دمشق ـ ‘ القدس العربي’ ـ أنور بدر: ‘خوسيه أورتغا إي غاسّيت’ ولد عام 1883 في مدريد، درس الفلسفة وحصل على الدكتوراه عام 1904 برسالة عنوانها ‘ مخاوف السنة الألفية: نقد أسطورة’. ثم سافر إلى المانيا حيث حضر محاضرات في الفلسفة الحيوية وفي النزعة الكانطية الجديدة، قبل أن يعود إلى اسبانيا ليساهم في الحياة الأكاديمية والثقافية لمجتمعه، فأسس عام 1915 مجلة ‘ اسبانيا’ ثم مجلة ‘ الغرب’ التي تُعتبر من أفضل المجلات الأدبية والفكرية في عصرها، وحتى على مستوى العالم. دخل ميدان السياسة في عهد ديكتاتورية ‘ بريمودي ريبيرا 1923- 1930’ داعيا إلى الحريات الديموقراطية وعودة الحياة النيابية، وقيام الجمهورية، التي ما لبثت أن أعلنت عام 1931 حيث سارع إلى تأسيس جمعية سياسية باسم ‘ في خدمة الجمهورية’ وانتخب نائبا في الجمعية التأسيسية، لكن آماله في السلطة الجديدة خابت سريعا، وعندما قامت الحرب الأهلية في اسبانيا عام 1936 غادر البلد وراح يتجول في العالم حتى نهاية الحرب الكونية الثانية، فعاد إلى بلده وتوفي سنة 1955. كتب ‘ أورتغا’ العديد من المؤلفات الفلسفية والفكرية التي ترجمت إلى مختلف اللغات الحية، ويعتبر الناشر ‘ باولينو غراغوري’ أن كتاب ‘ تمرّد الجماهير’ من أهم مؤلفاته وأكثرها شهرة حتى خارج حدود العالم الغربي، لأنه يتناول أهم واقعة ثورية في عصرنا ‘ إنها وصول الجماهير إلى سدة السلطة الاجتماعية’ وما نتج عن ذلك في الفكر والثقافة والسياسة أيضا.
إنّ التسييس الشامل، وامتصاص السياسة الأشياء كلّها، والإنسان كلّه، يستوي وظاهرة تمرّد الجماهير المرصوفة، لقد فقد الجمهور المتمرّد كل قدرة على التديّن والمعرفة، ولم يعد صدره يتسع إلا للسياسة، لسياسة مُفرّطة، مجنونة خارجة من ذاتها، لأنها تطمح إلى أن تحلّ محل المعرفة والدين والحكمة، وأخيراً محلّ الأشياء الوحيدة التي بجوهرها مُعدّة كيما تحتلّ مركز ذهن الإنسان.
والسياسة تنتزع المرء من فردانيته وتحدّ من حميميته، لذلك كان التبشير بالتسييس الشامل إحدى التقنيات التي تستعمل لتشريكه، وإذا سألنا أحدٌ: ماذا نحن في السياسة؟ أو إذا استبقَنا بالوقاحة التي تنتمي إلى أسلوب عصرنا، فيُلحقنا بسياسة ما، ينبغي لنا أن نسأل المزعج عوضاً عن أن نجيبه: ماذا يحسب هو الإنسان والطبيعة والتاريخ، وما المجتمع والفرد، والجماعة والدولة والعرف والحق؟ لأنّ السياسة تبادر إلى إطفاء الأضواء كيما تبدو هذه القطط كلها رمادية قاتمة. إنّ ‘ تمرّد الجماهير’ كتاب يتصدى لأكثر وقائع القرن العشرين إيجابية، لكن قوته غير المسبوقة قد جلبت في آنٍ واحدٍ وبالقوّة، مخاطر هامّة وجديدة جداً. وإنّ تحقّق توقّعات ‘ أورتغا’ حالياً – وهي توقعات تعود إلى نصف قرن – يمكن أن تُسهم في قراءة الكتاب اليوم بإمعان أكبر لفهم اللحظة التاريخية التي نعيشها، لأنّ جوهره يقوم على ‘ مذهب حول الحياة البشرية’. فهل حانت اللحظة التاريخية لنقرأ ‘ تمرد الجماهير’ في زحمة الإعلام الذي يرصد الآن ربيع الثورات العربية الراهن؟.
ومن هنا أهمية هذه الترجمة التي تقدمها ‘ دار التكوين’ في دمشق لهذا الكتاب بتوقيع علي إبراهيم أشقر الذي يشكل واحدا من أهم مترجمي اللغة الإسبانية في سورية. وقد صدرت الطبعة الأولى عام 2011.