة واليد قصيرة’!!في الحقيقة أنا أعتقد أن التاريخ لم ينجب بعد هذا الشعب المتحلي بهذه المواصفات المثالية، المنحوتة حسب مواصفات النخب…لهذا أدعو النخب إلى النزول قليلا من علياء موقعها ـ كحكم مراقب ـ إلى أرض الواقع والتعامل مع المعطيات المتاحة، المعطيات التي صنعتها ظروف تاريخية معقدة ولا تكف عن صنعها، حتى وصلنا إلى النتائج التي نقف عليها الآن: شعوب قررت أن ترفض الذل والقمع، وأنظمة بطشية متمسكة بقدسية حقها في السلطة، وقوى خارجية لها مصالحها، وقوى داخلية لها حساباتها…كل هذه الأيادي تتنازع على مقود القيادة لتحرف مسار المركب صوب شواطئ مصالحها، لهذا أنا أتفق مع الرأي القائل أنه من السذاجة بمكان أن نؤمن بطوباوية، أن الثورة ـ ثورة الشعب المطالب بالحرية والعدالة – تمضي عبر طريق تقف على حافتيه جموع المصفقين الداعمين المحتفين، الذين يرشون عليها الزهور ويغمرونها بأمنيات النصر…لكنني بالمقابل، أؤمن أيضا أنه لم يعد أمام المواطن العربي إلا هذا الطريق. إلى أين سيوصله؟ لست أدري، إذ من الصعب التنبؤ بحركة التاريخ. التاريخ الذي يصنع فيه كل شعب المكان الذي لا يحلم به، بل المكان الذي ينسجم مع إمكانات هذا الشعب وظروفه، سواء أعجب هذا المكان النخب أم لم يعجبها، لا سيما حينما تكون هذه النخب عاجزة عن فعل شيء اللهم إلا إطلاق الأحكام والاتهامات والتهويل بفزاعة المؤامرة، من غير أن تطرح بدائل أو تكون قادرة على صنع هذه البدائل. بصراحة، أنا أفضّل مؤامرات يبدو ـ على الأقل يبدو ـ أننا شركاء بصنعها على مؤامرات نتحرك فيها كدمى بينما يقف محركنا على المسرح لا يكلف نفسه مشقة التخفي ولا مشقة استعمال ألوان شفافة للخيوط…أفضّل مؤامرات مجهولة النتائج قد وأركز على ‘قد’ تمنحنا شيئا من الكرامة، على مؤامرات جربتها الشعوب العربية طويلا ولم تحظ منها سوى بالاضطهاد والذل والهزائم… أفضّل أن تجرب الشعوب العربية قول لا ربما وأركز على ‘ربما’ تجلب لها الكوارث على نعم ثبت أنها لم تنقذها ولن تنقذها في كل الأحوال من قلب الكوارث. أفضّل أن تخوض الشعوب العربية المغامرة ـ غير معروفة النتائج ـ على السكون وممارسة الخوف من شر من الممكن أن يكون أسوأ وأفظع. اعزائي المثقفون: لو كانت الشعوب العربية تمتلك وسائل القوة التي تؤهلها لخوض صراع تتكاتف فيه عليها جميع القوى ـ الداخلية والخارجية ـ وتوجه إليها الضربات من كل الجهات، لما احتاجت لقراءاتكم ونصائحكم وتحذيراتكم . وبما أن هذه الشعوب تقف الآن وحيدة في الميدان، تصارع ببطولة سيخلدها التاريخ، كل الأعداء مجتمعين، فربما من الأحرى لكم أن لا تجعلوا من أنفسكم عدوا جديدا لها. ربما من الأحرى مساندتها ولو من بعيد، فمن يدري، قد ـ وأركز على قد ـ تفاجئكم وتنتصر؟!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية